خنجر الحوثية وعروبة اليمن

  

رمز كاتب قلم

فؤاد الوجيه يطنب حول: خنجر الحوثية وعروبة اليمن


عادة ما يقتصر ضرر الانقلابات على المستوى السياسي والاقتصادي وجوانب محدودة في المستويات الاجتماعية والثقافية، باعتبارها -أي الانقلابات- تقوم بها جهات محلية حتى وإن كانت مدعومة ماديًا وإعلاميًا وعسكريًا ولوجستيًا وبالغطاء السياسي الدولي، إلا أن غاية الداعم الأجنبي لا تتعدى المصالح الخاصة لدولها وأنظمتها التي غالباً ما تكون منصبة حول الاستحواذ على الثروة والاستغلال للجغرافيا والتبعية لقرارها السيادي من قبل المنقلبين على أنظمة الحكم في بلدانهم،

إلا أن المنقلبين -كما أسلفنا- هم في نهاية المطاف أبناء مجتمعاتهم، وإن كانوا الأسوأ في كل مجتمع، وهم أيضًا جزء من شعوبهم، وإن كانوا الجزء الفاسد فيهم، وهم أيضًا مكون من مكونات النسيج الاجتماعي، لكن مصالحهم تلك وعمالتهم لا تكون موجهة بالدرجة الأساس نحو الهويات الوطنية، وقيم مجتمعاتهم وإرثها الحضاري، بل العكس، فغالبًا ما يتسترون بسواتر وطنية وقيمية ودينية.

الحالة الحوثية
الحوثية واحدة من تلك الأدوات المنفّذة والمدعومة إيرانيًا، والتابعة لها تبعية علنية لا تحتاج إلى إثبات أو دلائل، لكن ميليشيا الحوثي بذرة إفساد موجهة لكل مقومات وثوابت المجتمع اليمني، وتعويذة مسخ لهوية اليمن في كلِّ ما تمثّله الهوية اليمنية، وكل ما عرفت به ووجدت عليه، باعتبار أن الممول لهذه الميليشيا حامل لمشروع يعادي الهوية اليمنية العرقية والعقدية والفكرية، عداء يمتدّ من جذوره اليعربية وحتى واقعه وموقعه المعاصر، بما في ذلك مكانة اليمن الحضارية، ومقوماته البشرية حاليًا ومستقبلًا للمنطقة العربية، وخاصة للجزيرة العربية كدرع بشري في مواجهة مشروعه الفارسي.

ولا يقتصر دور إيران فيما تمارسه ومارسته جماعة الحوثي في اليمن منذ 2006 وحتى اليوم على التمويل والدعم؛ بل تقوم بكافة المهام، وتتكفّل بكلّ الأدوار سراً وعلناً، بينما تكتفي جماعة الحوثي في التنفيذ الحرفي، مما يجعلها في حالة انقياد تام لكل رغبات النظام الإيراني، ومن هنا تأتي خطورة الانقلاب الحوثي الذي يتعدى أخطار أي انقلابات شهدتها بلدان العالم، ويتجاوز حتى أخطر أنواع الاحتلال الذي عرفته الشعوب على مدى التاريخ، فكل ما يعني الشخصية اليمنية ويميزها تستهدفه الميليشيا الحوثية؛ بدءاً من عقيدته -والتي تعدُّ أهم خصوصياته وأصل مقدساته- وحتى أنماط تفكيره وتوجهاته وجذوره اليعربية، وهذا ما سنحاول التفصيل فيه في هذه القراءة المقتضبة.

ملامح مسخ الهوية العربية للشخصية اليمنية
عملت الحوثية منذ بداية انقلابها على استهداف تدريجي لعروبية اليمن أرضًا وإنساناً لأسباب كثيرة، منها: العداء والحقد التاريخي للعرب من عهد سقوط مملكتهم على أيدي العرب المسلمين وخاصة من أبناء اليمن آنذاك، وشهد التاريخ الإسلامي العديد من محاولات الاختراق للدول الإسلامية من أجل تغيير صبغتها التي لا تؤمن بالعرقية وجعلها فارسية الهوية إسلامية الشكل.

ومن الأسباب ما يعود للإسلام نفسه، فإن عروبية المنشأ للإسلام جعله عدواً للفرس، فعملوا على تبني التشيع الذي هو في الحقيقة وسيلة لتفريس العالم العربي والإسلامي من خلال فكرة الأئمة الاثني عشر، وأدى غياب إمامهم الأخير إلى إحالة الحكم وتحويله إلى يد الولي الفارسي حتى يظهر الإمام المختفي بزعمهم، ولن يظهر؛ ليس لأنه لا حقيقة له فقط، ولكن لأنهم أخفوه لكيلا يظهر، ويظل أمر الوصاية الفارسية هو القائم، وبهذا تتحقق لهم السيادة على المنطقة العربية بكل مقوماتها العسكرية والدينية والثقافية، وبمرجعية تاريخية سبق تزييفها من قِبلهم.

إن استهداف العربية لغة وأرضًا وإنساناً وثقافةً أمر ضروري لملالي فارس لأسباب جغرافية، وهي أن بلاد العرب هي المتاح الجغرافي الأقرب للتوسع منذ القدم، وزاد الأمر أهمية وجود ثروات هائلة تجعل من إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية أمرًا ميسوراً كما يهيأ لهم. وتعدّ اليمن المنبع الأصلي للعروبة، والبوابة الجنوبية والغربية للعرب، والقوة البشرية في خليج العرب مطمع إيران الأول، والذي لا زالت تطلق عليه الخليج الفارسي حتى اللحظة. وتفريس اليمن خطره يتعدّى اليمن والخليج؛ فهو طمس لأصل العروبة، وإخماد وتغييب للهوية العربية من منبعها.

وسائل مسخ الهوية العربية لليمن
وسائل كثيرة تنتهجها إيران لمسخ الهوية العروبية لليمن، وتجريد الشخصية اليمنية من مقوماتها العروبية، أهمها:
1- ربط ذهنية اليمني بإيران مكانًا ورموزاً، وبالمقابل تشويه صورة العروبة والعرب، مستفيدين من واقع وحال العرب، متخذين من ستار المقاومة للمشروع الصهيوني والاحتلال الأمريكي شعارًا ونافذة لإبراز إيران قائدًا وملاذًا ومصدرًا للممانعة والمقاومة، مستغلين الوضع العربي الراهن.
2- ترسيخ الثقافة الفارسية في الدروس، والمحاضرات، واللقاءات، والبرامج التلفزيونية، والمناهج الدراسية، والتي ستلحقها خطوات كثيرة على مستوى تدريس اللغة الفارسية في المدارس والجامعات اليمنية بشكل إلزامي مع إهمال للغة العربية تدريجيًا، فقد نشرت صحيفة الثورة الرسمية التي يسيطر عليها الحوثيون في 13-04-2016م خبراً مفاده أن رئيس جامعة صنعاء المعين من الحوثيين التقى القائم بأعمال السفارة الإيرانية لمناقشة إجراءات فتح قسم اللغة الفارسية في كلية اللغات، وأشارت إلى أن الدبلوماسي الإيراني أبدى استعداد جامعة «الإمام الصادق» الإيرانية لتوقيع اتفاق تعاون علمي وأكاديمي مع جامعة صنعاء.
3- تغيير أسماء الأماكن والمباني الحكومية بمختلف مجالاتها بأسماء لرموز فارسية إيرانية تاريخية ومعاصرة، في الوقت الذي يتم إتلاف وإخفاء وتزوير وتحريف موروث اليمن الفكري والثقافي والتاريخي، عن طريق إحراق المكتبات التاريخية بدعوى أنها مكتبات وهابية، كما فعلوا بمكتبة الجامع الكبير ببني بهلول بصنعاء في فبراير 2019م، فقد أقدموا على إحراق المكتبة التابعة للجامع الكبير، وأضاف الحوثيون بعض الكتب والكتيبات الطائفية التي تمجد الشعارات الخمينية وإيران وحزب الله والثقافة الفارسية إلى دار الكتب الوطنية -وهي مكتبة عامة حكومية افتتحت عام 1970م-، إضافة إلى عمليات نهب وبيع المخطوطات اليمنية التاريخية وتهريبها إلى الخارج؛ وللحوثيين في ذلك غرضان خبيثان؛ أحدهما: إخفاء وتغييب كل ما يبين إسلامية اليمن وعروبته الأصيلة، والآخر: إخفاء كل ما يتعارض مع فكرة الحوثيين ومنهجهم الدخيل على اليمن، عن طريق السطو على الكتب والمخطوطات التاريخية في كلٍّ من صنعاء، والمحويت، وصعدة، وزبيد، وإب، وتعز، وذمار، وحجة.
الجدير بالذكر أن اليمن تحوي مخزوناً ضخماً من المخطوطات والكتب النادرة التي تعود إلى قرون ماضية، واستهداف ذلك المخزون يهدد تراث أمة بأكملها بالضياع على أيدي قطاع طرق، وأدوات تفريس، ومعاول هدم لوطنهم، ومطارق تهشيم لسماحة عقيدته، وخناجر غدر في خصر عروبتهم، لم يسلم منهم ماضٍ بعظمة ما تركه تاريخه، ولا مستقبل بأهميته للأجيال القادمة التي لن تغفر لنا إن فرطنا بحقها في وطن تسكنه، وتاريخٍ تفاخر به، وهويةٍ عربية تنتمي إليها.

* مجلة المنبر اليمني