عشر ومضات من كتاب “خيوط الظلام: الإمامة الزيدية” لعبدالفتاح البتول (2-4)

  

رمز كاتب قلم

د. لمياء الكندي تكتب: عشر ومضات من كتاب “خيوط الظلام: الإمامة الزيدية” لعبدالفتاح البتول (2-4)


– إن الحديث عن تسلط وتمكن نظام الإمامة في اليمن لا يعني تسليم اليمنيين، أو تقبلهم له على الإطلاق، فقد ظهرت منذ البدايات الأولى لظهور دعوة الإمام “الهادي يحيى ابن الحسين” بوادر للمقاومة القبلية والشعبية الرافضة لحكمه، ولم يسلّم اليمنيون لهذا الشكل من الحكم عبر فترات تاريخهم الذي تميز بالرفض. ونذكر في ذلك دخول الهادي في حروب ومعارك مع العديد من القبائل اليمنية المعارضة لوجوده، والمناهضة لحكمه، مثل آل يعفر وآل طريف وآل الروية وآل الضحاك، وغيرهم من الرافضين له والثائرين عليه الذين تظاهروا ضده وخرجوا إلى الشوارع يصيحون قائلين (لا نريد العلوي يدخل بلدنا).

وبالإضافة إلى المعارك الحربية والمواجهات العسكرية، فقد خاض الإمام أحمد بن سليمان معارك فكرية ومواجهات شعرية كان من أهمها المعركة مع العلامة المجتهد نشوان بن سعيد الحميري. فقد جرت بين الرجلين مهاترات كلامية ومساجلات شعرية. حيث كان نشوان الحميري من المنكرين لحصر الإمامة في البطنين والرافضين له. وكان نشوان بن سعيد الحميري قد سعى للإمامة ولكنه أخفق، ولهذا فقد أثارت دعوته للإمامة ثائرة الأئمة وأشياعهم في عصره وبعد عصره، وقد لقي من العلويين تعالياً على قومه، ووجد هضماً لهم من الحقوق. وخلافه مع الإمام أحمد بن سليمان ومع كل أئمة الزيدية وعلمائها المتعصبين يأتي على خلفية رأيه في الإمامة وأنها تصلح في الناس جميعاً، كما عبر عن ذلك لإمامة أحمد بن سليمان.

وتأتي ثورة الفقيه سعيد بن صالح بن ياسين العنسي، من مخلاف الشوافي من بلاد إب، لتؤكد رفض اليمنيين الانصياع لحكم الإمامة، وحقهم التعبير عن تطلعاتهم الطبيعية في الحكم والسلطة.

وتأتي أهمية ثورة كل من سعيد بن نشوان الحميري والفقيه سعيد، كونها كانت التعبير اليمني الخالص لرفض التسلط الإمامي وحق أصحاب البلد الأصليين في حكم بلدهم ورفضهم خرافة الولاية واستبدادها الفكري والسياسي الذي قاوموه بمختلف الوسائل وعبروا عن رفضهم لها مهما كانت النتائج.

– من الحقائق الملازمة للإمامة كسلطة قهرية متعصبة، هي محاولات الأئمة المتكررة لنشر المذهب الزيدي، وفرضه على مختلف المناطق اليمنية التي وصل إليها نفوذهم. وقد وصل ذلك إلى حد التعصب والمغالاة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، الإمام المهدي أحمد بن الحسن القاسم الذي عرف بتعصبه المذهبي وكرهه لصحابة رسول الله فقد أمر المهدي احمد بكشط أسماء الخلفاء الراشدين من حول المحراب في جامع صنعاء الكبير. كما كان الإمام احمد بن سليمان من أكثر الأئمة تعصبا لآل البيت.

ومن امثلة التعصب الإمامي على سبيل المثال لا الحصر، قيام كل من ابراهيم بن موسى المعروف بالجزار، بنشر دعوته في صعده وقتل كل المخالفين والمعارضين لها. فقد كان يعتنق مذهب الجارودية، ويميل إلى الإثنى عشرية حيث قال: “وعندنا أن من تقدم على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أو قدم عليه بعد النبي فقد ظلمه وجحد حقه، وهو كافر (نعمة)، فاسق ظالم، وقد تهدد الله الظالمين بالنار والخزي والبوار وقد صح أنهم ظلموه حقه وأنكروه سيفه غير جاهلين ولا شاكين”.

كما يورد الكاتب في كتابه هذا، حادثة إبادة المطرفية، التي تؤكد التعصب المذهبي والسياسي لأئمة البيت العلوي، وذلك على يد الإمام عبدالله بن حمزة الذي دخل في حروب ومعارك كثيرة مع المخالفين له وكان شديد التعصب لنظرية حصر الإمامة في البطنين، باعتبار ذلك من وجهة نظره، شرطا واجبا وجوبا شرعيا، وهو ما تعارض مع آراء مطرف بن شهاب مؤسس المطرفية في اليمن التي تقول بجواز تولي الإمامة من عموم الناس، فهم لا يعترفون بالنسب الفاطمي والعلوي، والمطرفية فرع من الفرق الهادوية يتبعون الإمام الهادي بالأصول والفروع ولم يخالفوه إلا بأنهم أنكروا شرط الفاطمية في تولي الإمامة، وهو ما أثار عليهم سخط الإمام عبدالله بن حمزة الذي أبادهم ومارس ضدهم الإرهاب والقسوة بل إنه أصدر حكمه الجائر ضدهم، ونفذه بكل قسوة ووحشية، حيث حكم على مناطقهم وهِجَرهم بأنها دار حرب وما أدراك ما دار الحرب عند عبدالله بن حمزة: “تقتل مقاتلتهم, وتسبى ذراريهم ويقتلون بالغيلة والمجاهرة ولا تقبل توبة أحد”.

كما كفّر عبدالله بن حمزة المطرفية وكل من قلدهم أو يحبهم أو يحسن الظن بهم. بل وكفر كل من يشكك بكفرهم. وقد وصل به التعصب والغلو إلى تكفير كل من لا يتبعه من الزيدية ووسع دائرة التكفير حتى شمل تكفيره جميع المسلمين ما عدا أنصاره حيث يقول: “فقد صح لنا كفر أكثر هذه الأمة”.

كما يطالعنا الكتاب عن إمام متعصب آخر: حيث كان الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى متعصباً لمذهبه تعصباً شديداً ويشهد على ذلك بعض ما جاء في الأزهار كما يشهد قوله:

إذا شئت أن تختر لنفسك مذهباً
ينجيك يوم الحشر من لهب النارِ

فدع عنك قول الشافعي ومالك
وحنبل والمروي من كعب أحبارِ

وخذ من أناس قولهم ورواتهم
روى جديَ عن جبرائيل عن الباري

كما كان الإمام أحمد بن سليمان يقول بالتكفير بالإلزام. ومن اجتهاداته الباطلة وقياساته الفاسدة، الفتوى التي أصدرها بتحريم زواج الفاطمية من غير فاطمي. هذه الفتوى الجائرة والرؤية الفاسدة التي رسخت العنصرية وعمقت الطبقية وحرّمت ما أحل الله.

وأيضا كان المتوكل إسماعيل مع علمه وسعة معارفه، يبعث العلماء إلى القرى لنشر فقه الهادوية بين أهلها حتى يتحولوا إلى هذا المذهب، فقد كان يتعصب لمذهبه إلى درجة أنه كان يقول بكفر الأتراك، ويدخل في حكمهم من والاهم ولو كان معتقده يخالف معتقدهم. وهذا ما يعرف بالتكفير بالإلزام، حيث أن الأتراك حسب زعم المتوكل إسماعيل (كفار) والكفار إذا استولوا على بلاد وملكوها، ولو كانت من أراضي المسلمين، تعتبر بلاداً كفرية لأن أهلها أقاموا تحت أوامر وقيادة الكفار.

“ونتيجة لشيوع هذا الفكر الإمامي المتعصب فقد ظهرت في عصر المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم، فئة من الأدباء كلها تدعي التشيع وحب آل البيت، وكان من أشهرهم الشاعر الحسن الهبل الذي جره ذلك إلى التشيع المغالي إلى أن جاوز في الرفض حده، وحكم سيفه في الصحابة حده، وقال بالتكفير ونفّر المتوقفين غاية التنفير، كما ذكر ذلك الحيمي في طيب السمر”.

وهذه نماذج تاريخية موثقة عبر الكتب والمصادر الامامية ذاتها وما ذكره المؤلف هنا من أشكال التعصب الإمامي لا يمثل إلا النزر القليل من ذلك الفيض من التعصبات التي ادخلتها عصابات الدجل الهاشمية الامامية وواجهت بها اليمنيين.

– بالنظر إلى طبيعة السلطة الامامية يتضح لنا أنها كانت سلطة قائمة على زرع الانقسامات والصراعات الداخلية وتغذيتها، ويمكن تمييز شبكة الصراعات هذه عبر ربطها بأشكال متصارعة عديدة ارتبطت بهم الإمامة في اليمن وقد شملت أبناء البيت الحاكم الواحد من خلال ظاهرة المنافسة والنزاع حول منصب الإمامة بين (الآباء، والأبناء، أو بين الإخوة، أو أبناء عمومتهم)، كما أن الصراع حول الإمامة والتنافس عليها، امتد ليشمل بقية الأسر الهاشمية الطامعة في الحكم، إضافة إلى صراعهم الدائم مع الدول والممالك اليمنية كالرسوليين وال يعفر والطاهريين وبني حاتم، وغيرهم من أمراء و أبناء وزعماء القبائل اليمنية.

. نسخة الكترونية من كتاب خيوط الظلام
. صادر عن مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام

https://nafsam.org/ar/secontna/uploads/2020/book/book-khuoot-althalam-albatool-1.pdf

غلاف كتاب خيوط الظلام