الأميرة نور العفيف – ثائرة من يافع

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب عن: الأميرة نور العفيف – ثائرة من يافع


توجس المُتوكل إسماعيل بن القاسم خيفة من طموحات أقاربه، ومن أطماع القبائل المُساندة له؛ واستباقًا لأي طارئ قد يعترض مسار حكمه، وجه مطلع العام 1055ه / يناير 1645م جيشه القبلي جنوبًا، وجعل عليه ابن أخيه الأمير الطامح أحمد بن الحسن، وقد استبق توجيه تلك الحملة بأنْ أشاع بأنَّ صاحب عدن الحسين بن عبد القادر الجرهمي – كما أفاد صاحب (بهجة الزمن) – قد هدم قواعد الإسلام، وأظهر المُنكرات، وجعل للبغاء جوانب، وللخمور كذلك!
بعد أنْ سيطرت القوات الإمامية على عدن وأبين بعشر سنوات، حشد المُتوكل إسماعيل أكثر من 10,000 مقاتل بقيادة الأمير أحمد بن الحسن، والأمير محمد بن الحسين، وذلك لإتمام السيطرة على باقي المناطق المناطق الجنوبية حتى حضرموت، وهو ما كان.
في البدء سقطت البيضاء، ثم توجهت القوات الإمامية صوب يافع العليا، رفض شيخ الأخيرة عبدالله بن علي هررة الخضوع، واحتمى ومن معه بالشواهق العالية، وحين جاءه المدد من حضرموت بقيادة الشيخ سالم بن حسين الحسيني، تقطع لهم الإماميون في دثينة، ولم يكن أمام الشيخ هرهرة حينها من خيار سوى الصمود، على الرغم من قلة العدة، وضعف العتاد.
وتحفظ الذاكرة اليافعية عددًا من الأهازيج التي تؤرخ لتلك الفترة، وحين قال الشاعر الإمامي:
يا واد ذي ناعم توسع
لاجاك سيدي والمدافع
هذي السنة حسبة الله
نأخذ عدن وأبين ويافع
رد عليه الشاعر اليافعي:
يا مطرح الزاهر توسع
عادها با تقبلك يفاعة
با تقبلك تسعة مكاتب
با تأخذ الزيدي بساعة
نجح الإماميون في اقتحام جبل العُر بوابة يافع الشمالية، بعد أكثر من محاولة فاشلة، فيما فشل أبناء يافع في استعادته؛ بسبب كثرة بنادق الطرف الآخر، ورصاصها الذائبة، ليدخل بعد ذلك جميع سلاطين ومشايخ الجنوب مذلة الخضوع للدولة القاسمية، سلموا رهائن الطاعة، وألزموا بدفع ديات القتلى، وألغوا الدعاء في الخطبة للدولة العثمانية.
لم يمر العام الأول على تواجد القوات الإمامية في يافع بهدوء، قام أبناء يافع السفلى بطرد عاملهم الإمامي شرف الدين بن المُطهَّر من عاصمتهم القارة حافيًا، وقتلوا 15 من عساكره الذين عاثوا في تلك البلاد نهبًا وخرابًا، أرسل إليهم المُتوكل إسماعيل هذه المرة بولده الأمير محمد بجيش قوامه 15,000 مُقاتل محرم 1066ه / نوفمبر 1655م، لتبدأ مع وصول هذه القوات لتلك الجهة حرب عصابات كلفت الإماميين الكثير.
قاد الثورة اليافعية الأولى سلطان يافع السفلى معوضة بن عفيف، والشيخ الناخبي، هُزم الأول، فطلب الأمان، وأخذ أسيرًا، أما الأخير فقد صمد وقتل عشرات العساكر جُلهم من آنس، وحين استسلم طالبًا الأمان، قتله أبناء تلك القبيلة غدرًا انتقاما لقتلاهم.
عاث الإماميون في يافع السفلى نهبًا وخرابًا، استباحوها لخمسة أيام، و«أحالوا حلال أولئك القوم إلى غنائم مُباحة» – حد توصيف صاحب (طبق الحلوى) – وألزموهم بتسليم ما لديهم من أسلحة وحبوب، وقد صور أحد الشعراء الإمامين ذلك المشهد بهذا الزامل:
يا شيوخه حد العفيفي واجهي
ماليوم رعى الأرض لله والإمام
من داخل القبلة إلى سوق الغدر
كم هيه مناطق ذي ملك مشرق وشام
وإمعانًا في إذلال السلطان معوضة بن عفيف، أخذ الإماميون زوجته الشابة أسيرة معه، واحتجزوها في قلعة رداع، ويعتقد البعض أنَّها – أي الزوجة الأسيرة – هي نفسها الأميرة نور بنت علي العفيف صاحبة التاريخ النضالي المُشرف، والتي شاركت في قيادة المُقاومة اليافعية – سنأتي على ذكرها – انتقامًا للحظات الإذلال التي عاشتها في سجون الإمامة.
ألصقت الذاكرة الشفهية اليافعية بهذه المرأة الثائرة بطولات خارقة، وتواتر الحديث عن مآثرها، وعن تصدرها من جبل جار المشهد، وعن تداعى أبناء المناطق المجاورة لنصرتها؛ وذلك بمجرد أنْ سمعوا دقات الطبل الحميري الذي كان يرافقها في معظم معاركها، وصولًا إلى معركتها الأخيرة التالي ذكرها.
بعد 28 عامًا من سيطرة الدولة القاسمية على يافع، ثار اليوافع، وأعلنوا استقلالهم 1093ه / 1684م، بعد أنَّ نصبوا شيخ يافع العليا صالح بن أحمد هرهرة سلطانًا عليهم، بمعاونة ورضا سلاطين الجنوب: شيخ يافع السفلى معوضة بن عفيف، وأحمد بن علي الرصاص، وصالح بن منصور العولقي، والأمير أحمد بن قاسم بن شعفل، أناطوا به – أي السلطان هرهرة – جميعًا مهمة قيادتهم وإنقاذهم من حكم الأئمة، وهو ما كان.
مُنتصف العام 1097ه / 1688م، وبعد وفاة المُؤيد محمد بن المُتوكل إسماعيل، ارتفعت وتيرة الخلافات القاسمية – القاسمية، أمراء كُثر أعلنوا أنفسهم أئمة، ليستقر الأمر في النهاية على الناصر محمد بن المهدي أحمد (صاحب المواهب)، كانت يافع همَّ الأخير الشاغل، عزم على السيطرة عليها، والتوجه إليها بنفسه؛ خاصة بعد أن استولى اليوافع على لحج، وقتلوا 100 من أفراد حاميتها.
في العام التالي، وجه الناصر محمد 30,000 من مُقاتليه جنوبًا، وأغاض بني عمومته بأنْ جعل على ذلك الجيش شيخ همدان الصغرى جابر بن علي خليل، وأمر الأخير باستئصال اليوافع دون رحمة؛ وهدده بالقتل إنْ تهاون في ذلك!
كثَّف الثوار من استعداداتهم للمُواجهة، وتصدوا في البيضاء للقوات الإمامية، لتبرز في تلك المعركة بطولة الأميرة نور بنت علي العفيف السابق ذكرها، كانت تلك المرأة الثائرة بمثابة القائد لهم، لينسحبوا بعد استشهادها إلى جبل العُر، وهناك كانت بانتظارهم جولة ثانية، ولم تكن هي الأخرى حاسمة، ليقوم اليوافع في تلك الأثناء بدفن جثمان بطلتهم الأميرة في قريتها قرية النور، وبجوار مسجد حمل نفس الاسم.
«لا العُر باقي فيافع بالوجود»، مقولة يافعية تُؤكد أهمية ذلك الجبل الاستراتيجي، وتبعًا لذلك فقد تحصن اليوافع في شواهقه العالية، ودافعوا عنه باستماته؛ لأنَّ سقوطه يعني هزيمتهم، الأمر الذي حفَّز سلطان يافع السفلى معوضة بن عفيف على عدم الاستسلام.
تتحدث الذاكرة الشفهية عن صمود أسطوري لثوار يافع المُرابطين في جبل العر، وأنَّهم تحصنوا فيه ل 15 عامًا، وحفروا سردابًا طويلًا لشن هجماتهم، وما تزال بقاياه – أي السرداب – مُمتدة حتى اللحظة. وذكر المؤرخ أبو طالب أنَّ الحملات العسكرية التي وجهها (صاحب المواهب) صوب يافع تجاوز عددها حتى العام 1108ه / 1697م ال 40 حملة.
ويُقال أنَّ أحد الثوار خرج – في عام نشوب الثورة – من بلدته مشالة في بلاد المفلحي وزوجته حامل، وأنَّه ظل مُرابطًا في ذلك الجبل الصامد حتى كبر ولده، وصار – أي الولد – يأتيه بالطعام إلى مترسه، وأنَّه – أي الأب – تعرف عليه حينها لأول مرة، وهذا وإنْ دل فإنَّما يدل على أنَّ اليوافع أذلوا الإمامة، وأهانوا كبريائها، ولهم في هذا الجانب تاريخ عريق حقَّ أنْ يفخروا به على الدوام، وثمة مقولة مُتداولة يُقال أنَّ أحد الإماميين صرح بها، مفادها: «لولا اليوافع ما همَّينا الشوافع».
رحم الله أبطال الثورة اليافعية ضد الإمامة، ورحم الله الشهيدة الثائرة نور بنت علي العفيف، التي لم يصلنا من تفاصيل حياتها ومسيرتها النضالية سوى النزر اليسير، وهي بمجملها شواهد مائزة تدل على عظمتها، ومكانتها عند قومها، ويكفي أن اسمها رغم انعدام المدونين الثقاة ظل حاضرًا في الأذهان، ومحفورًا في الذاكرة والوجدان.

عناوين ذات صلة: