“الخيوط المنسية”.. دراسة في سيكولوجية الإنسان اليمني وتعاطيه مع السياسة

  

صلاح الواسعي

صلاح الواسعي يكتب: “الخيوط المنسية”.. دراسة في سيكولوجية الإنسان اليمني وتعاطيه مع السياسة


اتحدث عن كتاب “الخيوط المنسية.. اليمن وثلاثون عاماً من حكم علي عبدالله صالح”، كتاب رائع لعادل الأحمدي صدر عام 2008 عن مركز نشوان الحميري للدراسات والنشر. الكتاب الوحيد الذي يناقش أهم فترة من تأريخ اليمن، فترة حكم علي عبدالله صالح، الحقبة الزمنية التي امتدت ثلاثة عقود أستطاع اليمن أن يتذوق ولأول مرة في التأريخ طعم الاستقرار السياسي ويتنفس هواء الوحدة في إطار بلد واحد.

مرحلة حكم علي عبدالله صالح مرحلة تأريخية، على أهميتها، إلا أن الكتابات حولها تكاد تنعدم، رغم ذلك، فإن جل ما كتب لا يتعدى كونه كتابات أكاديمية جافة تقدم سردا تأريخيا لأحداث دراماتيكية مسلسلة لا تأخذ معها دورس الماضي وعبر التأريح، أو كتابات إنشائية تتزلف للرئيس تستجدي عطاياه لا تقدم دروسا يستفيد منها القادة اليمنيون في الزمن الحاضر. وهو الشيء الجديد الذي قدمه عادل الأحمدي في كتابه “الخيوط المنسية” ويؤكد عليه وزير الإعلام الأسبق نصر طه مصطفى في تقديمه للكتاب بقوله: “الخيوط المنسية أهم ما صدر عن فترة حكم الرئيس علي عبدالله صالح من حيث عمق القراءة التحليلية المشبعة بعبر التأريخ ودروس الحاضر وتطلعات المستقبل.”

استطاع الكاتب أن يقف على مسافة واحدة من أطراف المعادلة السياسية، سواء الحكام أو المعارضة على حد سواء. فالكاتب أراد منذ البداية أن ينظر الي التأريخ بعيون الناقد التأريخي مرتديا نظارة الباحث الذي يتجاوز الحدث التأريخي ذاته الي ما يمكن أن يستشف منه من دروس وعبر وفؤائد عابرة للزمن لتستفيد منها الأجيال القادمة.
يقول الدكتور” قائد غيلان” أستاذ الأدب المقارن في جامعة صنعاء ما يؤكد انطباعنا هذا: “وهذا الكتاب رغم أنه صدر في عهد علي عبدالله صالح، لكنه كان كتابا محايدا، لم يتورط في المديح أو يوغل في العداء، بل كان قراءة موضوعية لمرحلة صالح منذ البدايات.”

أقرأ الخيوط المنسية وأقول في نفسي، في الحقيقة، ما فقدناه كيمنيين ليس اليمن الجغرافي وإنما المشروع الوطني الجامع. ففي مرحلة ما قبل الوحدة اليمنية ظلت أهداف سبتمبر هي حادي القادة السياسيين إلى بلد يمني واحد موحد خالي من مشاريع الكهنوت الإمامي والاستعمار البريطاني ومخلفاتهما. بعد الوحدة اليمنية فقد القادة السياسيون في البلد قدرتهم على الإمساك بالخط والإبقاء على النهج الديمقراطي كاستراتيجية وطنية ومشروع وطني جديد بإمكانه أن يوحد الجهود السياسية في البلد كي نصل إلى يمن ديمقراطي واحد؛ وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام المشاريع الصغيرة والقروية لتطفو على السطح وتعود لواجهة المشهد السياسس من جديد. فتلاشى المشروع الوطني الجامع ووقع الإنسان اليمني فريسة الاستقطاب السياسي بحيث أصبح البلد أشبه بكرنفال انتخابي ممتد ومفتوح على الدوام.

من يقرأ الخيوط المنسية ينتهى به الحال وقد تعدلت لديه كثير من المفاهيم والتصورات السياسية التي التصقت في ذهنة مع مرور الزمن كمسلمات تتعالى على النقد والمراجعة والتي بالنسبة لي ما كان لها أن تصحح لولا أنني قرأت هذا الكتاب.

علي عبدالله صالح حكم اليمن مدة ٣ عقود متواصلة، هذه الفترة لابد أن تأخذ حقها من الدراسة المتعمقة المتحيزة بعيدا عن تاثير إعلام المعارضة الذي اعتاد أن يلقي بالتبعات كلها على الحاكم وحده ويتناسى أن سياسة البلاد يرسمها الحاكم والمعارضة معا، وبعيدا عن ما اعتاد المتملقون للرؤساء تصويره، حيث يلقون بالتبعات كلها على المعارضة وحدها.

يصلح الكتاب كدراسة في سكيولوجية الإنسان اليمني خاصة فيما يتعلق بعلاقته بالحكم والسياسة، فالكاتب أورد حقائق عن طبيعة الإنسان ينفع استخدامها نظريات تفسر كثيرا من سلوكه السياسي. كما يصلح كتابا في التأريخ أذ يتضمن حقائق تنشر لأول مرة ومنهجا تحليليا يصلح استخدامه لفهم كثير من الظواهر السياسية في اليمن.

في الأخير أضع الكتاب بين أيديكم لتقرأونه جيدا، أفكاره مذهله لكاتب يتحدى الزمن، عبر عنها بلغة شاعر أديب وفيلسوف سياسي. في الختام، لا أجد ابلغ مما اختتم به نصر طه مصطفى تقديمه للكتاب:
“لن تقرأوا في هذا الكتاب سيرة ذاتية كما لن تقرأوا فيه رصدا تأريخيا مسلسلا لكنكم ستجدون فيه قراءة تحليلية مميزة لشخصية ومواقف أهم قادة اليمن في العصر الحديث، وهذا في تصوري أمر جديد سبقنا اليه عادل الأحمدي بقلمه وفكره الذي يجمع بين روح الأديب والشاعر وفلسفة السياسي والمثقف وعمق المحلل والمؤرخ”.

عناوين ذات صلة: