الحماقة البائسة على أطراف مأرب

الحماقة البائسة على أطراف مأرب
محمد دبوان المياحي

محمد دبوان المياحي يكتب: الحماقة البائسة على أطراف مأرب


لا أظن الحوثي ما يزال يعتقد أن بإمكانه إسقاط مأرب؛ هو يريد أن يُسقِط شعور المهانة الذي ألحتقه مأرب به، يواصل المقامرة؛ ليس لكونه يأمل بامكانية النجاح ؛ بل لينفي أمام نفسه شعوره بالعجز عن اختراقها، أقصى أمنيته أن يُبقي المدينة تحت التهديد؛ كي يستديم وهم القوة في عقول أتباعه. أمام مدينة كان يتطلع أن يعود منها بمزيد من الإحساس بالقوة؛ فأورثته مذلة كبيرة.

مثل مراهق، شرير وأحمق، دخل في عراك مع شخص أكثر بطولة منه؛ دافعه في ذلك إثبات ذاته، وحين تعرض للتأديب، وأيقن بعجزة عن كسر خصمه، لم يعد بوسعه العودة مكسوفًا، وبات مضطرًا أن يريق ماء وجهه هناك حتى النهاية.

أظنه يتمنى الآن في سِره أن يعود لما قبل المعركة؛ كي لا يتورط بمعركة تعمِّق احساسه بالعجز؛ بأكثر مما تثبت قوته، معركة تعيد تعريفه بوزنه، وقد جردته من البجاحة والتضخم المبالغ به للذات.

لكأن مأرب وهي تقوِّض طموح الحوثي، لا تتفوق عليه في الحرب فحسب؛ بل تعلمه درسًا في معرفة الذات، تقول له: ما تزال يا حوثي مراهقا، وعليك أن تتصالح مع حقيقتك هذه، مراهق في لحظة ما، انتابه شعور جارف بالقوة الخارقة، فيما هو أقل من ذلك الشعور الوهمي بمستويات كثيرة.

لقد كان هذا في بداية سنين مراهقته، لكنه ظل متشبثـا بوهمه “وهم القوة” الذي ساوره أول مرة، وما يزال معتقدا بقدرته على تقويض الجميع كما فعل أول مرة _حين تسلل غفلة وطرد اليمنيين من عاصمتهم_ ما يزال أحمق، يتصرف بناءً على ذلك الوهم حتى اللحظة، ويهاجم مأرب مدفوعا بذات الإحساس، إحساس الظفر بها، كما ظفر بالعاصمة من قبلها، مهما تغيرت الحقائق على الأرض.

كان نيتشه يقول: “لا أهاجم إلا ما كان مجلبةً للنصر، وإن لم يكن خصمي كذلك، أوجل المعركة معه؛ حتى تصير مجلبة للنصر”. لا أظن الحوثي يفهم هذه الحكمة، وإلا لما واصل ورطته في مأرب حتى اللحظة، وقد بات مجندلا في كل شبر من صحاري مأرب وجبالها.

هذا ليس محاربا شجاعا؛ بل خصم مختل، إن ما يشعر به من جسارة هناك، هي جسارة غبية، مجازفة بلا حكمة. وبدلا من مكاشفته الصريحة لذاته، والتوقف عن المغالاة في تقدير قوته، بدلا من التصرف بشجاعة المحارب المهزوم، والتخلص من طموحه العبثي لاخضاع مأرب، يواصل الحوثي المقامرة بروحه على أسوار مدينة مأرب.. وذلك هو أرقى تجليات المحارب الأحمق.

إنه أحمق، يواصل مهاجمة مدينة يصطف أبناؤها كيوم المحشر لمواجهته، ومستعدين أن يذودوا عنها بالعصي والأحجار ويعضوا عليها بالنواجذ ولا أظنه ينجح في كسرهم، لماذا يستمر في مهاجمتهم إذًا، أليست هذه هي الحماقة، بلى.

هي حماقة إلا في حالة واحدة، إذا افترضنا أنه محارب محبط، تحيطه عار الهزيمة من أول يوم في المعركة وأقصى طموحه السعي للهلاك، التخلص من ذاته، النقمة من فشله، فهو الآن يحقق طموحه، حيث الهاوية مصيرة المؤكد والمفتوح منذ البداية.

أنت مراهق يا حوثي، وستظل مراهقًا للأبد، لأنك غير مؤهل للنضج مهما تعاقبت عليك السنون والتجارب، فالمراهقة هي طبيعة نفسية وطريقة عقلية في التصرف، وليست صفة متصلة بمرحلة عمرية.. وأنت ولو بلغت من العمر عتيا، فكل سلوكياتك، في مأرب اليوم وما قبل مأرب، في إدراتك للسلم والحرب، تظل مراهقًا لا يعرف متى يكون عدم خوض الحرب شرفاً ومتى يكون الاستمرار في اطلاق النار هزيمة، تماما كهزيمتك على أسوار مأرب، ومواصلتك التشبث بحماقتك هناك حتى النهاية.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية