إنها أمي معلمتي

إنها أمي معلمتي
اللواء حسين العجي العواضي مع والدته المرحومة شمس الشنية

اللواء حسين العجي العواضي محافظ الجوف الأسبق في اليمن يكتب: إنها امي معلمتي


اليوم هي الذكرى السنوية الاولى لوفاة والدتي “شمس الشنية” رحمة الله تغشاها صاحبة الفضل بعد الله في تربيتي ورعايتي وتكوين شخصيتي في ظروف وحياه صعبة من اليتم والتشرد والعوز كانت فيها هي الام والأب والملهم والمعلم.

أم منحها الله كثير من الحكمة والمنطق والكاريزما وحب الناس وعمل الخير في مجتمع ذكوري ليس فيه مكان للمرأة في الرأي والقرار لكنها بهذه الصفات تجاوزت هذه النظرة فكانت حاضرة في الشأن الخاص والعام.
ان اكتب عنها اليوم وعن حياتها ودورها ومكانتها لا استطيع دون ان استذكر كثير من الأحداث والمواقف والشخصيات وسنوات طفولة عجاف فليعذرني القارئ لانها امي رحلة عمر وسفر من اسفار مدرسة الحياة.
استشهد والدى رحمه الله عام 1966 واثنين من أولاده وثلة من رجال القبيلة مخلفا بعده من الأبناء اربعة من الذكور واربعآ من الاناث من ثلاث زوجات منهن امي وكانت أخر زوجاته.. كان رحمه الله كريما مقداما بليغ الحُجة ضليعاً في الأعراف القبلية وله مكانة مرموقة ليس بين قومه فقط وإنما على مستوى مناطق وجهات اوسع في اليمن من خلال علاقاته وسمعته وصداقاته الواسعة وبالذات في “المناطق الشرقية”.. كان استشهاده ومن معه فاجعه كبيرة حلت بالقوم نتجت عنها مأسي وفراغا هائلا.

كانت الشنيه أمي لا تزال في مقتبل شبابها امرأة ذات عقل وجمال ومقام وارملة الشيخ العجي يطمع أي رجل في الزواج منها لكنها بكبريائها وعقلها وعاطفتها لم تنحاز لذاتها وتنسحب من المشهد وتترك اهلا وقومآ مكلومين مشردين يحتاجون لأي جهد فحسمت امرها بشكل قاطع: لا زواج ابدا. ولم تسمح حتى للنقاش او النصيحة في هذا الشأن وبسرعة اقفلت الباب.
نذرت نفسها لتربية أولادها والانخراط في رحلة معاناة مع قومها ولمساندة شيخ حديث العهد في قبيلة مكلومة بهذا الإرث وفي هذه الظروف للقيام بمسؤولية المشيخ ذلك هو اخي الاكبر المرحوم الشيخ عبدربه العجي (ابن زوجة ابي الثانيه العابدة الزاهده ظبية بنت بلغيث رحمها الله).
كان اخي عبدربه قد غادر اليمن الى المملكة العربية السعودية في حياة الوالد في الخمسينات وهو شاب صغير وحصل هناك على الجنسية السعودية باسم ناصر اليامي. كان ذكيا مثابرا يعمل ويتعلم وحاز على المرتبة الأولى من “المعهد الثقافي” والذي كانت شهادته حينها تعادل “الثانوية العامة”.

وفي المملكة العربية السعودية توظف بعد التخرج في وزارة الدفاع. وكان يؤدى وظيفته ويدرس في “المعهد الصحي” وفيه كان متصدرا على زملاء دفعته وحاز على الترتيب الأول ايضاً. ولاحقا تم قبوله موظف متعاقد مع “الصليب الأحمر الدولي” براتب ممتاز مع حفاظه على وظيفته بوزارة الدفاع.

ثم قامت ثورة الـ 26 من سبتمبر فتخلى عن جنسيته السعودية وعاد الى اليمن مع كوكبة من زملائه العسكريين اليمنيين الذين كانوا يحملون الجنسية السعودية ايضاً فتخلوا عنها وكان في مقدمتهم المرحوم المناضل عبود مهدي الشريف الذي اصبح من كبار قادة الجيش اليمني ومن اهم ابطال الدفاع عن الجمهورية والعاصمة صنعاء اثناء “حصار السبعين” والذي لم ينل حقه في ذاكرة اليمنيين نتيجة تهميش و تهشيم تاريخنا لرموزه والافتئات لتأريخهم.
عاد الشيخ عبدربه الى اليمن وهو يحمل ثروة بمعايير ذلك الزمن اكثر من 6000 ريال فضه(تريزا) بعث للوالدة جزء منها ومكث في صنعاء يساند الثورة والثوار وهو ينفق منها. وكعادته كان يقوم بأكثر من عمل في وقت واحد: كان يستجلب المقاتلين وبالذات من مناطقنا للإنخراط في صفوف المدافعين عن الثورة وكان في الوقت ذاته يحمل حقيبته الطبية ويعالج الجرحى والمرضى.
كان عبدربه العجي حاضراً في النشاط العام كإبن شيخ وشاب متعلم مثقف في وقت شحة الكفاءات وبالذات شريحة المتعلمين نتيجة سياسة التجهيل التي مارستها الإمامة على الشعب اليمني.
استشهد الوالد وهو منغمس في النشاط العام. وكان حينها ضمن من اصطلح على تسميتهم بـ”المنشقين عن الثورة” وفي مقدمتهم الأستاذ محمد محمود الزبيري والشيخ عبد الله بن حسين الاحمر.
بعد رحيل الوالد أجمعت القبيلة على اخي عبدربه العجي خلفا لوالده ونصبته شيخا. والى جانبه شيخت القبيلة ايضآ رجلا حكيما ملم بالاعراف ومجرب وعلى دراية بالقبيلة وظروفها وحدودها ومحيطها هو الشيخ عبدربه احمد.
لم يكن الشيخان ( عبدربه العجي و عبدربه احمد) أولاد عمومة فقط وانما اولاد خالة ايضا حيث ان اميهما شقيقتان. لم أرى في حياتي انسجام وإحترام وتكامل بين إثنين مثل هذين الرجلين حتى وفاتهما.
كان عبدربه العجي ينادي امي: يا عمه. وكان عبدربه احمد يناديها: يا خاله. وكان الفاعلين في القبيلة يحترمون “الشنية” لحكمتها ورصانتها وحيادية رأيها وحرصها على الجميع وصلة القرابة بينهم وبينها.
كان المناضل السبتمبري المرحوم عبد الله علي العناز ( احد ضباط الثورة وقوات المظلات والذي أُسر في رازح مع المناضل المرحوم عبدالكريم السكري وهم يلاحقون فلول الإمامة هناك) كان العناز والشاعر والمتكلم احمد محمد عبد ربه الاثنين يناديان المرحومة امي: يا خاله لان اميهما اخوات ابي.
وكان المرحوم علي سالم المقبلي في بيت والدي كواحد من أبنائه وكان يلازمه في كل سفراته وهو يمثل البيت الرابع في القبيلة. وكانت امي تعامله كواحد من ابناء العجي وكان يناديها: يا عمه.
الشيخ المناضل علوي احمد العواضي الذي افتقدناه بعد وفاتها بأقل من شهر هو ايضاً زوج ابنتها اختي العزيزة عزيزه والدة السفير عبد السلام علوي .
المرحوم محمد مسعد ابن عم ابي وكان رجل متسامح ورصين ولا يخالف راي المشائخ..
بهذه العلاقة العائلية المتشابكة والجميلة التي تجمع بين هذه الرؤوس في السراء والضراء كانت المرحومة تؤدي دور المُيسر عندما يختلفون في الراي وبالذات عندما يكون الخلاف مع المشائخ.
كان أصعب الفاعلين داخل هذه العلاقات المتشابكة الوالد مساعد عبدربه رحمه الله ( ابن عم ابي ووالد زوجتي الثانية وكان ذكيا ملما بالعرف ووكيل شريعة بارعا اشتهر في المنطقه الشرقية وبالذات بين القبائل المجاورة باسم مساعد العواضي لكثرة حضوره وتنقلاته بين القبائل وكان يوصف بلحام المواقف لانه كان يبادر بالحضور في اي مواقف خلاف بين القبائل لاصلاح الشان ويمارس هوايته: دبلوماسية البرزات ــ
أي الإنفراد بكل طرف على حده لتدوير الزوايا والدخول في لعبة المقايضات ووضع المخارج للخلاف القائم) لا يستغنيان الشيخان عن رأيه في القضايا الهامة لكنه دائم الخلاف معهما لاعتقاده أنهما يقدمان تنازلات في هذه القضية او تلك في الوقت الذي كان بالإمكان تحقيق مكاسب اكبر من وجهة نظره. كان يرفع صوته ويظهر خلافه ويحتد امام الجميع حتى تعتقد أنه سوف يهدم المعبد.

وفي لحظة معينة يترك هذا الغليان فيناديني قائلاً ياالله نزور “الشيخة”. وكان يصف الوالده بـ”الشيخة شمس” وكانت ترفض منه هذه الصفة بإعتباره يقدح في المشائخ. يمسك بيدي ونذهب اليها الى مجلسها واحيانا يتبعنا الشيخان او احدهما وبعض عقلاء القوم فيظهر العم مساعد حججه بطريقة حادة كعادته واحيانا فيها تجريح للقوم فتتصدى له الوالدة بهدوء وقليل من الحزم . وكان يحترمها ويجلها كثيرا حيث يقلل من الجدل معها..
يغيب القوم فتصير الوالدة والعم مساعد راس براس فيختلف الحال ويهدأ الصوت فتباشره الوالدة بعبارات اسمعها بشكل شبه مكرر في مثل هذه الحالات: ( خفف الزجله يا مساعد قل لي ايش تريد.) وهنا يهدأ ويخفف صوته ويبين انه لا يريد ان يخرب الموقف. وانا اتابع واراقب واتأمل هذا التحول واستغربه احياناً فتحاول الوالده تعرف ماذا يريد . كانت أحيانا تقنعه وأحياناً تمرر له هذا الطلب او ذلك عند المشائخ ولو في مصلحه او حتى قضية غير المختلف عليها.
مرةً أخرى يأخذني العم مساعد بيدي إلى الخيمة التي سوف ينام فيها يميل على المدكا وأجلس امامه اصب له القهوة واستمع بإنصات وهو يشرح لي بطريقة روائية جميلة عن قصص حياته الثرية ومغامراته وعن الاباء والأجداد والقبائل والحدود والإمامة والمحاكم والسفر وبالذات رحلاته في نقل “الملح” على ظهور الجمال من “مأرب” إلى “ذمار” و”اب” و “عتمه” ووصاب” ومقايضته بالقمح وكيف أنه لا يقف عند ذلك بل يبتاع ويشتري في الاسواق يصلح بين هذا وذاك في تبادل بضائعهم فيحصل على عمولات مقابل هذا الجهد كوسيط ومصلح.
يذهب الى المحاكم يتصيد من يوكله في قضيته واحيانا ينقض توكيل شخص اخر ويحل محله.. قصص كثيرة وشيقة يتخللها كثير من الطرائف منها أنه مع جمع من الناس في باب “محكمة ذمار” وإذا بإمرأة سمراء قوية البأس والبنية تقفز عليه وتمسك بتلابيبه وتصرخ بين الناس إنه زوجها وهاجرها لثلاث سنوات دون صرفة وكانت مكيدة من بعض وكلاء الشريعة الذي تضرروا منه.. كان رحمه الله يستمر في سرد القصص وانا مستمع له أحيانا حتى صلاة الفجر.. كنت احبه ومعجب به وهو كذلك يبادلني هذا الشعور وكان يردد انه “يتوسم فيني خير”.
كبرت وتباعدت الاسفار ومع ذلك عندما القاه اجلس بجواره اسمع قصصه كما كنت واستمتع بها وإن كان بعضها مكرر وفوق ذلك كان رجل كريم وخدوم وشهم.
غابت كثير من الوجوه والاسماء التي ذكرتها وظهر جيل جديد وكان الجميع يحترم المرحومة ويستشيرها ويسمع رأيها وهي بالمقابل ايضاً لا تغفل عن احد وتهتم بالجميع وتتحسس همومهم ومشاكلهم وتساعدهم على حلها.
كانت ايضاً تدفع بإعانتهم في نوائبهم و تقارب بينهم في خلافاتهم.
كانت والدتي حنونة على الجميع ولا انسى وانا طفل ونحن في مخيم النزوح (وعندما أقول في مخيم النزوح لا يعني ان هناك منظمة او دوله صنعته وترعاه بل هو مخيم صنعته الظروف والخيام في اغلبها مشتراه من السوق) كان احيانا الشيخ عبدربه العجي بحكم خبرته ووعيه وعلاقاته كان يحصل على قليل من المساعدات من بعض المنظمات من الدقيق والسكر والتمر…الخ.

واحيانا يشتري من الاسواق لسد الحاحه هذا بالطبع في اواخر الستينات اثناء حرب الجمهورية والامامة فيجلبها الينا حيث ظروف الحياة صعبة وشحيحة المعيشة وكان الايتام والارامل كُثر وعندما تكون الكمية قليلة تلجأ الوالدة الى اعتماد المقادير مثل صفيحة النيدو (القوبة) وتكيل بها الطحين او علبة الفول وتكيل بها السكر.
بالطبع لا تكون القسمة متساوية مهما احتج البعض كانت تزيد الكمية لمنهم معدمين وتقللها عن منهم احسن حالاً.. كانت حكيمة ومُدبرة.. كان لها جراب كبير مصنوع من جلود الاغنام يكون مملوء بالطحين والسكر والسمن وغير ذلك..كانت تغلقه بسلسلة وقفل وهذا ما يسمئ بلغة البدو “الوسلة” اي الاحتياط لمواجهة الظروف الضرورية.

كانت لا تفتح هذا “الجراب” الا في ثلاث حالات: ان يأتينا ضيف والناس مُعدمة او ان يكون قد نفذ التموين في البيت ولا نجد ما نأكله او ان تعرف ان هناك أسرة وإن كانت تسكن بعيدا عنا لا تجد ما تطبخه فتبعث لهم بشئ من عندها. وفي كثير من الاحيان اكون رسولها لايصال هذه المواد على الحمار الابيض الذي ورثناه عن والدي وكان من فصيلة نادرة يشبه في شكله وطباعه الخيل.

كان لدى والدتي قليل من الأغنام إلا انها نوعية واغلبها من الضأن و “وادي عين” و”وادي خِر بيحان” و”وادي شّرق حريب” هي وديان خصبة وغنية بالمياه كان لوالدي و اخي الشيخ عبد ربه أصدقاء كُثر من مزارعي هذه الوديان الخصيبة وكثير منهم يعرفون “الشنية” والدتي وكانت الناس تتنقل بين بعضها ولمسافات طويلة على الاقدام والمواشي فكانت الوالدة تاخذ من هذه النعاج فتبعثها لصديق لديه ارض وزرع بالشراكة مناصفة مقابل الرعاية.

ومن هذه الودائع (الشراكات) تأتينا ضحايا العيد كل سنة وعندما تحل علينا اي مناسبة زواجة او شرع قبلي او ما شابه ذلك نحتاج الى ذبائح كثير فنجد ان الخرفان تتقاطر علينا من عند هؤلاء الشُركاء مع مراسيل الوالدة. وفي كثير من الاحيان ياتي مع الخرفان هدية الموسم من محاصيل القمح بكل انواعه وحب السمسم وزيته الذي كانت زراعته منتشرة بكثرة في هذه الوديان وفي مقدمة هؤلاء اخوالي قبائل “ال شن” وهم قوم كرام وارضهم الساحه ارض خير.
كانت علاقة والدتي بأخي الشيخ عبدربه اكثر من علاقه إبن وأم حيث لا تفقد هدوئها وحياديتها إلا عندما يتعلق الامر بالشيخ عبدربه كانت ترفع صوتها في وجوه القوم وتردد دائمًا :” انه شجره خضراء في بلد غبراء”، أي انكم ايها الاجلاف لا تستحقون هذا الشيخ الواعي والحنون عليكم. وكان كذلك فعلا رحمه الله.
كان يغيب الشيخ عبدربه كثيراً وفي الظروف السيئة تكثر خلافات الناس حتى الاقرباء فتجدها رحمها الله تهتم بحل المشاكل والخلافات شبه اليومية ولو كانت خلافات بسيطة بين اخ واخيه او زوج وزوجته كان ياتي احدهم فيشتكي لها او تعلم بذلك فتنادي احداهما او الطرفين معا فلا يذهبوا من عندها إلا وهم متوائمين .
كانت رحمها الله تهتم بي وتقلق علي كأي أم. تنصحني وتوجهني وتنبهني لكنها لا تبدي ما يجعلني اخاف او اتردد .. كانت تدفعني للجلوس في أوساط القوم وخدمة الضيوف لهذا كنت الجرسون الاول بين اقراني.. كانت رحمة الله تغشاها تناديني بلقب “غافل” لانني كما ترى اغفل عن أي شيء يخصني حتى وجبات الاكل واهتم بالاخرين.
عندما كبرت وبدأت أخوض في الشأن العام كانت والدتي لا تتدخل ولا تمنعني من أي أمر حتى وان كانت فيه مخاطر كانت فقط تبدي رأيها احياناً ولكن لا تفرضه علي اذا رأتني مصرا على رأيي كانت تقول :” شورك في كورك” يعني انت حر خبرك في راسك اتحمل مسؤولية قرارك.
مثال صارخ:
في حرب 1994م وصلت من عدن الى شبوه بعد ١٧ يوم من بدء الحرب فتمركزت مع قبائلي في ما يسمى الخطوط الأماميه في بيحان: مواقع شقير والسوداء و الفليحة …الخ وهي مواقع بين بيحان وحريب وكان الوضع مزرياً وليس هناك اي ترتيبات عسكرية أو قبلية بينما كان الطرف الاخر يحشد القبائل من أبناء المنطقة ولديه قوة عسكرية كبيرة ومدفعية فتاكة تقصف بكثافة ودقة حتى ان بعض ابناء حريب كانوا يتندرون حينها ويقولون ان “السوداء” تحولت الى “بيضاء” وهو الجبل الذي كنت متمركز فيه..

كانت القوه المهاجمه بقيادة الشهيد سالم قطن ومعه بعض قبائل المنطقه ، صمدت ومن معي في مواقعنا لكن المواقع في “نجد مرقد” و”بليق” و”الساق” انهارت بسرعة وسهولة فأصبحت الطريق الى “بيحان” و”عتق” مفتوحة. في اليوم الثالث لم تعد اي قيمة لمعركتنا الدفاعية في هذه المواقع
فقررت الانسحاب ولكن ليس الى الخلف باتجاه بيحان بل نزلنا باتجاه مناطق الخصم عند قبائل “ال عقيل” و”ال ابو طهيف” في اتجاه “وادي حريب”. تغدينا هناك وسلكنا “وادي عين” الى منطقتنا “الجريبات” ووصلت ومن معي الى “الشجاب” محل سكني.. وكان الوقت مساء فكلفت احد الشباب ان يطلق عدد من الطلقات الكاشف في الهواء وهي تعتبر إشاره لفزعة القوم وما هي إلا ساعات وبدات الرجال تتوافد من قبائلنا ومن “بني وهب” و “بني عبد” وغيرهم فاخبرتهم نيتي التوجه الى شبوة عبر “عقبة القنذع” للالتحام بقواتنا في “عتق” عبر “وادي بيحان” الذي كنت متيقن انه قد اصبح في قبضة قوات ما يسمى بـ”الشرعية” حينها (قوات صنعاء) بينما حقيقه الامر ان قواتنا قد انسحبت من “شبوة” كاملا حتى اصبحت قوات صنعاء مسيطرة حتى “جول دوام” على مشارف حضرموت دون ان نعلم بذلك.
كنت في هذه اللحظات منهمك في استقبال الواصلين والحديث مع بعض رؤوس القوم عن وجهتنا و مخاطرها وكلفت بعض الشباب ان يأخذوا من البيوت مواد تموينية من دقيق وسكر وبطانيات وغيرها و يحملوها فوق السيارات لحاجتنا في الطريق واثناء ذلك اذا بأحد الشباب يهمس في اذني: امك تناديك.. ذهبت اليها وكان الوقت متأخر ليلا وجلست امامها وهي جالسة على فراش النوم بالارض، باشرتني بالقول: ويش هذا الجنان الذي تعمله يا غافل (لازلت في نظرها غافل وان صرت قائد)..! خارجك الله من جنانك في حريب ولكن شكلك ذي تدور لها..! واضافت:” وين انت مودي عيال الناس للتهلكة!!
تأتيني من زاويه اخرى غير المخاطر علي بل مسؤوليتي عن اي شي يلحق بالأخرين.. تواصل الحديث :” خلي بطانياتك وطحينك لضيوفك وغدي الناس بكرة وكلن يرجع لاهله، لما تشوف وين هي رايحة.. يا حسين شوف مطاردة شارد نقصان في العقل”.. رميت لها بعض الكلمات ان المهمة ضرورية وان الغداء ان شاء الله عند اخوالي في الساحة ووقفت وقبلت راسها وطلبت الدعوه.. وتابعت كلامها:” كمل البيعة وقش اخوالك معك”.

كانت مدركه خطورة المغامره. لكنها كعادتها لا تصرخ ولا تحلف ولا تستجدي مهما كان قلقها علي منطلقه من قاعدة “هذا رأيي وشورك في كورك” وهو بالفعل كان قرار مجنون وغير مسؤول، حيث اختلطنا بقوات صنعاء على طول الطريق الازفلتي من “بيحان” حتى “عزان” على مشارف حضرموت اكثر من خمسمئة كيلو كان ممكن ان نلاقي حتفنا في اي لحظه لكن تنوع القوم من عدة قبائل خدمنا حيث ان كل من علم بنا كان يتجنب اعتراضنا لحسابات ما بعد الحرب وكذلك خشية من ان يؤدي مقتلنا الى اثاره قبائلنا في وقت كانت صنعاء تعمل على التهدئه والتطبيع مع هذه القبائل. كنت مدرك لهذه المسألة ولكنها لم تكن كافية لخوض تلك المغامره الغير مجديه. وكان عددنا ليس بالقليل: 138 رجل مستعدين للقتال في اي لحظة.
في السنوات الاخيرة بعد ان اصيبت “شمس الشنية” بكسر في الورك تلته جلطة في الرجل اصبحت حركتها ثقيلة فاستقر بها المقام في صنعاء عند ابنتها القريبة منها في حضورها وقلبها وطبعها الغالية اختي حسناء وولديها عبدالواحد وعبد القوي، وكنت حينها في سوريا ولكنها لم تقطع صلتها بناسها في المنطقة تتابع امورهم واخبارهم. كما ان كل من يزور صنعاء حتماً لازم يزور “الشنية” يطمئن عليها ويطرح عليها همومه ومشاكله.
كانت بدورها تستعين بالشيخ عبدربه العجي والشيخ علوي احمد والشيخ ناصر احمد عبدربه وهو من الجيل الثاني لمعالجة هذه القضايا وبالذات عندما يتعلق الامر بالجهات الرسمية.
كانت تعشق تراب اليمن وبالذات صنعاء احبتها كثيرا خلال 20 سنة قضيتها في الخارج بين القاهرة ودمشق على اثر حرب 1994، كانت تأتي لزيارتنا واجراء الفحوصات الطبية لكنها لا تطيل الاقامة ما هي الا شهور حتى تطالب بالعودة الى اليمن ولا نستطيع ان نثنيها عن قرارها..

في عام 2017 في القاهره كنت مصر على عدم عودتها الى صنعاء لرغبتنا في اقامتها عندنا ومعاناة السفر في ظل اغلاق مطار صنعاء وكنت اغريها بالبقاء من خلال ابداء استعدادي بنقل من تريد من احبائها من بناتها واحفادها الى القاهرة فكان الرد المتهكم والقاطع منها: هل تستطيع ان تنقل صنعاء الى القاهرة.. ايقنت انه لا مجال لاقناعها فكان ردي ضاحكآ هذا مطلب الزير سالم “اريد كليبا حياً”. قالت وانا اريد صنعاء..
كانت رحمها الله تحب الأغنام. حيث انها وهي بصنعاء جلبت معها زوج من المعز والضأن..واقامت لهم مكان امام نافذة غرفتها تستمتع بالنظر اليهم والاهتمام بهم.
كانت كريمة ومعطأه وتحس بمعاناة الناس حتى انها احياناً تستدين من اجل ان تعطي كانت مخدة نومها لا تخلو من قليل من النقود حتى يكون في متناول يدها لتعطي هذا الطفل او تلك المرأه أو ذلك المحتاج دون ان ينتبه الاخرون.
عام 2007 كنت عائد من ليبيا بعد زيارة المرحوم العقيد معمر القذافي مع ثلاثة من الاصدقاء وقد اعطوا الليبيين كل واحد منا 100 الف دولار هدية من القائد.

كنت ساكن في سوريا محافظة “طرطوس” وكنا نمر بظروف صعبه بعد قطع المساعدات من المملكه عند ترسيم الحدود وكانت المرحومة عندي كانت ترغب ان اشتري شقة سكن لأولادي بدل الايجار لكني لم أطاوعها وهي كعادتها لا تفرض رأيها علي كان جازم ابني بجواري وانا أملي عليه بعض الاسماء من الاهل والاصدقاء في اليمن وخارجها يحول لهم بعض المبالغ واسدد بعض الديون.. ايقنت رحمها الله ان المبلغ هالك فالتفتت الى جازم وقالت:” وأنا لي كشفي بعد ما تخلص مع ابوك هات ورقه وقلم”.. وبالفعل عملت كشفها وكان معيار الحاجة والقرباء هو الاساس في كشفا غير كشفي الذي كانت حاضره فيه المجاملات..
كانت سعيدة في زيارتها الأخيرة لنا في القاهرة وهي تزورنا في سكن مملوك حيث كان يؤرقها انني لم اعمل سكن لأولادي في صنعاء أو في الخارج.
كانت تجعل كل واحد من الاهل والأولاد يشعر انه يملأ قلبها وهو كذلك. وتتنبه وتعرف تفاصيل كل واحد اكثر منا جميعأ وان كان بعيد.. في كثير من الاحيان تفاجائنا..لكن الولد جازم استحوذ على العلاقه الخاصه التي كانت بينها وبين المرحوم الشيخ عبدربه فكان جازم بارك الله فيه اقربنا اليها وابرنا بها. حيث يتابع شؤونها بما في ذلك علاجها وتفقدها يوم بيوم ولحظه بلحظة.
كان مجلسها يظل محتشداً بالحضور حتى في القاهرة ليس من الأهل والاقرباء فقط وانما كذلك زوارها من غير الاهل كانت لها جاذبيتها.. عندما يزورها احد فلا يقبل اخذ واجبه من الضيافة وهي تعرف أن ظروفه ليست جيده. كانت توعز لي ان خير ضيافة ان ازوره في سكنه واعطيه ضيافته يد بيد لان ذلك انفع له..

كانت وظلت حتى وفاتها تتابع و تهتم بشؤون الاهل بالقبيلة الكبير والصغير والمرأة والطفل.. كانت تتوصاني في هذا أو تلك واحيانا كثيرة تقوم بما تراه واجب وصائب بدون علمي او الرجوع الي وقد تستعين بجازم او عزيزة اختي خاصه عندما يكون الامر مادي او منفعة لاحد..
ظلت حتى اخر يوم في حياتها سليمة بل قوية الحواس عقلها سمعها بصرها ذاكرتها اسنانها الا انها كانت تعاني من صعوبة الحركة في تنقلاتها وفي الأيام الاخيرة..

زادت صعوبة الحركة فحاولت اقناعها أن استقدم لها طبيبة علاج طبيعي فلم تقبل وعندما اصريت عليها كان ردها:” لا تتعب حالك وتتعبني يابني حان الوقت يا حسين”. اي قرب الاجل. واستطردت:” ماحد مقصر معي لكني اريد اغمض عيني وعادهم ملتمين حولي”. تقصد الاهل.. “من حسن الخاتمه يا بني ان تفارق من يحبوك قبل ان يملوك
نسأل الله حسن الخاتمة وان يأخذ وداعته وهو راضي عنا” كان كلاماً ثقيلاً علي.. فذهبت الى غرفتي واجهش بالبكاء وايقنت انه الفراق.
لم تمض إلا أيام على هذا الكلام وفي مثل هذا اليوم 20/2/2021 ، بعد الظهر كلمت زوجتي “أم جازم” ببضع كلمات تبلغني إياها وكنت حينها بالرياض وتلك الكلمات كانت وصيتها. ثم طلبت من “أم جازم” ان تتركها تنام فكانت النومة الاخيرة التي صعدت فيها روحها الى الرفيق الاعلى بكل هدوء وسلاسه رحمة الله تغشاها..
ومع ايماني بقضاء الله وقدره ودعوتي الدائمة ان يحسن خاتمتنا وأن لا يوصلنا ومن نحب الى ارذل العمر وقد كانت هذه رغبتها ودعوتها آلا انني وحتى اللحظة لم استوعب في كثير من اللحظات انها قد فارقتنا.. ولا يفارقني وجهها المشرق وانا اقبلها القبلة الاخيره وهي في ثلاجة المستشفى حال وصولي من الرياض.
اسال الله ان يغفر لها و يتقبلها قبولاً حسنا وان تكون راضيه عني والحمد لله رب العالمين وإنا لله وانا اليه راجعون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من حكمها التي صارت ضمن منهج حياتي:
— لا توعد صاحب الحاجه.. وتتأخر في قضاء حاجته.
— لا تخلي صاحب الدين يطلبه منك..ولو نمت جائع.
— اذا ثلثين الليل تريحك في الثلث الباقي اسري.
— اقبل قليل من الباطل وانت في موقع القوي .. لا يجي كثير منه وانت في موقع الضعيف..
_لا يقصدك إلا من يؤمل فيك..وقيمة الشي طلبه..

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية