عن ثورة عبدالرب العلفي

بلال الطيب يكتب: عن ثورة عبدالرب العلفي


كانت للمهدي عباس بن المنصور الحسين محاولة يتيمة لاستعادة لحج وعدن لحظيرة الدولة القاسمية، أرسل عامله على قعطبة الشيخ عبد الرب بن أحمد بن وهيب العلفي لذات المهمة إلا أنَّ السلطان عبدالكريم بن فضل صدَّ زحوفات الأخير، وأجبره على المُغادرة، وقيل غير ذلك، ليتهم إمام صنعاء صاحبه بأخذ رشوة من سلطان لحج مُقابل انسحابه ذاك.
لم يمض من الوقت الكثير، حتى دبت القطيعة بين المهدي عباس والشيخ عبدالرب، رفض الأخير التوجه إلى صنعاء، وقام بثورة هدفها الانفصال بتعز وإب عن حكم الدولة القاسمية، أسوة بلحج وعدن، فأرسل إليه الإمام بـ3,000 مُقاتل بقيادة محمد بن عبدالله الوادعي، غريمه، ومُؤجج ذلك الصراع منذ البداية.
نجا الشيخ عبدالرب بأعجوبة، وهرب بقواته المحدودة من قعطبة إلى الحجرية، تحصن بقلعة الدملؤة، وهزم فيها جيشًا آخر أرسله إمام صنعاء لإخضاعه، ليتحول بعد ذلك من الدفاع إلى الهجوم، سيطر على جبلة لبعض الوقت، وأخذ أموالًا من سكانها، كما اجتاح قلعة موزع، وكاد أنْ يستحوذ على مدينة المخا ومينائها.
أمام تعاظم ذلك الخطر، عمل المهدي عباس على مُصالحة السلطان عبدالكريم بن فضل 1170ه / 1757م، الذي بدأ هو الآخر يتخوف من طموحات الشيخ عبدالرب التوسعية، ولصاحب (هدية الزمن) رواية مغايرة مفادها أنَّ سلطان لحج هو البادئ بطلب ذلك الصلح، جاء فيها: «أرسل السلطان عبد الكريم بن فضل السيدين أبا بكر بن محمد، والسيد العيدروس بهدية قيمة إلى الإمام، فعاد الوداد بين الإمام والسلطان».
تم التنسيق بين إمام صنعاء وسلطان لحج على مُهاجمة الحجرية، والانقضاض كطرفي كماشة على الشيخ عبدالرب، وما إن علم الأخير بذلك، حتى سارع بشن هجوم كاسح على لحج، سيطر عليها، وحاصر مدينة عدن لخمسة أشهر، ليتراجع عن الأخيرة، وذلك بعد أنْ خضع السلطان عبدالكريم للصلح, وسلم له مقابل انسحابه ذاك أموالًا كثيرة، في الوقت الذي لم يحرك فيه إمام صنعاء لنُصرة حليفه ساكنًا.
هناك لغط كبير حول شخصية الشيخ عبدالرب العلفي، ففي الوقت الذي عمد فيه مؤرخون متأخرون على القول بأنَّه من منطقة الحجرية، ونعته ببطلها، كشف مُؤرخون معاصرون لتلك الأحداث غير ذلك، فهذا صاحب (النفحات المسكية) قال أنَّ المنصور الحسين ولى والده الشيخ أحمد بن وهيب منطقة الحجرية سنة 1153ه، وأنَّه شاركه في محاربة الأمير أحمد بن المُتوكل القاسم حاكم تعز آنذاك.
وذكر ذات المُؤرخ أنَّ حاكم تعز استنجد حينها بقبائل يافع لنصرته، وأنَّ الشيخ أحمد بن وهيب وولده تصدوا لتلك القوات في يفرس، وأنَّهم هزموا اليوافع شرَّ هزيمة، وقتلوا السلطان قحطان بن عمر هرهرة، وأسروا أخاه الشيخ أبي بكر، ليختلف بعد تلك المعركة الأب وولده، أفرج الأخير عن الشيخ الأسير، ورفض أوامر والده في إرساله إلى صنعاء، غضب المنصور الحسين – الإمام حينها – من ذلك، وحين قام الشيخ عبدالرب بزيارته، وجه بحبسه لعدة أيام، ثم أطلقه، وأرسله لمساعدة والده.
كانت للشيخ عبدالرب بعد ذلك حروب وخطوب مع حاكم تعز، تنقلت ما بين جبل صبر وجبل حبشي، وقد انتهت بأسره في يفرس 1159ه، أخذ عليه الأمير أحمد عهودًا ومواثيق، ثم أطلق سراحه، وحين آل الأمر للمهدي عباس، عينه الأخير عاملًا على الحجرية مكان أبيه المتوفي، ثم ولاه على العدين، ومن بعدها قعطبة.
أما تعز فقد آل حكمها بعد وفاة الأمير أحمد بن المُتوكل القاسم لولده الأكبر عبدالله 1162ه، وحين توفي الأخير بعد عشر سنوات، اختلف أخوته على، ويحيى، ومحسن، مُنافسين لولده عبدالكريم ذي الـ13 ربيعًا، استولى كل واحد منهم على جزء من المدينة المنكوبة، فاستبدت بها الوحشة، واستوطنها الخراب.
راسل الأمير الصغير عبدالكريم المهدي عباس طالبًا نجدته، فأرسل الأخير بالنقيب الماس على رأس قوة كبيرة لذات الغرض 1173ه، عززها بقوات من حاشد بقيادة الشيخ ناصر بن قاسم الأحمر، وقد انكسرت تلك القوات على أسوار مدينة تعز.
راسل إمام صنعاء الشيخ عبدالرب طالبًا مُصالحته، عارضًا عليه الاعتراف به حاكمًا على الحجرية، إنْ هو ساعده في اقتحام تعز، وحلف لشهود الصلح سبعة أيمان مُغلظة بأنْ يفي بوعده.
وافق الشيخ عبد الرب بعد تلكؤ شديد على الصلح، وتوجه بالفعل لمناصرة القوات الإمامية المحاصرة لمدينة تعز، وحين تحقق النصر، طلب المهدي عباس منه ومن الأمراء القاسميين المُتمردين الحضور إليه، ولولا ضمانة النقيب الماس والشيخ ناصر الأحمر ما توجه الشيخ عبدالرب إلى حتفه.
دخل الشيخ عبدالرب صنعاء مزهوًا بأفعاله، وسط ترحيب كبير من الأهالي، وما أنْ وصل إلى الحضرة الإمامية، حتى أمر المهدي عباس بتجريده من سلاحه، وصبغ وجهه ويديه باللون الأحمر، والطواف به عاريًا فوق جمل، ووجهه إلى الخلف، لم تتحمل أخته ذلك المشهد، فرمت بنفسها من سطح أحد المنازل، ولقيت حتفها وسط ذلك الموكب التعزيري، وأخوها يتفرج بحسرة، ليلحق بها بعد ثلاثة أيام، وذلك بعد أنْ تلقى صنوفًا شتى من العذاب المهين.
قُتل الشيخ عبدالرب ولم تنته الأحداث المرتبطة بمأساته، فقد استاء الشيخ ناصر الأحمر مما لحق بصاحبه، وتوجه مُغاضبًا إلى صنعاء، وما أنْ عبر في حضرة المهدي عباس عن اعتراضه من ذلك التصرف الشائن، حتى زج به الأخير في السجن، ومن حاشد تحركت قوات بقيادة أخيه الشيخ أحمد الأحمر جنوبًا، فانكسرت في عمران مع أول مُواجهة لها مع القوات الإمامية، وبعد أنْ خسر الشيخ المُهاجم ابنه مُرشد، أما الشيخ السجين فقد أمر الإمام بإعدامه في مدينة الروضة على الفور.
وردًا على ذلك قامت قبيلة حاشد بمعاضدة من قبيلة بكيل بعدة عمليات عسكرية انتقامية، كان المُتضرر الأكبر منها سكان المناطق التهامية المسالمة، فقد اجتاحت تلك القوات اللحية مرتين، وأحرقتها وبعض القرى المجاورة، وعاثت فيها نهبًا وخرابًا، ويقال إن الإمام التزم بعد ذلك بدفع 500 ريال شهريًا لأسرة الشيخ ناصر الأحمر.
النقيب الماس من جهته عبر عن اعتراضه الشديد من قتل الشيخ عبدالرب، وجدد هو الآخر العزم على التمرد، وهيأ عساكره لذات الغرض، فما كان من الإمام الغادر إلا أنْ احتال عليه، واستدعاه إلى قصره بلطف، واستقبله استقبالًا بشوشًا، وقدم له القهوة الممزوجة بالسم، ليفارق النقيب المغدور الحياة قبل أنْ يعود إلى داره ببضع خطوات.
وصلت إلى اليمن منتصف العام 1176ه / 29 ديسمبر 1762م بعثة دنماركية برئاسة المهندس كارستن نيبور، نقل الأخير في مذكراته تفاصيل مهمة عن أحوال اليمن خلال تلك الحقبة، ولولاه ما عرفنا تفاصيل ثورة عبدالرب العلفي السابق ذكرها، وتداعياتها المأساوية، وقال عن نهاية ذلك الشيخ: «وهي نهاية ثائر وبطل عربي كبير، كانت له شهرته في اليمن في السنوات الأخيرة».

عناوين قد تهمك:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية