رائد من رواد التنمية اليمنية.. المهندس محمد أحمد الجنيد في رحاب الله

رائد من رواد التنمية اليمنية.. المهندس محمد أحمد الجنيد في رحاب الله
السفير اليمني أحمد حسن بن حسن

السفير أحمد حسن بن حسن يكتب: رائد من رواد التنمية اليمنية.. المهندس محمد أحمد الجنيد في رحاب الله


طالعتنا الاخبار مؤخرا برحيل المهندس محمد أحمد الجنيد، الذي تقلد وشغل عدة مناصب حكومية عليا في تشكيلات الحكومات اليمنية المتعاقبة في الشطر الشمالي من الوطن حينذاك حتى انه كان يشغل اكثر من مرة منصب نائب رئيس الوزراء منفردا أو بجانب الحقيبة الحكومية السياسية.
المرحوم الجنيد يشكل ظاهرة فريدة في التشكيلات الوزارية الحكومية مع زمليه المرحوم محمد الوجيه بالاضافة إلى المرحوم د. حسن مكي الذي ترأس بعض الحكومات أو شغل حقيبة حكومية – ان لم يكن معينا سفيرا في الخارج – من منطلق انهم يمثلون محافظة الحديدة ولذا ظلا الاول والثاني في معظم تلك التشكيلات الانفة الذكر. لأن الحكومات اليمنية بعد ثورة 26 من سبتمبر 1962م المجيدة في الشطر الشمالي من الوطن أو في الشطر الجنوبي من الوطن حينذاك بعد الاستقلال في الـ30 من نوفمبر 1967م المجيد، كان يؤخذ في الحسبان عند تشكيلاتها الأخذ في الاعتبار تمثيل كل مناطق اليمن فيها، من دون تهميش لاى منطقة كانت.
والمرحوم الجنيد مثالا لذلك، فقد عاصر كل عهود الحكم الجمهوري، ابتداء من الرؤساء في الشركات والمؤسسات الاقتصادية الحكومية، من المدير الفني لوزارة الاشغال في 1964م ونائبا لرئيس مجلس ادارة الشركة اليمنية للبترول في 1965 ووكيلا لوزارة العمل في 1967، ووزيرا في عهد الارياني والحمدي والغشمي وصالح وقد تصادف ان يكون عهدي السلال والارياني متساويين في التشكيلات الوزارية احدى عشر تشكيلا لكل منهما.
وقبل ان يعود من دراسته من لندن في الخمسينات من القرن الماضي عمل في البعثة الدبلوماسية المسماة المفوضية اليمنية والتي ترأسها احمد محمد الشامي احد قادة ثورة 1948م، وشفع له من اعداماتها بانه هاشمي وكذلك وهو الاهم بانه مقرب وصديق اى الشامي لولي العهد احمد حميد الدين قبلها والذي اصبح اماما بعدها اى هذه الثورة المسماة بالدستورية، وقائد هذه الاعدامات النكراء التي طالت رؤوساء كثيرة من قادتها في سجن حجة وفي مقدمتهم بيت ال الوزير.
مع ان هناك فرقا في مفهومه للهاشمي فاذا كان مواليا له فلا توجد مشكلة، وان كان هاشميا ومعاديا له فمعاملته مثل غيرهم من الاعداء وخير دليل هو اعدام اخويه عبدالله بالسيف وابراهيم بالسم.مثلما كان الرائد الاول للتنمية د.عبد الغني على الاغبري الذي عمل مع النظام الملكي في نفس الفترة ويحضر مؤتمر باندونج في اندونيسيا مع السفير محمد عبد القدوس الوزير لحركة عدم الانحياز كعضوا في الوفد ومترجما له، بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية حاملا الدكتوراة منها في الاقتصاد واول من ينالها في الشطر الشمالي من الوطن.
واصبح ولاول مرة وزيرا في 1968 كوزيرا للزراعة وظل في هذا المنصب في الستة التشكيلات الوزارية المتعاقبة، بل عين بجانب منصبه هذا في احدها كوزيرللخارجية بالوكالة لفترة قصيرة جدا.
وكان في ذلك الوقت عمر الحكومات قصيرا في بعض الاحيان لا يتجاوز ثلاثة اشهر، والسبب تغيير رئيسها من حين إلى اخر. وحتي 1971م يخرج من منصبه المعتاد كوزير للزراعة ليدخل مجالا جديدا على نفسه بشكل خاص وعلى اليمن بشكل عام. ليعين وزيرا للدولة لشئون التنمية، وتبدأ اليمن توجيه انظارها إلى المجال الحيوي ة الهام في حياة كل بلد تنموي ترغب في تغيير حياة شعوبها إلى الافضل، الا وهو مجال التنمية واستحداث هذا المنصب في تشكيلاتها ومن ثم بعد انشاء الجهاز المركزي للتخطيط اصبح المنصب وزير التنمية ورئيس هذا الجهاز الانف الذكر.
وللأسف في ذلك الحين كان السبب الاول لعدم الاهتمام لذلك هو شحة الامكانيات المادية الكبيرة التي تتطلبها التنمية للبنية التحتية، وعدم وجود خطط تنموية أو ميزانيات للدولة والمتعارف عليها دوليا، ولم يعط لهذا الجانب الاهتمام الكامل ولم ينل حقه الا بعد انشاء الجهاز المركزي للتخطيط وقبله بفترة قصيرة المكتب الفني الذي ترأسه رائد اخر من رواد التنمية الا وهو محمد انعم غالب مؤسس معهد الادارة القومي لموظفي الحكومة في شارع وزارة العدل ووزيرا في عدة حقائب وزارية مختلفة، وكانت الثلاثة المؤسسات تابعة لمجلس الوزراء في منتصف السبعينات من القرن الماضي.
وبعد اشهر ينتقل المرحوم الجنيد إلى وزارة الخزانة كوزير لها والتي تأسست بعد الثورة السبتمبرية، والذي تقلد فيها د.عبد الغني على الاغبري اول وزيرا لها واول من حمل اول ريال يمني توقيعه كوزير للخزانة. ورأى المرحوم الجنيد انه لابد من تغيير النظام المالي ليتواكب مع روح العصر الذي يتسم بالتجديد والحداثة، ولكن هذا التغيير لن يحدث بين ليلة وضحاها، وخاصة عدم وجود كادر مؤهل متخصص في هذا المجال. فقام بانشاء مكتب للمالية بجانب وزارته الخزانة التي كان مقرها خلف البنك اليمني للانشاء والتعمير بجانب نوبة التحرير، في شقة في احد العمارات خلف وزارة الاشغال العامة مكتب الرئاسة حاليا في شارع الزبيري.
ومع بدء عودة الخريجين اليمنيين من الخارج بدأ باستقطاب الخريجين في مجال الادارة والمحاسبة والاقتصاد وحتي اى خريج في مجال اخر مفيد في هذا المجال، وهولاء كانوا النواة الأولى لمن تبؤاوا فيما بعد من مناصب عليا كنائبا أو وكيلا فيها بل منهم اصبح وزيرا لها مثل د. العاضي وعلوى السلامي وهم بالأضافة إلى ما سبق من أسماء محمد خالد نعمان، أمين الشيباني، عادل السقاف، أحمد حسين باشا، عبدالرحمن علي الأغبري، عبدالسلام العواضي ( سفير في الخارجية فيما بعد )، محمد مرغم، علي مكرد العواضي ومحمود داوود العواضي…..الخ.
وكان العمل متوازيا بين وزارة الخزانة لتسيير اعمال الدولة وبين مكتب المالية في الشقة الانفة الذكر لتأسيس وزارة مالية وميزانية حديثة للدولة. حينذاك كان الخريج عملة صعبة للتوظيف، واذكر بان رائد اخر من رواد التنمية المرحوم محمد عبد الوهاب جباري ترأس مؤسسة المياه والصرف الصحي بعد تأسيسها في نفس الفترة، ذهب إلى القاهرة والتقي مع الطلبة اليمنيين الدراسين في كليتي التجارة قسم محاسبة والهندسة قبل تخرجهم باشهر للتعاقد معهم – وكنت احدهم الا انني فضلت تأجيل ذلك ومن زملائي الذين قاموا بذلك الاخوين نجيب شكري زيوار ومحمد على المؤيد اى في عام 1975م وبرواتب عالية عن ما تدفعه الدولة كرواتب ومزايا اخرى كدورات تدريبية في لندن بعد العمل حتي يضمن الكادر المطلوب من الخريجين لمؤسسته قبل ان تستحوذ عليهم وزارات ومؤسسات اقتصادية ناشئة اخرى.
وفي عام 1974م يعين المرحوم الجنيد وزيرا للمالية ويلغي مسمي وزارة الخزانة وينظم المكتب إلى الوزارة. وينظم الي ما سبق من الخريجين خريجين جدد وينتظم العمل بالكادرين القديم والجديد. وفي التشكيل الذي بعده يحتفظ في حقيبته وزارة المالية بل ويحتفظ بها في التشكيلين القادمين في 1977 و1978 مع اضافة منصب نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية والذي يتقلده في تشكيل 1979 ولكن هذه المرة من دون حقيبة المالية. عندما كان يناقش المرحوم الجنيد ميزانيات الوزارات التي يذهب اليها كان يطلب منها ان تاخذ في ميزانياتها الاعتبار وهو مصروف فعلي لثلاثة اعوام ويكون المعتمد الجديد متوسط هذه الاعوام من منطلق عدم المغالاة في التقديرات وفي نفس عدم الاجحاف والتقليل منها. لا ضرر ولا ضرار للجانبين.
وفي تشكيل عام 1980 يعين وزير للكهرباء والمياه والصرف الصحي، التي تعتبر وزارة جديدة مستحدثة لم يسبق لها ان ظهرت في التشكيلات الوزارية السابقة، ويعين نائبا له المرحوم محمد حسن صبره ولأول مرة تشهد جبال ووديان اليمن ابراج الكهرباء الشاهقة التي تتسم بالفولت العالي الصاعق. وكما كان قد اوجد وزارة المالية على انقاض الخزانة كما اسلفنا اوجد وزارة الكهرباء والمياه والصرف الصحي لأول مرة، لما تمثله هذه المجالات من اهمية في انشاء البنية التحية لاى بلد لتغيير ظروف حياة شعوبها المعيشية ومنها اليمن إلى الافضل والاحسن. وكانت هذه المجالات اى الكهرباء والمياه تنظمها مؤسسات حكومية لها وزنها والتي كانت النواة لانشاء هذه الوزارة على ايادي المرحوم الجنيد، مثلما كانت الخزانة بالنسبة للمالية.
وفي عام 1983 يعين المرحوم الجنيد وزيرا للتنمية رئيسا للجهاز المركزي للتخطيط، الذي كان هذا المركز محل اهتمام الخريجين للانخراط والعمل فيه منذ انشائه، والذي كان يستقدم افضل الخبراء من دول مختلفة في المجال الاقتصادي والتنموى والذين يعملون بجانبهم موظفيه، للاستفادة من خبراتهم، ويتم تعيين بعضهم في وزارات ومؤسسات اقتصادية اخرى، وكأن هذا الجهاز قد اصبح مركزا تعليميا وتدريبيا في البلاد، واصبح بمثابة فقاسة لتولي موظفيه كقيادات في تلك الوزارات والمؤسسات الاخرى.
وقد عملت فيه مدة الاربعة الاشهر الاولي من عام 1976 في عهد د. عبد الكريم الارياني ووكيله د محمد عبد الوهاب العريقي. وكان يضم حوالي 70 موظفا منهم خمس موظفات، اثنتان منهما خريجات وهن اسماء الباشا وبلقيس الضبي وثلاث اخريات بالثانوية ايمان العاقل وذهب مع زميله لها في تحويلة تليفونه.
وكانت المباحثات سنوية أو نصف تعقد تارة في صنعاء وتارة في عاصمة البلد الممول من الدول الشقيقة والصديقة لتقييم حجم التعاون التنموي بينهما. وبهذا الصدد ترأس المرحوم الجنيد وفد بلاده إلى هولندا في تلك الفترة وكنت اعمل بسفارة الشطر الشمالي للبلاد في لاهاي ولم يكن هناك تمثيل للشطر الجنوبي فيها وكان يغطي التمثيل غير المقيم فيها من لندن، الا انه تلقي توجيهات في اخر يوم من انتهاء الزيارة الرسمية بان عليه مغادرة لاهاى لان التشكيل الوزاري سيعلن في هذا اليوم وانه سوف يكون خارجه. وبالفعل يغادرها إلى لندن ويعود اليها ترانزيت فيما بعد ليغادر مع الوفد عائدا إلى صنعاء وقد الغت من يومها هولندا عقد المباحثات النصف السنوية في لاهاى واقتصرت في انعقادها على صنعاء فقط ربما لهذا السبب أو اسباب اخرى لا مجال لذكرها هنا.
وقد شهدت بام عيني مدي الحسرة والالم الذي اعتصر المرحوم الجنيد من هذا الموقف غير الودي والمحرج له امام الهولنديين، وكان المؤاسي له السفير محمد عبد الرحمن الرباعي في لاهاى الذي استهجن هذا القرار من القيادة السياسية ممثلة بصالح لانه يعرف تماما وجوده في هولندا هو الاخر كان بمثابه نفي له من نفس القيادة حيث عين في 1983م، واستمر فيه قرابة الـ13 عاما لانه الصوت الوحيد الذي عارض ترشيح صالح في مجلس الشوري، مثلما عارض ترشيح الغشمي مع زميله الصوت الاخر سلطان القرشي الذي تم خفيه قسرا فيما حتي الان. وقد يكون سبب عدم الرضا من صالح للجنيد مثلما لمن سبق ذكرهم هو ما تم نشره بانه قد صادف وصول صالح مع وصول الجنيد إلى مسرح جريمة اغتيال الشهيد الرئيس الحمدي في منزل الغشمي في وقت واحد وهو من رآه هناك. ولم يشفع له عند صالح بالرضا والتعيين في كل المناصب اللاحقة التي لم يكن صالح مقتنعا فيها الا بضغط صديقيه رمزان من رموز اليمن الرائدة في نهضتها التنموية المرحومان عبد العزيز عبد الغني وعبد الكريم الارياني اللذين يصران على ان يكون الجنيد موجودا في تشكيلاتهما الحكومية لأكثر من مرة، بل ان د.الارياني في رئاسته للحكومة للمرة الثانية في عهد الوحدة المباركة، اصر علي تواجده في حكومته بجانب محمد الشوحطي وفؤاد قائد الاغبري من التكنوقراطيين الذين اسهموا في تنمية اليمن بشطريه وهم كثر مثلما كان في الشطر الشمالي منهم مثل من سبق الاشارة إلى اسمائهم بالاضافة إلى على لطف الثور واحمد السماوى، كان في الشطر الجنوبي من الوطن ايضا رجال عظماء في تنمية اليمن على سبيل المثل لا الحصرعبد العزيز عبد الولي ود. فرج بن غانم ود. ياسين سعيد نعمان وعبد القادر باجمال…الخ.
وبعد الوحدة المباركة وتوحيد شطرى اليمن في 22 من مايو 1990م عاد من جديد المرحوم الجنيد إلى التشكيلات الحكومية حيث تقلد في عام 1994م منصبه التقليدي وزيرا للمالية وفي التشكيلين لعام 1997 و1998م وزيرا للخدمة المدنية والاصلاح الإداري. ومن ثم في 2001م عضوا في مجلس الشورى الذي يترأسه رفيقه وصديقه المقرب الاستاذ عبد العزيز عبد الغني رحمه الله ويشغل رئيس اللجنة المالية في مجلس الشورى، ورئيسا للجنة المناقصات والمزايدات.
وتنتهي مسيرة هذا الرائد في المسيرة المالية والتنموية العريضة للبلاد الذي كان يتسم بالنزاهة والوطنية واحترام القانون والحفاظ على المال العام، والذي كان عهد صالح لا يفضلهم ولا يرغب في التعامل معهم، ولكن ان قام بذلك فهو يكون مكرها على عمله لحسابات خارجة عن ارادته وفي بعض الاحيان لابد من قرصة الاذن لعدم التمادي فيه، وعزله هو في هولندا الانف الذكر، خير برهان.
رحم الله المهندس محمد أحمد الجنيد واسكنه فسيح جناته مع زملائه الراحلين في رحاب الله. واطال الله في عمر من تبقي من زملائه الاخرين رواد التنمية اليمنية، في هذا العطاء المشرق في تنمية اليمن الواحد. وتعازينا لافراد اسرته الكريمة وفي مقدمتهم اخيه البروفيسور الدكتور الاختصاصي في امراض الباطنية عبد الله الجنيد.
* القائم بالاعمال بالاصالة – السفارة اليمنية في بريتوريا – جنوب افريقيا

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية