
كتب/عبدالله قطران / عن ناس برس
ثمة حالة من التذمر يمكن للمراقب العادي أن يلحظها في أوساط الكثيرين من أنصار وقواعد المعارضة، عبرت عن جزء منها بعض الكتابات والآراء والمواقف الصادرة في الآونة الأخيرة عن كتّاب وسياسيين وناشطين حقوقيين منتمين لأحزاب اللقاء المشترك، لم يخفوا انتقاداتهم لأداء المشترك وخصوصاً فيما يتعلق بتعامل قياداته مع الملفات المفتوحة والعالقة بين المعارضة وبين السلطة وحزبها الحاكم..
ولعل مبعث حالة التذمر هذه التي يبديها العديد من أنصار المعارضة، ناتج عن ذلك الاعتقاد السائد بعدم جدوى الاتفاقات الموقعة أو ما يصفها البعض ب"الصفقات السياسية" التي يسعى قادة الأحزاب للتوصل إليها مع الحزب الحاكم، طالما وأن هذا الأخير كما يقولون ظل ولا يزال يمسك بمعظم الأوراق في يده، ويصرّ على دخول الانتخابات في ظل ميزان المعادلة التنافسية المختلّ لمصلحته الانتخابية نتيجة احتكاره المطلق للمال والسلطة والقوة والإعلام.
بين خيار الانتخابات ومخاوف"الانتحار"!
قادة المشترك يؤكدون عبر تصريحاتهم وبياناتهم الرسمية بأن خيار المقاطعة للانتخابات أمر مستبعد أو غير وارد في أجندتهم وهو ما ذهب إليه القيادي الإصلاحي والنائب البرلماني الدكتور منصور الزنداني الذي حذر الحزب الحاكم من القيام بتأجيل الانتخابات القادمة، مؤكداً على المضيّ قدما نحو المشاركة الفاعلة في الانتخابات باعتباره الخيار الوحيد للمشترك كما قال، مضيفاً بأن الانتخابات الوسيلة الأسلم للتغيير المنشود وتنفيذ برامج الإصلاحات الوطنية الشاملة التي يتبناها المشترك في البلاد ويسعى إلى تحقيقها، لكن شددّ على ضرورة السعي أولاً لإصلاح النظام الانتخابي وضمان توفير الحدّ الأدنى من النزاهة والشفافية الانتخابية التي تتوافر فيها فرص المشاركة المتساوية والعادلة بين جميع المتنافسين، إلا أن كثيراً من أعضاء وأنصار المعارضة يرون غير ذلك ويعتبرون قبول المشترك الدخول والمشاركة في العملية الانتخابية في ظل هذا الوضع المختل بأنه يمثل مغامرة أخرى وعملية"انتحار سياسي" سينفذها المشترك بشكل مبكر ونهائي، إن لم يكن توافقه على الانتخابات مرهوناً أولاً وثانياً وحتى عاشراً على احترام حق الجماهير في ممارسة كافة أشكال الاحتجاجات والتعبيرات السلمية بغير استئذان أو تقسيط أو تحفظ،، بحسب تعبير الكاتبة الإصلاحية الزميلة توكل كرمان، التي تتساءل عن السبب الذي يجعل قادة المشترك مضطرين إلى هذه الدرجة لأداء دور المعارض الهزيل وهم يحثون عناصرهم كي يحشدوا الناس بعد أشهر إلى موعد الانتخابات النيابية القادمة التي وصفتها توكل ب"كذبة إبريل"، مشيرة إلى أن الجميع على ثقة بأن لا علاقة للأمر بإرادة الناخبين، وأن العملية الانتخابية برمتها تفتقر للنزاهة والحياد، وأن لا سبيل لضمان عدم استخدام الحاكم للمال العام والوظيفة الحكومية لصالح مرشحيه، وأن ليس بالإمكان وقوف الجيش والأمن وأجهزة الدولة على مسافات متساوية من المترشحين، وتسأل كرمان قادة المعارضة عن أي قيمة يبحثون عنها في انتخابات نحن جميعاً نعلم سلفاً بأنها لن تفضي إلى تداول السلطة؟ ولماذا نشارك في انتخابات إن كان لدينا من اليقين والثقة أنها لن تسفر عن جديد ذي بال؟،
ولم تتردد رئيسة منظمة صحفيات بلاقيود في تحذير المشترك -التي تنتمي إلى أكبر أحزابه- مما وصفتها العواقب الوخيمة التي قد تلحق به في حال قرر دخول الانتخابات القادمة في ظل المعطيات الحالية المشار إليها آنفاً، لافتة في هذا السياق إلى أن "ذهاب المعارضة إلى الصندوق يعني إقراراً صريحاً من جانبها بأن العملية الانتخابية قد توافر لها ما يكفي من النزاهة والحياد، وأن الفرصة مواتية لحكومة المشترك حيث الأمر مرهون فقط بإرادة الناخبين، وأن علينا أن نتنبأ بالنتيجة طالما وفساد الحاكم ظاهر للعيان .. ومعاناة الجماهير لاتكاد تطاق ؟!!
المعتقلون.. هل سيعتقلون قرار أحزابهم؟!
قضية المعتقلين السياسيين واحدة من أبرز القضايا التي أشعلت حالة التذمر القائمة في أوساط الإصلاحيين والاشتراكيين وحلفائهم داخل المشترك.. ويعتقد البعض بأن الحاكم قد نجح بعض الشيء في إحراج قادة أحزاب المشترك من خلال قضية المعتقلين السياسيين أمام قواعد هذه الأحزاب من جهة، أو- في ما اعتبرها البعض محاولة لابتزازهم وتضييق الخناق عليهم سياسياً من الجهة الأخرى كما حصل يوم الأسبوع الماضي في قاعة البرلمان، عندما أصدر الرئيس أمراً –لم يكن يرغب بعد في تنفيذه- بإطلاق المعتقلين السياسيين، والذي بموجبه وافقت كتل المشترك النيابية على استئناف مناقشة مشروع التعديلات على قانون الانتخابات وتقديم ممثلي الأحزاب لعضوية اللجنة العليا للانتخابات.
موقف المشترك الرسمي كان صريحاً وواضحاً بشأن موضوع المعتقلين السياسيين وهو عدم المساومة بأي شيء على هذه القضية، حيث جدّد المجلس الأعلى لأحزاب اللقاء المشترك في آخر بيان صادر عنه نهاية الأسبوع الماضي مطالبته للسلطة بسرعة الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وذوي الرأي من الصحفيين والمبدعين من أجل توفير الأجواء السياسية الملائمة للانتخابات القادمة،
ووصف المشترك المساومة على إطلاق المعتقلين السياسيين "بالعمل الإجرامي المشين الذي يقوم على الاستهتار بالقيم الوطنية والإنسانية، وعلى النكث بالالتزامات الدستورية والقانونية التي تكفل حرية التعبير عن الرأي وعن الموقف السياسي"، داعياً المنظمات الحقوقية المدافعة عن الحقوق والحريات في بلادنا والمنطقة العربية وفي العالم إلى "تشديد حملات الضغط بكل الطرق المتاحة لإجبار السلطة على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإرغامها على إيقاف الانتهاكات البشعة لحقوق المواطنين اليمنيين وحرياتهم"،
غير أن ملف المعتقلين السياسيين هذا يبدو أنه بدأ يفرز مؤشرات يمكن وصفها بالخطيرة وتثير شيئاً من المخاوف على وحدة وتماسك اللقاء المشترك ومستقبل هذا التكتل الحزبي القائم على التوافق السياسي بين أحزاب وتيارات متباينة فكرياً ومختلفة تنظيمياً كان يجمعها ولا يزال موقفها الموحّد في معارضة النظام الحاكم القائم في البلد..
إذ بدأت بعض التحليلات والكتابات تتحدث عن خلافات حادة ترقى إلى بوادر الانشقاق داخل المشترك، أخذت تلوح كما يقولون بين الإصلاح والاشتراكي على خلفية قضية المعتقلين السياسيين، وذهب البعض من أصحاب تلك التحليلات والكتابات إلى حد اتهام الاصلاح بتجاهل قضية المعتقلين السياسيين وعدم التعامل معها كقضية أولوية أو عدم إدراجها كمطلب رئيسيّ ضمن أجندته التفاوضية مع السلطة، ويبني هؤلاء تكهناتهم حول إمكانية"انشقاق المشترك"، على عدد من المواقف التي برزت مؤخراً ومن بينها الموقف المتشدد الذي أبداه الحزب الاشتراكي من خلال مقاطعة كتلته البرلمانية جلسات مناقشة تعديلات قانون الانتخابات في الوقت الذي كانت تحضرها كتل المشترك الأخرى، كما يتضح ذلك من خلال التباين المتزايد في مواقف الحزبين الكبيرين داخل تكتل المشترك"الإصلاح والإشتراكي" تجاه بعض القضايا أهمها مسألة المشاركة في الانتخابات كمبدأ غير قابل للنقاش بالنسبة للإصلاح حتى ولو رفضت السلطة مطلباً رئيسياً للمشترك بحجم وأهمية إطلاق المعتقلين السياسيين، في حين تبدو المشاركة في الانتخابات مسألة أقلّ أهمية بالنسبة للإشتراكي، فضلاً عن أن المشاركة ستصبح مستحيلة إذا ما أصرت السلطة على إبقاء المعتقلين السياسيين خلف قضبان سجونها.





