استحضار الموروث الثقافي والحضاري.. وجه آخر لمقاومة اليمني

استحضار الموروث الثقافي والحضاري.. وجه آخر لمقاومة اليمني
هيثم العبدي

هيثم العبدي يكتب: استحضار الموروث الثقافي والحضاري.. وجه آخر لمقاومة اليمني


ظهر الحامل السياسي في الوطن العربي كمرحلة ثانوية صاحبت نشوء الدول ومراحل تطورها وأمتاز هذا الحامل بالقدرة على الفعل، سبقه الحامل القومي الذي تشكل في اوساط الناس لمناهضة الاستعمار أي قبل نشوء الدولة وتميز بقدرة قوية على رد الفعل، وليس الفعل، بمعنى انه اتى كنتيجة أفرزتها أسباب.
ولُدت الفكرة أو الحلم لهذا الحامل من رحم البؤس والمعاناة التي عاشتها الشعوب العربية تحت الوصاية الاجنبية، فتفتحت مدارك المجتمع للبعد القومي من خلال التوافق المجتمعي على “الاستقلال” كهدف سامي يناضل الجميع لأجله، ولم يكن هناك من اسلوب ناجع لتحقيق الهدف إلا الكفاح المسلح الذي اتّحدت فيه كل فئات الشعب وتناقضاته (المتحرر، المتدين، القروي، المتمدن، المتعلم، الأُمي الخ) وتوّجت الجهود بتحقيق الهدف ونيل الاستقلال.
من هنا كانت البذرة الاولى لميلاد الوعي الجمعي وتنميته وتحديثه وتوجيهه ايضاً للصالح العام. ومع خروج الاستعمار ونشوء الدولة الوطنية صعد النشاط السياسي إلى اوج مراحله وهذا بدوره وفر بيئة مناسبة لخلق توجهات وإيديولوجيات تم قولبتها بحوامل سياسية لتوحيد الأفكار والرؤى المتشابهة بُغية تحقيق هدف جديد يتمثل “ببناء الدولة الوطنية”.
نشطت الحوامل السياسية لفترات وجيزة قدمت خلالها خطط ورؤى وبرامج عمل، افضت إلى وصول البعض لسدة الحكم وساهمت في ترسيخ النظام السياسي، لكن دورها تراجع تدريجياً مع الوقت حتى عّمها السبات والجمود، اذ لم تبذل أي جهود لتحديث برامجها وهياكلها بما يواكب التطورات والاحتياجات العصرية.
دارت عجلة الزمن واكتشفت هذه الحوامل نفسها بلا رؤية أو مشروع وصارت عاجزة عن التقاط زمام المبادرة لمعالجة الإشكالات والفشل السياسي والمؤسسي القائم.
ومما لاشك فيه ان فشل الكيانات السياسية ساهم بشكل أو بأخر في إضعاف الدولة وانهيارها، الانهيار الذي هندست له العصبويات الدينية المنغلقة المتطلعة لعودة الأطماع الكهنوتية، التي ما إن أحكمت سيطرتها حتى بدأت باستهداف الموروث الحضاري والثقافي لليمن واستبداله بتراثها الدخيل.
في خضم استهداف المخزون التاريخي وغياب المشروع الوطني وجد المجتمع نفسه مضطراً لنبش أفكار ما قبل نشوء الدولة الحديثة، وتبني الحامل القومي من جديد بما يحمله من قوة لمواجهة فعل التجريف برد فعل يتجسد في استحضار الموروث الحضاري والثقافي الذي يشكل مشتركات ترابط وإجماع بين كامل فئات الشعب وعامل قوة يستطيع من خلاله التعبير عن حالة الرفض والسخط الشعبي لمحاولات التطييف والتكميم.
وقد رأينا بإعجاب كيف واجه المجتمع التجريف الحضاري لتاريخه، بحراك فكري واستحضار للتاريخ اليمني المغيب عن سائر شرائح الشعب، وتعريف اليمني بإرثه وهويته وتاريخه العريق، حراك توج بنشوء تيار القومية اليمنية “اقيال” احد اعظم التيارات الفكرية التي افرزتها الاحداث.
ورأينا ايضاً كيف واجه طلاب المدارس الصرخة خلال طابورهم الصباحي بهتافات بالروح بالدم نفديك يا يمن، وكيف اصبح النشيد الوطني هو البداية الذي يفتتح به الشباب مراسيم زفافهم، تقديساً منهم لدولتهم المختطفة.
وها هو اليوم يقاوم اليمني مرة اخرى السطو الخارجي لفنّه وحملات منعه في المناسبات بالداخل بتخصيص يوم للأغنية اليمنية بعد أيام فقط من هذه الحملات.
ومن المهم التأكيد هنا أن الافكار القومية أفكار مجتمعية خالصة فرضتها معطيات الواقع كأدوات مقاومة شعبية ومن الإجحاف والمعيب نسب الفكرة لشخص أو كيان مُعين لأن في ذلك تقزيم لها وتشكيك بمغزاها، فيما يُفترض بها ان تبقى خالية من أي تحوير حتى تكتسب التفاف جمعي تستمد منه قوتها وتوهجها.
انها ردود أفعال عفوية اهتدى اليها المجتمع للحفاظ على كيانه ووعيه الذي يُراد مسخهما. مقاومة وجود وإثبات ذات وهي اقدس أنواع الحقوق الاصيلة للشعوب.
في الاخير يجدر بي الإشارة للتوضيح أن البعد القومي الذي أقصده في المقال هو القومية الحضارية والثقافية وليس القومية السياسية، التي نطمح الوصول اليها في قادم الايام لما تمثله من اهمية لترتيب جهود النضال.. والايام حبلى بكل جديد.

عناوين ذات صلة:

 

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية