المطهر بن شرف الدين: نهاية مخزية لكاهن سفّاح

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب حول: المطهر بن شرف الدين في اليمن: نهاية مخزية لكاهن سفّاح


بعد عامين من قضاء السلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري، على حكم “الإمامة الزّيدِيّة” في صنعاء، وجدها العلامة يحيى شرف الدين فرصة سانحة لتصدر المشهد، أعلن في “11 جمادي الأولى 912ه” نفسه إمامًا، وتلقب بـ”المتوكل”، وقد كانت العشر السنوات الأولى من إمامته ذات حضور باهت؛ بل لم تتجاوز “ظفير – حجة” مُنطلق دعوته.

تعاظم حينها خطر البرتغاليين في البحر الأحمر، وحاولوا الاستيلاء على مينائي جدة وعدن، بعد أن أقسم ملكهم بأنَّه سيقوم بنبش قبر النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو الأمر الذي اهتزت له مشاعر المسلمين جميعهم، ليقوم السلطان عامر بتجهيز حملة بحرية متواضعة للتصدي لهم، إلا أنَّها فشلت، وحين تعاظم خطرهم؛ تحاشى التصادم معهم، ثم استنجد بمماليك مصر، وأذن للأخيرين بإقامة قواعد بحرية على السواحل اليمنية.

بعد سماعه لنصيحة مُستشاري السوء – تخلى السلطان عامر عن وعده بمساندة المماليك، رفض مدَّهم بالمؤنة والطعام، فما كان منهم إلا أن أعلنوا الحرب عليه، قاموا بغزو اليمن، في البدء سيطروا على زبيد “922ه”، وتحقق لهم بداية العام التالي دخول تعز، ثم صنعاء، استخدموا البنادق “الغدارات”؛ ولولاها، ولولا مساندة الإمام شرف الدين لهم ما انتصروا في حربهم تلك.

سبق لذات الإمام أن أغرى المماليك بخيرات وأملاك “الطاهريين”، بعث برسالة للأمير حسين الكردي – قتل حينها وحل “بارسباي” بدلًا عنه – قائد حملتهم، وصفه فيها بـ”مفرج كرب العترة الطاهرة الزكية، الناقم بثأر الحرمين من الفرقة الغوية الظالمة العامرية، المتحلى من أجل ذلك بكل زين، المتبري إن شاء الله من كل شين، الوافي بحق سيد الشهداء الحسين”، إلا أنَّ المودة بين الفريقين لم تدم طويلًا.

بقتلهم للسلطان عامر بن عبدالوهاب على تخوم صنعاء، أنهى المماليك حقبة “الدولة الطاهرية”، وذلك بعد “63” عامًا من الإنجازات المهولة، والمفارقة العجيبة أنَّ دولة المماليك بمصر والشام انتهت في ذات العام، قضى الأتراك عليها، وقتلوا كبيرهم قنصوه الغوري في معركة “مرج دابق” الشهيرة، فما كان من قادتهم هنا إلا أن أعلنوا ولاءهم للسلطان العثماني سليم الأول، وجعلوا الخطبة باسمه.

أدت تلك الأحداث إلى ضعف سلطة المماليك في اليمن، وتقوى في المُقابل جانب الإمام شرف الدين، غادر صومعته، وبث دعاته، وجعل من مدينة ثُلا عاصمةً لدولته، وأعلن سكان صنعاء والقبائل المجاورة وبتحريض منه الحرب على المماليك، أجبروهم أواخر العام “923ه / 1517م” على الرحيل؛ الأمر الذي مهد لذات الإمام للانقضاض على ذات المدينة وباقي المناطق المجاورة، فيما انحصرت سلطات المماليك في زبيد وما حولها، أما المناطق الوسطى والجنوبية فقد ظلت ردحًا من الزمن تحت حكم المماليك، وبقايا “الطاهريين”.

بخروج المماليك من صنعاء أواخر ذات العام، دانت مُعظم المناطق الشمالية عدا صعدة للإمام شرف الدين، الذي بدوره استغل مُساندة القبائل له، ووجه في العام التالي ولده الأمير المطهر ذاالـ”16″ عامًا لمحاربة بقايا “الطاهريين”، نجح الأمير في السيطرة على “ذمار، ويريم، ورداع”، وأخرب عددًا من الحصون والقلاع، ونهب مكتبة السلطان عامر بن عبدالوهاب العامرة بآلاف المصنفات.

في العام “934ه” خرج أهالي “خولان العالية” عن طاعة الإمام شرف الدين، فأحضر ولده الأمير المطهر ثمانين طفلا من رهائنهم المحتجزين لديه، وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وحين قام أحدهم بإحراق أحد الأبواب الخشبية لصنعاء، خرج إلى ذات القبيلة بجيش كبير، دمر المنازل، وقطع الأشجار، وقبض على “300” رجل، وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

بعد أكثر من “15” عامًا من الحروب والصراعات بينه وبين الأشراف “الحَمْزِات” و”آل المؤيدي” في صعدة، نجح الإمام شرف الدين في السيطرة على مناطق شمال الشمال، وتسنى له بداية العام “940ه” دخول “الجوفين، وصعدة، ثم نجران”.

غادر “الحَمْزِات” صعدة، وجيشوا من “وائلة، ويام، ووداعة” أكثر من “15,000” مُقاتل، ودارت بينهم وقوات الأمير المطهر معركة كبرى، عُرفت بواقعة “المخلاف”، هزموا فيها، وسقط منهم “1,000” قتيل.

اشتهر الأمير المطهر بجبروته وقتله للأسرى بصورة مُريعة في أكثر من موقعة، وذكر المؤرخون أنَّه قام بعد تلك المعركة بحز رأس “600” أسير، وقد مدحه لأجل ذلك أحد الشعراء قائلًا:
ألف من القتلى ظلت خيلنا
ترعى السنابك منهم اللماتِ
موتاهم قد عاينوا مثواهم
في النار والأحياء كالأمواتِ
فاجز المطهر يا إله الخلق عن
دين حماه بأجزل الحسناتِ

سبق وأشرنا إلى أنَّ بقايا “الطاهريين” ظلوا مُسيطرين على مُعظم المناطق الوسطى والجنوبية بقيادة الأمير عامر بن داؤود الطامح حينها لاستعادة دولة آبائه، والذي بدأ في العام “924ه” غاراته على ذمار ورداع، إلا أنَّ الأمير المطهر كبح جماحه، استغل الأمير “الطاهري” – فيما بعد – توجه الإمام شرف الدين شمالًا، فأرسل جنوده مرة أخرى للهجوم على الأطراف الجنوبية ل “الدولة الزّيدِيّة”.

استفاد الأمير عامر من انضمام الأمير يحيى السراجي إلى صفه، وصيره قائدًا لإحدى حملاته، سيطر الأخير على رداع، ثم “موكل”، وفي الأخيرة باغته الأمير المطهر بجيش جرار “14 ربيع الآخر 941ه”، هزمه شرَّ هزيمة، وقتل “300” جندي من أصحابه، واقتاده و”2,300″ أسيرًا إلى ساحة الإعدام.

وفي ذات المنطقة، وقبل أنْ ينتهي ذلك اليوم أمر الأمير المطهر جنوده بحزَّ رأس “1,000” من الأسرى – حتى اغتمرت حوافر بغلته بالدم، ثم أجبر من تبقى منهم بحمل الرؤوس الدامية إلى صنعاء، ليأمر فور وصوله باحة قصر والده العتيق بإلحاقهم بزملائهم، وفي ذلك قال صاحب “غاية الأماني”: “ولما وصلت الأسارى والرؤوس إلى المقام الإمامي المحروس، وجه الإمام ببعضها إلى صعدة.. فعظم شأن هذه القضية في النفوس، وإنفاذ النافر الشموس، وقيلت فيها الأشعار الرائعة، والمدائح الفائقة”.

وللشاعر المطهر بن تاج الدين الحمزي قصيدة طويلة في تلك الموقعة، جاء فيها:
يا وطية وطى الإله بموكل
أنحت على حزب الضلال بكلكلِ
طحنتهم طحن الرحى بثقالها
أو طحن طود هدَّ أرض من علِ
حتى أحان الله أعداء الهدى
يحنون بين مجدل ومكبلِ

بعد أنْ دانت معظم المناطق الشمالية لوالده، وبعد موقعة “موكل” بأسابيع معدودة، توجه الأمير المطهر صوب المناطق الوسطى، مُتذرعًا هذه المرة بملاحقة الأمير عامر بن داؤود، مُبيحًا لجحافله نهب كل ما يصادفهم من أموالٍ، ومواشٍ، وزروع، سيطر على إب، ثم تعز “شعبان 941ه / مارس 1535م”، ثم عدن في العام التالي، الأخيرة لبعض الوقت؛ إذ سرعان ما استعادها الأمير العامري، راسل الأخير السلطان العثماني سليمان القانوني وطلب منه النجدة.

حاول الأمير المطهر بـ”20,000” مُقاتل السيطرة على زبيد “943ه”، إلا أنَّه مني هناك بهزيمة ماحقة، نكل المماليك به وبعساكره شرَّ تنكيل، قتلوا منهم المئات، وأصابوه إصابة بالغة، اختل بسببها قوامه، وأضحت الإمامة محرمة عليه.

بعد مرور عامين، قاد “والي مصر” الوزير الثمانيني سليمان باشا حملة عسكرية كبرى إلى الهند، قدرها البعض بـ”20,000″ مُقاتل، عرَّج بهم وبأوامر من السلطان سليمان القانوني على عدن “7 ربيع الأول 945ه / 3 أغسطس 1538م”، وقتل غدرًا الأمير “الطاهري” عامر، الأمر الذي أثر سلبًا على نجاح تلك الحملة، وقد ذكر المؤرخ الموزعي أنَّه قتله بوشاية من الإمام شرف الدين، وولده المطهر الذين راسلاه مبديين رغبتهما في الدخول في طاعة الدولة العلية، مُتهمين ذات الأمير بالتحالف مع البرتغاليين.

جعل سليمان باشا على عدن بهرام بيك، وزوده بـ”500″ جندي لحراستها، ثم أكمل مسيره إلى الهند، ليعود أدراجه مُنتصف العام التالي خائبًا، مُتمًا سيطرته على معظم الموانئ اليمنية، مُتذرعًا بحماية الأراضي المقدسة من خطر البرتغاليين المتحالفين حينها مع “الدولة الصفوية” في إيران، مكملًا مسيره إلى “استانبول”، جاعلًا حسن باشا ميرلو مصطفى بك بدلًا عنه “946ه”، ليرسل “الباب العالي” في العام التالي مصطفى باشا واليًا مُعتمدًا، اتخذ الأخير من مدينة زبيد مقرًا له، ليخلفه بعد مرور خمس سنوات الوالي أُوَيس باشا.

امتدت سيطرة الإمام شرف الدين في تلك الأثناء إلى “جازان، وأبي عريش”، قسم ما تحت يديه بين أولاده “948ه”، مُوجهًا بذكر أسمائهم في الخطبة بعد اسمة، وما هي إلا أشهر معدودة حتى استعر الخلاف بينهم، انحاز الأب لصالح ولده الأصغر الأمير شمس الدين علي، مُتحمسًا لتوليه الإمامة؛ كون ولده الأكبر الأمير المطهر غير مستوفٍ شروطها.

أعلن المطهر تمرده، وراسل الوالي أويس باشا مُعلنًا الطاعة، طالبًا المساندة، وكتب في ليلة واحدة “80” كتابًا إلى قبائل اليمن، حثهم فيها على المُخالفة، ثم وجه جنوده إلى الجراف لمحاصرة والده “953ه / 1546م”، خلعه عن الإمامة، وفرغه للعبادة، وأصبح الحاكم الفعلي، تلقب بـ”الناصر”، وصك العملة باسمه، وعزل معاوني أبيه، وصار “الإمام الأعرج” في سابقة لم تشهدها “الإمامة الزّيدِيّة” من قبل.

في نهاية ذات العام، وفي صبيحة يوم عيد الأضحى المبارك دخل أُوَيس باشا مدينة تعز، مُتجاوزًا التحصينات التي سبق للمُطهر أن استحدثها، وقد كان لتمرد غالبية سكان المناطق الوسطى على القوات الإمامية؛ وبالأخص أهالي “التعكر، وحبيش، والشوافي، وصهبان” أثره البارز في تحقيق ذلك الانتصار، وسهولة السيطرة على تعز وما بعد تلك المدينة من مناطق.

استغل الأتراك تجدد الخلاف بين الإمام المطهر وأخيه الأمير شمس الدين علي، وتوغلوا شمالًا، ليدخلوا صنعاء مُنتصف العام “955ه / 1548م” بقيادة أزدمر باشا – الوالي الجديد، وبطلب ومعاونة من الأمير المتمرد الذي استمر بدعم من أبيه مُسيطرًا على بعض الحصون، مواليًا للأتراك حتى عام وفاته “963ه”، وإليه تُنسب “المدرسة الشمسية” في ذمار.

انس
حب الإمام المطهر بعد هزيمته إلى ثُلا، وفيها تحصن، ثم وقَّع مع أزدمر باشا مُعاهدة صلح، إلا أنَّها لم تستمر طويلًا، تجددت الحرب، واستمرت بينهما سِجالًا، وقيل إنها وصلت إلى قرابة “40” موقعة، طالب حينها الوالي من “الباب العالي” المدد، فأرسلوا له أواخر العام “957ه” بـ”3,000″ مُقاتل – بقيادة مصطفى باشا النشار، وقد قام الأخير فور وصوله بمراسلة المطهر، وكأنَّه الحاكم الفعلي.

وحصن ثلا المنيع على وشك السقوط، ارتفعت وتيرة الخلاف بين أزدمر باشا، ومصطفى باشا، استغل الإمام المطهر ذلك، وراسل الأخير، مُعلنًا تجديده الطاعة، وعلى ذلك وقع معه الصلح، وأعطي الأمان بدون رضا الأول، عاد “النشار” مُغاضبًا إلى “الاستانة”، وعاد أزدمر لإكمال مهامه، دخل صعدة سلمًا “960ه”، ودانت له اليمن حتى جازان.

توقف الصراع “الزيدي – التركي” لسبع سنوات، إلا أنَّ الصراع “الزيدي – الزيدي” لم يتوقف، ففي ذات العام أعلن الحسن بن حمزة نفسه إمامًا، تلقب بـ”المهدي”، كان هذا الداعي كأسلافه “الحَمْزِات” – ضعيفًا – قليل الأنصار، استقر بالأهنوم مدة، استأمنهم على زكاته، وخرج لبعض المشاغل، ليجدهم بعد عودته قد استهلكوا أمواله، فعاش فقيرًا معوزًا لا يأكل إلا أوراق الشجر، وزاد من مصيبته مُطاردة الإمام المطهر له، وتدميره منزله، ليصطلحا بعد ذلك، أعمر له الأخير منزلًا، وأجرى له كفايته حتى وفاته “961ه”.

وكان قد سبقه بالتمرد – بعامين – صلاح بن أحمد، أعلن الأخير من الطويلة نفسه إمامًا، ثم ما لبث أن آثر هو وأصحابه الاستسلام، وكان جزاؤه أنْ ضرب الإمام المطهر عنقه، وأمر بأن تبقى جثته في العراء، أما أصحابه فقد ربطت أرجلهم على الجمال، وسحلوا على وجوههم، حتى تمزقت أجسادهم، وتناثرت أشلائهم في الطرقات.

وبالعودة إلى أخبار الإمام شرف الدين، فقد استقر بعد عزله في “الظفير”، وفيها توفي “جمادي الآخر 965ه” – عن “88” عامًا، أصابه أواخر عمره العمى، وشاهد أفول دولته، وعاش بعد أن تخلى أقرب الناس عنه، على صدقات محبيه.

انتهت بوفاة الإمام المطهر “6 رجب 980ه / 1573م” إمامة أسرة “شرف الدين”، ولم يستطيعوا النهوض من جديد رغم عدة محاولات يائسة، ولم يسلم من ظلم ذلك الطاغية حتى أقرب الناس إليه، عزل أبيه، وحارب أخوته، وحبس بنيه، وفيه قال الشاعر حسن بن إدريس بن الأنف:
ماذا نظن بمن ألوى بوالده
حتى أقر له بالطوع والقودِ
وحاز أخوته قهرًا فأوردهم
ببطشه مورد الأحزان والنكدِ
نعم وأولاده في السجن خلَّدهم
لما طوى قلبه القاسي على الجلدِ
وكل أملاك هذا القطر دمرهم
وصال في الكل منهم صولة الأسدِ

عناوين ذات صلة: