أطفال اليمن.. سبع عجاف في البئر يا ريان..!

أطفال اليمن.. سبع عجاف في البئر يا ريان..!
الصحفي محمد الخالدي

محمد الخالدي يكتب: أطفال اليمن.. سبع عجاف في البئر يا ريان..!


يا صغيري ..!
بينما كنت تلعب بجوار البئر، كان هناك أطفال على الجانب الآخر من هذا العالم يموتون؛ بعضهم يموتون بالقصف بشكل يومي، وبعضهم يموتون تحت وطأت الجوع، والبعض يموتون من برد الشتاء، والعالم كله يشاهد ذلك ولم يحرك ساكنا.
ذاك البئر الذي سقطت فيه يا ريان، في اليمن يوجد مئات الآبار التي يتساقط فيها عشرات الأطفال كل يوم، متفاوتة أحداث سقوطهم، ولم يعيرهم العالم أدنى اهتمام ولم يلاقوا أي نجدة رغم الاستغاثات.
ريان حين وقعت في الجب، كان العالم كله يسبح لأجلك ويتلوا آيات الدعاء لبقائك سالماً، وسُخرت كل وسائل الإعلام لإنقاذك، يترقبون اللحظة التي تخرج فيها حياً، بلا اكتراث أو مبالاة للمأسي العظمى التي تحدث كل يوم في اليمن وسوريا ولبنان والعراق وكل البلدان الجريحة.
هل أخبرك يا صغيري أن أطفال اليمن منذ سبع سنوات يموتون كل يوم، يتساقطون في جب القبور كل عشر دقائق، حصدتهم الأوبئة ومزقتهم الطائرات وجزأتهم القنابل والالغام حتى صارت ألعابهم أصوات القنابل والصواريخ، يتنفسون غبار الموت، ويقبعون تحت الأنقاض أيام وليالٍ دون كاميرات ترصد ذلك أو بث مباشر.

في اليمن وسوريا وفلسطين هناك إخوة لك يلقون في البئر كل لحظة – هم من بلد شقيق كبلدك، دمهم عربي كدمك، ولغتهم عربية كلغتك، وملامح وجوههم شبية جداً بملامح وجهك – إن لم يكن نصيبهم الموت بالقصف، باتوا تماثيل مجمدة من البرد، أو هياكل عظمية من الجوع.

سأسمعك بعضاً من أخبارهم؟

في بلدٍ شبيه لبلدك – اسمه بلاد سام ابن نوح، ورحلة الشتاء، واليمن السعيد، ما عاد لهم سعيد أبدا – أطفال تغتالهم أصوات القنابل بلا رحمة ولا إنسانية، وتفتك بهم الأمراض والأوبئة، وتزف توابيتهم كل يوم إلى المقابر، بل إن بعضهم ترافقهم كل أفراد أسرته، خانهم هدهد سليمان فأسقط رسالة موتهم في توابيتهم ولم يرسل للعالم بالخبر اليقين، أتراك شعرت بهم..؟

في بلدٍ شبيه لبلدك – اسمه فلسطين أرض الإسراء والمعراج، وأولى القبلتين وثالث الحرمين – أطفال تغتالهم رصاصات الإحتلال كل يوم، وتهدم منازلهم لتبنى بدلاً عنها مستوطنات لعدوهم، وتنتهك أعراضهم ومقدساتهم وترتفع جنائز أسرهم لله شهداء، وينشدون حق العودة، أتراكِ عرفتهم..؟

في بلدٍ شبيه لبلدك – اسمه سوريا بلاد الشام، ورحلة الصيف، وبلاد السومريون والأشوريون – أطفال يقتلون بعضهم كل يوم بقنابل وصواريخ، والبعض يقتلهم البرد والجوع في مخيمات النزوح، وآخرون حاولوا الهرب فاحتضنتهم أمواج البحر، أتراك سمعت بهم؟

كل هؤلاء الأطفال يا صغيري؟
يموتون ولا أحد يسمع بهم، لا أحد يحرك ساكنا، لا يواكب جنائزهم أبواق الإعلام ولا تشيعهم كاميرات البث المباشر، وإن كتب لهم البقاء تراهم مشردون تائهون يتوسدون الأرض في العراء ويلتحفون السماء، لا أحد يسمع أنينهم وصراخهم، أو يلتفت لمعاناتهم وإغاثتهم، ولم يشجبهم العالم أو يدعوا لهم بالرحمة، وما تزال جراحهم تنزف.

كم بكيتك يا ريان ..؟
بكتك دموعي بحرقة طفل فقد أمه منذ أول يوم له، وكم تمنيت لو أنك بقيت حياً .. لتخبرنا عن الأهوال التي عانيت منها في البئر، والأوجاع التي رافقتك أثناء سقوطك فيه، والدماء التي جفت على ملامحك؟ لتخبر العالم أن الطفولة سئمت من زيفهم وطغيانهم وكذبهم ومن الهراء الذي يتداولونه على الشاشات تحت مسمى اليوم العالمي للطفولة؟

لو أنك بقيت حياً ..؟
لتخبر فريق الإسعاف عن أؤلئك الأطفال الذين يباغتهم الموت ولا يجدون سيارات الإسعاف في انتظارهم؟ لتخبر الطبيب المختص بأن هناك أطفال يعانون من أمراض الكوليرا والدفتيريا والسرطان وسوء التغذية الحاد دون وجود للقاحات أو تجهيزات طبية تلائم أوضاعهم؟ لتخبر أقسام المراكز وأسرة المشفى أن هناك أطفال ليس لهم مراكز صحية ولا مستشفيات لأن حرب عبثية دمرت كل شيء؟

لعلك إن بقيت يا ريان ..؟
وعدت إلى مدرستك الجميلة التي تحيطها الأشجار والورود، وحقيبتك المملؤة بالأقلام الملونة والدفاتر المزينة بملصقات انمي الطفولة؟ لتخبر زملائك في الصف أن هناك أطفال يفترشون العراء في المخيمات وسقف فصولهم الشمس بعد أن هدمت مدارسهم وشردتهم الحرب من منازلهم؟
لتخبر المعلم أن هناك معلمين بلا رواتب منذ سنوات ولا يزالون يؤدون واجبهم بهمة وعلى أكمل وجه؟ لتخبر صاحب المكتبة التي بجوار مدرستك، أن هناك أطفال لا تملك أسرهم قيمة الدفاتر والأقلام والحقيبة بسبب سوء المعيشة وغلاء الأسعار وارتفاع البطالة في ظل استمرار الحرب والحصار؟

لو أنك بيننا الآن يا ريان..؟
لتخبر أطفال حارتك أن عتمة البئر التي عشت فيها من عمرك أيام هي ذاتها من السنين التي يعيشها أطفال اليمن؟ لتخبر والديك أن كل بيت في اليمن يوجد أبوين فقدوا طفلهم الصغير أمام أعينهم ولم يجدوا قيمة الدواء؟ أو سعر ليلةٍ على سرير مستشفى المدينة البعيدة، أو سعر المقعد في الحافلة بسبب غياب مادة البنزين؟

لتخبر مجتمعك أن المسافة التي بينك وبين أقرب مركز صحي أو مستشفى تستغرق ساعة أو أقل في حال أن في اليمن قد تحتاج لمعادلة رياضية لقياس المسافة التي يستغرقها المريض في السفر لساعات طويلة وبعضها ليوم كامل بسبب قطع الطريق أو قصفها أو أنها تمر من منطقة صراع؟

لو بقيت حياً يا صغيري ..؟
لتخبر قنوات البث المباشر والإعلاميين والصحفيين وكل العالم الذين كانوا في انتظارك، أن أطفال في اليمن رأوا بأم أعينهم جثث وأشلاء أهاليهم وجيرانهم؟ لتخبرهم أن تلك المشاهد والأحداث ستظل محفورة في ذاكرتهم، وستبقى لعنة تطارد حكام العالم وإنسانيتهم التي يتباهون بها إلى يوم الدين؟ لتصرخ في وجه العالم أن أطفال عُروبتك في الجانب الآخر هم بحاجة لعين الرحمة وينتظرون لفتةٌ إنسانية، بيد أن انسانيتهم في جرح عميق تنتظر تضميدها؟

دعني أخبرك أيضاً..؟
أن طفل في اليمن يجد نفسه بين عشية وضحاها في خضم حرب لا تبقي ولا تذر، تحصد روحه أو جزء من جسده لتبقيه معلولاً أو مشلولاً طوال حياته.
رحلت يا ريان .. ورحل خلفك كل شغب وصياح العالم وكل تلك الأنظار التي كانت في انتظار خروجك، وساد خلفك الصمت، رحلت وأنت تعلم أن الطفل يجب أن يعيش في بيئة مسالمة ويترعرع في جو عائلي مليء بالحب والألفة والسعادة، وأن حقوق الطفل التي أعلنت عنه الأمم المتحدة أن الطفل في أي بقعة على وجه الأرض يستحق الحماية والرعاية ما هو إلا هراء وزيف ونفاق.
نم في سلام يا صغيري .. ولتخبر الله أنك واجهت كل شيء في الحياة عدا أنك لم تجد الإنسانية في وجه هذا العالم القبيح، وأن هناك حكومات ومنظمات أممية تدعي الحق في حماية الطفولة وتستجدي العالم كله لدعمها، ليعيشوا في رفاهية كبيرة على حساب الطفولة، ولا شيء يصل إليهم سواء لافتاتات وشعارات كاذبة تغطي عورات مسؤولي تلك المنظمات..
وعسى الطفولة يوماً أن تصحو على إنسانية…!

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية