الأذن تعشق.. قصص وطرائف وعجائب وغرائب

  

محمد مصطفى العمراني يكتب: الأذن تعشق.. قصص وطرائف وعجائب وغرائب


للناس فيما يعشقون مذاهب شتى ومن تتبع قصص الحب والشغف سيجد العجائب والغرائب، أعرف صديقا لي كان يعشق صوت الإعلامية الفلسطينية الشهيرة “شيرين أبو عاقلة” يتابع تقاريرها الإخبارية في إذاعة ” مونت كارلو ” ويترقبها بلهفة وشوق ويستمع إليها بمتعة عجيبة رغم أنها تقارير تتحدث عن تفاصيل الوجع الفلسطيني والخذلان العربي والصلف الصهيوني وفي مجملها أحداث ساخنة ودموية إلا أن عذوبة ودفء صوت شيرين طغى على كل ذلك الوجع والألم وأعطى لها مذاقا آخر يتدفق إلى أذنيه كشلال من عسل مصفى.

لم يكن كبيرا في السن حتى نقول بأنه من جيل أدمن الراديو وعاش معه لعقود ولكنه شابا كان يرتوي من صوت أبو عاقلة الملائكي الدافئ الحنون وكان يصفه بسحر وإعجاب نادر ويحلق معه إلى آفاق من المتعة والنشوة الروحية والشغف المتفرد.

لقد رفض مشاهدتها في قناة الجزيرة وظل محافظا عليها صوتا ساحرا عشقه روحه وتماهى مع ذبذباته وصار يرتشفه اثيرا مسكرا يمده بالدفء والحنان.

وانقطع تواصلي به منذ سنوات ولا أدري هل ما يزال عاشقا لصوت شيرين أبو عاقلة وهل ما تزال هي تبث تقاريرها الإخبارية في إذاعة مونت كارلو ؟!

الأذن تعشق.. وهناك قصص كثيرة لم تبدأ مع ظهور البث الإذاعي وإنما قد حدثت منذ قرون وما تزال تحدث إلى اليوم وفي كتب التراث العربي التي عالجت العاطفة الوجدانية مثل ” طوق الحمامة ” لابن حزم أو ” روضة المحبين ” لابن القيم أو ” مصارع العشاق ” لجعفر السراج عشرات القصص عمن عشقوا لمجرد السماع والوصف.

ويتحدث الإعلامي الفلسطيني الشهير عارف الحجاوي في كتابه ” حياتي في الإعلام ” عن إعلاميين عشقوا الميكرفون والويل للميكرفون وللمستمعين من عشاقه، يقول الحجاوي : ” أثناء عملي في هيئة الإذاعة البريطانية bbc عايشت مذيعين ذائبين هياما بصوتهم، يغنون النشرة غناء، ورأيت بعضهم يغمض عينيه نصف اغماضة وهو يصف لك حبه للميكرفون، وكيف أنه يتحول إلى كائن مختلف عندما يفتح الميكرفون، عرفت نرجسيين عشقوا صوتهم، ونرجسيات، وعرفت امرأة تركت زوجها وطفليها وقطعت ألفي كيلو متر لكي تتزوج مذيعا عشقت صوته، فهل تلومه هو إن عشق صوت نفسه ؟! “.

ويضيف الحجاوي: “رأيت فيلما سينمائيا في بدايته لقطة جميلة، المذيع يقص عليك قصته وهو طفل، كان هذا في الخمسينات.
أبوه يعمل محاسبا في الإذاعة في أمريكا، واصطحبه معه إلى الإذاعة يوما وهو في سن العاشرة أو نحو ذلك، فإذا في استوديو الهواء ضجة، دخل الأب مستطلعا حقيقة الأمر وتبعه ولده، كان المذيع في الداخل يكلم مهندس الصوت في غرفة التحكم عبر نظام التحكم الصوتي، وبينهما زجاج صفيق، المذيع غاضب ويصرخ بالشتائم، الوضع زفت في هذه الإذاعة الكذا وكذا، يقول هذا ويثور بركان الغضب في جوفه، فيمسك بأسطوانة الموسيقى ويكسرها على ظهر المنضدة، ثم سيل شتائم في أسطوانة أخرى، وهكذا، ومهندس الصوت في غرفة التحكم مسند ظهره غير مهتم كثيرا، وعقرب الثواني بدأ يقترب من مرفأ الثانية عشرة.
ودقت الساعة.
فتح المذيع الميكرفون وبصوت ملائكي يسيل عذوبة ألقى بتحية المساء، وبدأ يقرأ نشرة الأخبار، وهو سعيدا حقا، كانت تعابير وجهه تنضح بالحبور وهو يكلم المستمعين، و ” يقص ” عليهم نشرة الأخبار.
رأى الصبي هذا المنظر، وعرف أنه لن يكون شيئا عندما يكبر إلا مذيعا وقد كان، وككثير من الأفلام الأمريكية يقولون لك: القصة حقيقية.

وكم من أصوات ألفها الناس على مدى سنوات وفتنت البعض منهم فعشقوها وهاموا بها دون رؤية وجوه أصحابها وذات مرة فوجئت بفتاة في قريتنا في ريف إب تطلب مني طلبا غريبا لم يكن يخطر لي على بال، لقد طلبت صورة للمذيع في إذاعة صنعاء عقيل الصريمي وأي معلومات عنه وأبدت استعدادها اعطائي مبلغا كبيرا من المال نظير هذه الخدمة الكبيرة التي سأقدمها لها وقد باحت لي بسرها وأنها عاشقة لصوته التي قالت أنه يخدرها ويطير بها إلى عوالم ساحرة وأنها اذا مر يوم ولم تسمع صوته تشعر بحنين جارف إليه ما إذا مرت أيام ولم تسمع صوته فإنها تمرض فقلت لها مازحا : واذا مر شهر ولم تسمعي صوته؟!
فإذا بها تجهش بالبكاء وتؤكد لي أنها ستموت إذا مر نصف شهر ولم تسمع صوت عقيل الصريمي وقد فاجئني بحالها وحين أخبرتها أن هذا المذيع لا يعلم عنها شيئا وأنه من المؤكد سيكون متزوجا وله زوجة يحبها فأخبرتني أن كل هذا لا يهمها وما يهمها هو صوته الساحر الذي شغفت به وحينها نصحتها بتسجيل صوته في كاستات وقد اعجبتها الفكرة وبالفعل سجلت له قرابة عشرة أشرطة احتياط لوقت العوزة.!!
وقد تزوجت هذه الفتاة وأدرك زوجها أنها مدمنة على هذا الصوت فتفهم حالها.

من المؤكد للصورة سطوة كبيرة ليس في المجال الإعلامي والدعائي فحسب بل في كل مناحي الحياة اليوم إذ نحن نعيش في ” عصر الصورة ” حيث تستطيع الصورة نقل الحقيقة واختزال الحدث وإعطاء فكرة واضحة عن الواقع، رغم هذه الحقيقة الساطعة إلا أن هناك عودة ملحوظة إلى الصوت، قنوات ومواقع إخبارية وصحف بدأت تدخل خدمة ” البودكاست ” وبدأت هذه الخدمة تلقى رواجا كبيرا لدى جمهور كبير مل من رؤية الأحداث والبرامج والكوارث مصورة على شاشات القنوات.

ومن المؤكد أن هناك الكثير من هذه القصص لديكم فتكرموا بروايتها في التعليقات وسوف أجمعها إن شاء الله في كتاب بعنوان ” الأذن تعشق : قصص وطرائف ” مع الإشارة إلى مصادرها.

عناوين قد تهمك: