مطهر الإرياني: أحمد الشامي عمل على إحياء النزعات السلالية فرددت بقصيدة “المجد والألم”

  حاوره: ثابت الأحمدي

في هذا الحوار الرمضاني تحدث الشاعر والمؤرخ الكبير مطهر الإرياني عن محطات من حياته العلمية والأدبية وأورد العديد من الأسماء والأحداث.

صاحب معزوفة “الحب والبن” هو أحد أهم الأسماء التي رسمت وجدان اليمن الجديد بعد ثورة سبتمبر وأكتوبر.. ونشوان نيوز ينشر هذا الحوار بالتزامن مع صحيفة الناس.. والى التفاصيل:

مرحبا بك أستاذنا القدير في هذه المسامرة الرمضانية الرائعة التي تمتزج فيها نضارة الشعر برحابة الفكر، ليكتمل المشهد من جميع جوانبه، لاسيما ولكم حضوركم الواسع في كل المجالات المذكورة.. بداية أسألك عن النشأة والمسار التعليمي..؟

مرحبا بك أنت أيضا، والحقيقة أن حياتي كحياة أي يمني ولد في ذلك الوقت في الريف، غير أنه أتيحت لي فرصة ما كما أتيحت لأمثالي، التحقت بالمعلامة أولا وكأي طفل بدأت مشوار التعليم علي يد معلم الصبيان ثم على يد أخي الأكبر فضل الإرياني، ثم بعد ذلك على يد أحد المعلمين الذين كان قد أرسلهم الإمام إلى إريان للتعليم، اسمه قايد محمد السري، الذي أحسنا استقباله فأحسن عمله. و كان أخي فضل على الدوام هو أستاذي الأكبر، وله أثر كبير على حياتي.

المواد التي كنتم تدرسونها في المعلامة آنذاك؟

القرآن الكريم ومبادئ الفقه والحساب والأخلاق، واللغة العربية، وكانت لدينا مكتبة ضخمة، وكان الجد يحي بن محمد حريصا على اقتناء الكتب من الحجاز عن طريق الحج والحجاج وأيضا القاهرة عن طريق بعض المسافرين، شكلت لنا هذه المكتبة نواة التثقيف الذاتي الأول. وكنا في بداية مشوارنا التعليمي نصنع ونجهز كل محتاجاتنا الدراسية فمن ذلك مثلا الحبر نعده بأيدينا، نشعل مصباح الكيروسين ثم نقربه أعلاها على سطح أملس فيتكون ثاني أكسيد الكربون الذي نحتُّه حتا إلى إناء ثم نضيف إليه قليلا من الماء مع قليل من الصمغ، وهكذا.

ــ بعدها كيف انتقلت إلى التعليم النظامي؟

في الخمسينيات بدأت أنا ومجموعة من زملائي نراجع الإمام أن يأذن لنا بالسفر للدراسة في الخارج، فتمنع عن ذلك ورد بأنكم من بيت علم فحافظوا على علم آبائكم وأجدادكم، وبالمناسبة فقد كان عمي القاضي عبد الرحمن مسجونا حينها في سجن حجة، وعندما قررت الفرار للدراسة في الخارج استشرت أخي الأكبر فضل فوافقني وشجعني على الفور؛ لأن الخطر على العم السجين قد زال؛ إلا أن عمي الأكبر حين عرف منعني من ذلك، لا لشيء إلا لأن عمي مسجون في حجة بأمر من الإمام، ثم إن تجاوز الإمام والذهاب إلى الخارج بعد رفضه فيه مخاطرة قد تسبب الضرر على عمي الذي في السجن، ولم أقتنع، فقررت الفرار ليلا، وفعلا فقد خططت للهروب من داخل الحصن الذي نسكنه في إريان لأن الحصن يغلق مساء، وحارس بوابته سيمنعني من الخروج في الليل. المهم تسلقت السور الذي يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أمتار، ورميت بنفسي إلى خارجه، فوقعت على أجمة من التين الشوكي، وكنت أنشد السلامة البدنية ولا أخشى إلا أن أُصاب بكسور في رجلي أو ما شابهه فيعيقني عن السفر، ولكن الحمد لله لم أصب إلا بوخزات التين الحادة، ثم انطلقت في جري متواصل كما لو أني في سباق ماراثوني خوفا من أن يعرف عمي فيلحق بي من يمسكني ويعيدني إليه، ولم أتوقف إلا في المخادر على بعد خمسة عشر كيلو تقريباً قاصدا تعز، التي كان يقيم فيها الإمام وقتذاك، ومن هناك إلى عدن.

وصلت تعز وكانت طريق السيارات إلى عدن قريبة من قصر الإمام في صالة، وكانت زبانيته أو ما كان يعرف بالعكفة حينها يتعرفون على الداخلين والخارجين من وإلى تعز، فكلمت صاحب السيارة، فقال لي أكيد أنت هارب. قلت له نعم. أريد أن أسافر إلى عدن ومنها إلى القاهرة للتعليم، ومن حسن الحظ كان السائق شهما ووطنيا وفاهما، فقال لي: ما دام ستذهب تتعلم أبشر. فحجزت مقعدي، ووجهني بالنزول قبل “الخشبة” بمسافة وجيزة، ثم التسلل بين أشجار البستان المجاور إلى مسافة حددها لي بعد “الخشبة” وعلى أن أطلع السيارة من جهته هو. ففعلت ما رسمه لي تماما، واستطعت تجاوز هذه العقبة الكبيرة، ووصلت إلى عدن، فمكثت فيها أربعة أشهر. في مقر يضم بعضا من الطلاب على حساب بعض التجار الوطنيين، وكان لأخي عبد الكريم نفس الطموح والتطلع، وقد تبعني إلى عدن بشهر، ولكن بطريقة عادية، كنا نمتلك العديد من مزارع البن وبيع البن في أسواق عدن كان معهودا، فنزل في سيارة محملة بالبن من إب باتجاه تعز فعدن، وهناك التقينا، وتكونت مجموعة من الطلبة اسمها بعثة الاتحاد اليمني..

ــ خلال فترة بقائك في عدن هل كنت تمارس عملا ما؟

لم أمارس عملاً، غير أني تعلمت شيئا من الإنجليزية هناك، على يد أستاذ اسمه عبد الكريم الشيباني، لا أدري هل توفي أم لا يزال حياً، كان يأتي إلى الاتحاد يدرسنا ثم يعود. وقد بعنا البن أنا وأخي عبد الكريم الذي يصغرني بسنة واحدة وأشهر، وأرسلنا بقيمتها إلى عمي وأبقينا لنا
خمسين ريالا فقط!!

ــ كيف تم سفركم إلى القاهرة؟

لم يكن يوجد آنذاك جوازات، ولكن الاتحاد اليمني استطاع أن يستخرج لنا تصريحا بالدخول من وزارة الداخلية المصرية، فانطلقنا أنا وأخي عبد الكريم وبعض الطلبة، ووصلنا إلى هناك، واستقبلونا استقبالا جيداً، وكانت الثورة المصرية قد فتحت الدراسة في كلياتها لكل الطلبة العرب، وسهلت الإجراءات للطلبة الشرقيين بصورة أكثر فاستفدنا من هذه التسهيلات، واستطعت أن التحق بكلية دار العلوم في قسم الدراسات العربية بعد امتحان تحديد المستوى، فيما التحق عبد الكريم بمدرسة ثانوية..وكان هذا عام 1954م.

ــ من كان معكم من زملائكم اليمنيين في كلية دار العلوم؟

الدكتور محمد علي الشهاري المؤرخ اليمني المعروف، رحمه الله والذي اعتنق الأفكار الشيوعية بتطرف حاد، إلى حد أنه كان يحمل كتب لينين في جيوبه، وإذا ما دخل مع أحد في نقاش أخرج الكتاب من جيبه واستشهد بما يقول، وكان معنا أيضا الأستاذ أحمد الشجني رحمه الله.

ــ من تتذكر من أساتذتك الكبار حينها؟

أتذكر المحقق الكبير الأستاذ الدكتور عبد السلام هارون، وتمام حسان الذي درسني مادة الألسنية الحديثة والتي استفدت منها كثيرا، وعمر الدسوقي، واستفدت كثيرا أيضا من مادة تاريخ اليمن القديم التي كان مادة مقررة علينا في الكلية وكان يدرسها الدكتور إبراهيم نافع. وقد تفاجأ بي حين وجدني أقرأ النصوص المسندية القديمة وأعرفها جيدا وكان يثني علي كثيرا ودائما ما يناديني يا أستاذ. وكان من المواظبين على عمله ولم يتخلف يوما رغم سنه الكبير، وقد توفي رحمه الله في قاعة المحاضرة وهو يحاضرنا ذات يوم رحمه الله، وكان هنالك غير هؤلاء.

ــ من الذي تكفل بمصاريف الدراسة؟

أخي الأكبر فضل رحمه الله كان يرسل لنا في البداية مصاريف الدراسة إلى هناك، ثم بعد ذلك الدولة في السنتين الأخيرتين، وأذكر أني كنت أعيش بثلاثة جنيهات شهريا، طبعا كنا مقيمين في شقة مع مجموعة من الزملاء وعندنا طباخة ونتداول الطبخ فيما بيننا.

ــ إلى أي حد أثرت عليك القاهرة من الناحية الثقافية لاسيما وهي فترة اشتهرت بجدل ثقافي عميق جدا بين جيل الرواد؟

طبعا أثرت علينا كثيرا، وكنا نتابعهم متابعة دقيقة وجادة، في الصحف والمجلات وفي الراديو، تابعنا ترجمات علي أحمد باكثير وخاصة لأعمال شكسبير، وأيضا شعره، وكذا إبداعات العقاد وطه حسين وصلاح عبد الصبور، كما نشرت عددا من القصائد التي نظمتها حينها في مجلة الرسالة، وكان الجدال محتدما في الخمسينات بين الجديد والقديم، وبين الفن للفن، والفن للحياة، فاستفدت من ذلك كثيرا، وملت إلى التجديد، ونظمت شعرا حداثيا، ولكن ميولي مالت بي إلى شعر العامية.

ــ ما ذا عن العودة؟

بقيت بعد التخرج سنة في القاهرة لم أستطع الرجوع إلى اليمن نظرا لطبيعة الوضع السياسي الذي كان سائدا آنذاك، ولما عدت عملت في المدرسة الأحمدية بتعز مدرسا للغة العربية والتاريخ والإنجليزية، وكانوا يعتبرون أي متخرج من أي كلية عربية مجيدا للغة الإنجليزية. فتوفقت والحمدلله في تدريسها.

ــ نتوقف هنا لنعود إلى الشعر ورحابته ما ذا عن البدايات الأولى مع الشعر للأستاذ مطهر الإرياني؟

أولا ـ وكما تعرف ـ فإن البيئة التي نشأت فيها لأول مرة هي بيئة علمية وثقافية وأدبية، وكان نصيبها من قول الشعر جيدا، وكانت لنا مكتبة حافلة بالمؤلفات ودواوين الشعر، فإلى جانب الشعر العربي القديم الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي، استطاع الوالد رحمه الله أن يجلب إلى المكتبة بعضا من دواوين الرواد الأوائل في المدرسة التجديدية الشعرية في القاهرة كدواوين البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والعقاد وعلي محمود طه وغيرهم، وكنت أقرأ بشغف واهتمام بالغ هذه الدواوين التي أعجبنا بأشكالها الجذابة والأنيقة قبل إعجابنا بمضامينها، إلى حد أني كنت عندما أذهب لصيد الحجل والعُقب في الوديان أو الشعاب عندنا في إريان وما جاورها كنت أصطحب مثلا ديوان الشاعر علي محمود طه رحمه الله، لأقرأ فيه تحت ظل شجرة أو كهف حين أستريح من المشي، وقد بدأت أنظم الشعر وعمري أربعة عشر عاما..

ــ ذكر البردوني رحمه الله في كتابه “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه” أن علامة بلوغ الإرياني نظم الشعر…
(يضحك) الجو شاعري، وقد كانت البداية الأولى قصيدة أستعطف بها الإمام أحمد السماح لي بالسفر إلى القاهرة للدراسة، وفيها ما لا يعجبه مثل:

رجلي تشل إذا سرت لحقيرة ويدي إذا مدت لغير الصعود

وقد رفض ذلك موجها بالحفاظ على علم آبائنا وأجدادنا في إريان، ففيه الكفاية، وفيه الاستغناء عن العلوم الجديدة!!

ــ وأنت ابن البيئة الساحرة بجمالها الخلاب وخضرتها الزاهية هل لك من شعر عاطفي في مرحلة مبكرة من مشوارك الأدبي؟

بلى. وكأي شاب والحقيقة أنه من لم يحب بعاطفة جياشة في مرحلة الشباب فليس بإنسان سوي، وقد تأثرت كثيرا بشعر عباس بن الأحنف.

ــ هل نشرت قصائد معينة في تلك الفترة؟

نشرت قصيدة في جريدة النصر، وهي قصيدة أذكر منها هذا البيت الذي يحمل نزعة شاب طموح أغاضت الإمام أحمد إلى حد عتابه الشديد لرئيس تحرير صحيفة النصر، على نشره لها. كما كتبت ونشرت بعض قصائد في القاهرة في مجلة الرسالة أثناء الدراسة، وبعد أن عدت كتبت قصائد بالعامية وهي وسط بين الحميني والفصيح، غناها فنانو تلك المرحلة، مثل المرحوم علي السمة، والمرحوم علي الآنسي، وأيضا الفنان محمد الأخفش الذي انسجمنا معا وكدنا نمثل ثنائيا فنيا كأي ثنائي فني آخر، وكان يقول لي قصيدتك ملحنة في رأسي من قبل أن تأتي، ولي قصيدة شهيرة طارت شهرتها كثيرا هي “المجد والألم” نظمتها ردا على قصيدة نشرها الأخ أحمد محمد الشامي رحمه الله، عام 66م المحسوب حينها على التيار الإمامي وفيها أثار النزعات العرقية القديمة كالقيسية واليمانية، وقد أثار حفيظتي في ذلك حين يعمل على إحياء النزعات السلالية والعرقية بصورة مستفزة وأيضا يستعين بالفرس على العرب..