عن الرئيس اليمني الأسبق أحمد الغشمي

مصطفى أحمد النعمان

مصطفى أحمد النعمان يكتبعن الرئيس اليمني الأسبق أحمد الغشمي (11 أكتوبر (تشرين الأول) 1977– 24 يونيو (حزيران) 1978)


مقدمة لابد منها:
(يضع الكثيرون إبراهيم الحمدي في مقام بعيد عن النقد، وهو أمر لا يمكن ولا يجوز القبول به تجاه أي حاكم، مهما كانت مهاراته وإنجازاته، وعندما تناولت حركة/ انقلاب 13 يونيو (حزيران) 1974 في حلقات خمس على موقع “إندبندنت عربية”، كنت أسجل “خواطر” ومعلومات سمعتها مباشرة، أو من مصادر تحققت من صدقها، وكانت قريبة من الواقعة).

لما كان الحمدي “اجتث” كل الشخصيات العسكرية القادرة على قيادة البلد مكتفيا بأحمد الغشمي، وعمد إلى استبعاد الشخصيات القبلية من المشهد، فقد كان من الطبيعي غياب أي معارضة جادة من الشخصيات العسكرية أو المدنية التي ظلت في الصدارة.
وكانت ثقة الحمدي مطلقة بنائبه (أحمد الغشمي)، ولم يكن يرى فيه أي خطر أو تطلع نحو الرئاسة، فقد أسهم معه بإخلاص في التخلص من كل منافسيه العسكريين خلال العام الأول من حركة/ انقلاب 13 يونيو 1974، كما أن شخصيته لم تكن تعطي أي إيحاء بمهارات قيادية..
وكانت هذه هي الفجوة التي استغلها (الغشمي) للبدء ببطء للإعداد للتخلص من رئيسه والقفز إلى قمة الحكم، وتمكن من السيطرة السريعة على كل مفاصل الجيش، والتخلص من القيادات العسكرية التي كان يمكن أن تسبب له إزعاجاً، ولكنه احتفظ بكامل الجهاز المدني لأنهم جميعاً من الشخصيات التي ما كان أحدها يجرؤ على التعبير، وربما التفكير عن طموحات أكثر من الاحتفاظ بوظيفته وحياته.

في صباح 11 أكتوبر 1977 لم يكن أحد يتوقع حدوث ما يمنع زيارة الحمدي إلى عدن في اليوم التالي، ومر اليوم عاديا – عند العامة – لم يميزه إلا بدء إذاعة صنعاء بتلاوة القرآن بصورة مستمرة دون الإعلان عن السبب،
وفي عدن – التي كانت تنتظره في اليوم التالي – انتبهت أجهزة الرصد إلى ذلك، مما أعطى انطباعاً بوفاة شخصية مهمة فأبلغت بعض القياديين، وأخبرني أحدهم أن الرئيس الراحل (سالم ربيع علي) طلب الاتصال بالحمدي لمعرفة الأمر، لكن “التحويلة” أبلغته بأنه غير موجود، فطلب التحدث مع عبدالعزيز عبدالغني (رئيس الوزراء) فاعتذروا له بصعوبة الوصول إليه..
قرر سالمين بعدها – على مضض – الاتصال بأحمد الغشمي (نائب الحمدي ورئيس هيئة الأركان العامة) الذي رد فورا، وبرر الأمر بأن (مصيبة كبيرة قد وقعت؛ قتلوا إبراهيم في الدائري) – يقصد أحد المنازل التي تقع على الخط الدائري في صنعاء – وأنهم في صنعاء يلاحقون القتلة.

في المساء نصب المقدم أحمد الغشمي نفسه رئيساً لمجلس القيادة 1977، وكان واضحا أنه جهز العدة كاملة للسيطرة على المعسكرات ومقار الدولة، فلم تحدث مقاومة تذكر سوى بعض المحاولات الفاشلة للاقتراب منه، واستكانت صنعاء، ورغم الحزن والقلق فإن شيئاً جاداً ما كان يهدد طموح الغشمي ويعكر سعادته.

كان المقدم عبدالله عبدالعالم قائداً لقوات المظلات مقرباً من إبراهيم الحمدي وسانده في إجراءات التخلص من القيادات العسكرية المنافسة بعد 13 يونيو 1974، وكان اغتيال الحمدي واختفاء عدد من العسكريين مفاجئاً له، ولم يعلم به إلا متأخراً، ونظرا لقربه الشديد وولائه للحمدي فقد شعر بخوف أن يلقى نفس المصير.
ولقد ذكرت في مقال سابق أنه جاء لزيارة النعمان في منزله بصنعاء ليبث له مخاوفه، وقلت إن النعمان طمأنه بعد مكالمة مع (الرئيس) أحمد الغشمي بأنه ليس معنياً ولا مطلوباً، وأن عليه العودة إلى معسكره والهدوء، لكن عبدالعالم ظل يعيش أياماً من الخوف حاول خلالها عدد من كبار رجال تعز طمأنته، لكنهم لم يفلحوا، وازدادت شكوكه تجاه نوايا الغشمي.

في 6 فبراير(شباط) 1978 قرر (الرئيس) الغشمي إنشاء مجلس الشعب التأسيسي من 99 عضواً، وعين على رأسه القاضي عبدالكريم العرشي، وكان الهدف الحقيقي هو إلغاء مجلس القيادة وتسمية نفسه رئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للقوات المسلحة، وبطبيعة الأمور صار له ما يريد.

في 22 أبريل(نيسان) 1978 أقر مجلس الشعب التأسيسي تعديل شكل رئاسة الدولة، وإلغاء مجلس القيادة وترشيح المقدم أحمد الغشمي رئيسا للجمهورية، وهو ما تم إقراره في جلسة اليوم التالي 23 أبريل(نيسان)، ولكن فترته كانت قصيرة وغير مستقرة وعكرتها حادثتان: الأولى وقعت في تعز، وهي الأهم في تاريخها، والثانية: اغتياله في 24 يونيو 1978.

ارتفع منسوب الخوف عند عبدالله عبد العالم، وفشلت كل مساعي تهدئة مخاوفه، فقرر الهروب إلى منطقة الحجرية في محافظة تعز مع عدد من الضباط الموالين المتهمين بانتماءاتهم اليسارية، كان قائد تعز – حينها – (الرائد) علي عبدالله صالح المقرب من أحمد الغشمي، وبقي عبدالله عبدالعالم في قريته مع عدد من الضباط والجنود ما اعتبره الغشمي تمرداً.

في شهر مايو(أيار) 1978 قام (عبدالعالم) باحتجاز عدد من كبار شخصيات تعز الاجتماعية ورجال الأعمال الذين ذهبوا إليه في محاولة وساطة لنزع فتيل الأزمة، وتمت تصفيتهم… وتبقى تفاصيل ما حدث متضاربة إلا أن المؤكد أنه فقد السيطرة على الموقف، وصار متأثراً بعدد من الضباط حوله، فتم قتل فريق الوساطة (صارت تعرف بحادثة الحجرية)، بعد تصوره أن الأمر مرتب مع الغشمي وعلي عبدالله صالح لكسب الوقت ومحاصرته ثم التخلص منه، وأدت حادثة الحجرية إلى إفراغ المنطقة من كبار شخصياتها الاجتماعية وشيوخها، وفر بعدها عبدالله عبدالعالم إلى عدن وبقى فيها ثم انتقل إلى دمشق.

كان الغشمي معروفاً بكرمه الشديد والقسوة في آن واحد، وتمكن خلال فترة قصيرة من فتح قناة اتصال مستمرة مع الرئيس اليمني الجنوبي سالم ربيع علي بدأت في يوم دفن إبراهيم الحمدي..
ولاشك أن الشخصيتين كانتا متقاربتين من حيث أسلوب التعامل مع الخصوم وتصفيتهم خارج إطار القانون، وهو ما يفسر استمرار الاتصالات بينهما إلى حد الاتفاق على إجراء عملية تبادل للمعارضين بين الشطرين، وهي قضية لم يكن للجانب الأخلاقي والإنساني فيها أي اعتبار تجاه أشخاص فروا من الجنوب بحثاً عن الأمان في الشمال، وشماليين فروا جنوبا للالتحاق بالرفاق هناك، بل إن الأمر كان أقرب ما يكون بصفقة تجارية ثمنها التقرب من الجنوب وتجنب أي محاولات للانتقام من مقتل الحمدي كما كان يشاع حينها، ومن الطرف الثاني كان التخلص من الخصوم قاعدة معمول بها ولا تجلب الاستهجان ولا مستغربة.

بعد أشهر من تولي الغشمي الرئاسة التقى عضو المكتب السياسي صالح مصلح وزير الداخلية الجنوبي في مكتبه بالقيادة العامة للقوات المسلحة، وجرى البحث في تسريع عملية تبادل الأسماء المطلوبة، ولابد أن مصلح شعر بلهفة الغشمي الحصول على تلك الشخصيات والتخلص منها فوعده بذلك، وخلال اللقاء ذكر له أسماء ثلاث من كبار شيوخ الجنوب المقيمين في شمال اليمن من ضمن قائمة طويلة (الشيخ أحمد صالح بلحمر، والشيخ عوض الربيزي، والعقيد حسين عشال)، ورغبة من الغشمي في كسب ثقة الضيف استدعى اثنين منهم (بلحمر والربيزي) وقتلهما أمام مصلح، بينما نجا العقيد عشال لأنه كان في تعز، ولم يمض وقت طويل حتى تم اتخاذ قرار في عدن بالتخلص من الغشمي.

كان أحمد الغشمي على موعد هو الأخير في حياته في 24 يونيو 1978، إذ انتظر مبعوثاً خاصاً من الرئيس سالم ربيع علي لتسليم قائمة نهائية بأسماء الذين سيتم تبادلهم، ورغم الشكوك التي أبداها (رئيس المخابرات) محمد خميس عن شخصية الرجل (مهدي أحمد صالح “تفاريش” – تعني الرفيق باللغة الروسية)، إلا أن الغشمي كان متلهفا إلى حد تجاهله كل التحذيرات ومنع تفتيش “المبعوث”، فانفرد في مكتبه، وفي الساعة 8 صباحاً و55 دقيقة دوى انفجار كبير لحظة فتح الحقيبة التي حملها “تفاريش”، وقُتل الرجلان.

نشوان نيوز