السلفيون وثورة التغيير في اليمن

  نادر العمري

يمر التيار السلفي هذه الأيام بحركة مراجعات فكرية وعملية بعد أن اهتز العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه بهتافات الجماهير المنادية بالعدالة وإسقاط الأنظمة الاستبدادية التي سدت أفق التغيير وتحسين أوضاع الحياة في وجه الأجيال الشابة المتطلعة إلى مستقبل مشرق كريم..

ولقد كان كثير من السلفيين مشغولين بمشاريعهم العلمية والدعوية والخيرية بعيداً عن أجواء السياسة وميادين الثورات؛ إلا ما كان من مشاريع سياسية سلفية ناجحة في بعض الدويلات الخليجية.. وقد بدأت حركة المراجعات السلفية من مصر، حيث أعلن عن عدة حركات سياسية ذات قاعدة سلفية.. ثم جاء الدور على اليمن بعد أن انتقل إليها أوار الثورة.. وخرج بعض الدعاة بمشاريع ورؤى تجديدية لا تخرج عن الإطار العقدي وثوابت الإسلام ومقاصده العظمى، وقد كانت هذه المشاريع مطروحة على طاولة البحث والتأمل منذ سنوات فوَّت فيها السلفيون فرصاً ذهبية، كان بإمكانهم فيها قيادة الشارع الذي خرج يبحث عن قيادات نظيفة تحمل قضيته وتطالب برد مظالمه. ومع إرهاصات الثورة الشعبية المباركة في اليمن بدأ أصحاب هذا الاتجاه يطرحون أفكارهم، وهذه خطوة متقدمة تحتاج إلى الإثراء الفكري والإنضاج العملي المستمر حتى يكتب لها النجاح والاكتمال.

إن ما يجري في داخل الجماعات السلفية اليوم هو حركة مراجعات في الفكر والعمل، لأن المنظومة الفكرية والدعوية التي سارت عليها الدعوة في السنوات الماضية منها ما هو توقيفي يدخل في أصل المنهج الإسلامي باعتباره من الجمل الثابتة في الدين، كقضايا التوحيد، والولاء والبراء، وفروض الإسلام، ونحوها.. ومنها ما هو اجتهادي مرحلي يتغير حسب الظروف والأحوال، كتأسيس الحركات أو التحالفات السياسية التي تحقق مصالح شرعية معتبرة أو تقلل من المفاسد. وإذا كان موقف أكثر الجماعات السلفية في اليمن هو تحريم المشاركة السياسية والعمل السياسي باعتباره ضربا من الخروج على ولاة الأمور.. فقد كان موقف بعض الجماعات السلفية الأخرى من الإعراض عن أي عمل سياسي ظاهر يعود لغياب رؤية وتأصيل والتباس في المسائل بين الثابت والمتغير والاجتهادي والتوقيفي، حتى جاءت التغييرات الواقعية في مسرح الحياة ما حتَّم على جميع الإسلاميين إعادة النظر في أولوياتهم وتعاطيهم مع الواقع الجديد.

وسيرة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- حافلة بالشواهد على انتقاله من مرحلة إلى أخرى، واغتنامه لكل فرصة كي ينتقل بالدعوة إلى مراحل جديدة، يفتح الله بها على المؤمنين الفتوحات العظمى، وتحالفه مع أطراف كثيرة إما لدفع أذاهم عن الإسلام والمسلمين، أو لتحقيق مصالح شرعية ما كانت لتتحقق لولا هذه التحالفات، وشهرة هذه الشواهد يغني عن إيرادها.

ورسول الله -عليه الصلاة والسلام- كان نبياً يأتيه وحي السماء، ولا ينطق عن الهوى، أما نحن اليوم فإنا بشر.. وكلٌّ يعمل للإسلام حسب اجتهاده وطاقته، وكل المشاريع الإسلامية المعاصرة، بما فيها العمل السلفي ما هو إلا جهد بشري قابل للمراجعة والتعديل والتطوير، والجمود على طريقة واحدة يؤدي إلى انسداد أفق التغيير، وإعادة إعمال وسائل تقليدية قد تجاوزتها عجلة سنة التغيير الربانية، التي تقتضي مواجهة كل خصم بسلاحه، ومخاطبة كل أحد بلغته التي يفهمها.

وهذه الثورة التجديدية تزامنت مع الثورة ضد النظم الاستبدادية القائمة لتعيد النظر في البرامج العملية وبعض الأفكار التي أثبتت التجارب خطأها، ولا تعني جحود الفضل لأهل الفضل، فكل إنسان له طاقته ورأيه، ولن تكون (المشيخية) عائقاً أمام الحركات التي تريد إحداث نقلة نوعية في الوعي والسلوك والفكر والعمل.. بل يبقى للمشايخ الرافضين للتغيير احترامهم ومكانتهم، ولكنه تقدير لا تقديس.

وأبرأُ مـن خرافاتٍ وزيغٍ ومن بدعٍ ومن أهل الجمودِ
ومن نُظُمٍ دخيلاتٍ أتت من حُثالات النصارى واليهودِ
أحلُّوها محـل الشرع حقداً على الإسلامِ.. يا ويل الحَقودِ

وهذا العمل التجديدي قد ينتج عنه شيء من الخلاف بين السلفيين، لكنه ليس الاختلاف الذي يؤدي إلى تغيير في المسار، أو يؤدي إلى الشقاق المذموم, لأن الخلاف في مسألة اجتهادية ما مع إدراك كل فريق أن الخلاف في القضايا الاجتهادية لا يفسد للود قضية، بل هو من باب اختلاف التنوع، فأي ضير من حصول هذا الخلاف؟.. فإن حصل تدابر وقطيعة فهناك خلل في (فقه الخلاف) عند هؤلاء المخالفين، والمشكلة عندهم في أصل التربية لا في حدوث الخلاف.

وإلى هذه اللحظة لم نر خلافاً وفُرقةً بل رأينا نضوجاً وتقارباً بين السلفيين، ولا أدلَّ على ذلك من ظهور كيانات تجتمع فيها عدة أطراف، مثل: رابطة النهضة والتغيير التي تضم شباباً من عدة أطياف، ومثل: هيئة علماء اليمن التي تضم طيفًا من العلماء من مختلف الجماعات، ورابطة علماء عدن التي تضم أعضاء من معظم مكونات العمل الإسلامي في عدن، وتكتل العلماء الأحرار في صنعاء.. والقادم خير بإذن الله.

لقد كانت الفُرقة والشقاق نتيجة حتمية لكل خطوة تجديدية عند السلفيين.. لكن ذلك في مرحلة قد انقضت.. يمكن وصفها بمرحلة الطفولة المبكرة التي يتقاطع فيها الأطفال من أجل لعبة من ورق، أما اليوم فقد شب ذلك الطفل عن الطوق، ونبذ الخلاف والوصاية عليه من أي جهة كانت.

دخول السلفيين في مشروع سياسي وما يترتب عليه:

ارتبط مفهوم المشروع السياسي بمفهوم الديمقراطية عند كثير من الإسلاميين مما جعلهم بين طرفي نقيض، الأول: رفض أي مشروع سياسي من منطلق أن الديمقراطية مذهب كفري دون تفريق بين مبادئ الديمقراطية وأدواتها, والثاني: سلك في العملية السياسية وفق القواعد الفلسفية للديمقراطية الغربية دون التفريق بين مفهوم منح السيادة للأمة في امتلاك حق التشريع من دون الله تعالى الذي يعد نوعا من أنواع الشرك الأكبر ومفهوم أحقية الأمة في امتلاك السلطة الذي يعد أصلا من أصول الحكم الإسلامي الراشد.

والواقع أن الخط الديمقراطي الحزبي لا يخلو سلوكه من حالتين:

الأولى: القبول بفكرة الديمقراطية ومنهجها وقواعدها الفلسفية التي تعطي الشعب حق التشريع مطلقاً، وهذا المسلك لا يقول به مسلم، ومن حسن الظن بالإخوة في حركة الإخوان المسلمين أن يؤول ما يصدر من بعضهم من كلام مجمل بأنه من قبيل الاستهلاك الإعلامي الخارجي، وإلا فقد قامت الحركة منذ مهدها على المطالبة بتحكيم الشريعة، ولم تتنازل عن هذا المطلب رسمياً إلى اليوم، ولو تنازلت عنه لكانت في عداد الحركات الجاهلية ولما استحقت وصف (الإسلامية).

والثانية: القبول بالآلية العملية التي انبثقت عن النظام الديمقراطي، من إعطاء الشعوب الحق في اختيار الحكام أو عزلهم أو اختيار ممثليهم في البرلمان عن طريق الانتخاب أو الاستفتاء، وفق أنظمة دقيقة مقننة، تمنع من الاستبداد السياسي، وتفصل بين السلطات، وتساعد على قيام دولة مؤسسات حديثة، وتحفظ الحريات العامة والخاصة.. لكن مع اعتقاد أن التشريع لله تعالى وتأكيد مرجعية الشريعة، وعدم قابلية هذا المبدأ للتبديل، وأن سلطة البرلمان محكومة بأن الشريعة الإسلامية هي مصدر جميع التشريعات، فإذا توفر هذا فما المانع الشرعي من القبول؟ سواء سميناها ديمقراطية أو شورى أو غير ذلك؟!

أما مع عدم وجود مرجعية الشريعة كما هو الحال في أكثر البلدان الإسلامية فقد يمثل وجود ديمقراطية حقيقية -ولو مع تبديل للشريعة- معبراً للإسلاميين إلى المشاركة الفاعلة في التأثير وصنع القرار عن طريق دخول البرلمانات.. ولا يخفى أن للعلماء المعاصرين قولين بالجواز وعدمه في هذه المسألة، والجمهور على القول بالجواز إن رجحت مصلحة المشاركة، وكثير من القائلين بالتحريم يعتبرون المسألة اجتهادية لا يضلَّل فيها المخالف.

ثم يقال للمنكرين على المشروع السياسي السلفي بحجة أنها ستعمل في وضع جاهلي يحكمه قانون أحزاب غير شرعي: ما رأيكم لو تحولت تلك الجهود السلفية إلى (حركات سياسية) غير متقيدة بقانون الأحزاب، ولا ملتزمة بالمناهج الجاهلية، ولكنها تهدف لنشر الوعي السياسي الصحيح بين شباب الأمة عموماً والسلفيين خصوصاً، وتشارك بما تستطيع من جهد في ثورة سلمية لإسقاط نظام جاهلي مستبد، لا لتحل هي محله، ولكن لتحل محله دولة مؤسسات حديثة تساهم هذه الحركات في بنائها والسعي بقدر الاستطاعة لتكون مرجعيتها الدستورية على الشريعة الإسلامية.. وسلكت في سبيل ذلك أعمالاً لا تعدو كونها من المسائل الاجتهادية التي لا تمس العقائد ولا ثوابت الدين؟ هل ستكون بهذا التوصيف مخالفة لمنهج الأنبياء.. ومخالفة منهج الأنبياء هو الضلال المبين سواء وقعت المخالفة من فرد أو جماعة؟

وقد يظهر اليوم من بين السلفيين من يكرر كلاماً قديماً قيل قبل عقدين من الزمان, ودارت حوله معارك كلامية طويلة بين السلفيين أنفسهم، وهو القول بأن دخول معترك السياسة يشغل السلفيين عن الاهتمام بالعلم والدعوة والتربية، وهي أولى الأولويات عندهم، ويحسنون منها ما لا يحسنه غيرهم.. فالأولى إغلاق باب السياسة، فإن وصل إلى الحكم فصيل إسلامي آخر سمعنا له وأطعنا، وإن وصل حزب غير إسلامي صبرنا عليه ولم نصطدم معه حتى يأتي الفرج هبة من الله دون أن نتكلف له الأسباب، وهذا الكلام ما هو إلا حيلة هروبية من ضعف التعاطي مع الحياة السياسية بتعقيداتها المعاصرة، وفي حال تبني الاتجاه السلفي اليوم لهذا الطرح فإنه سيحكم على نفسه بالعزلة عن التأثير في الجيل الجديد الذي انفتحت عليه أبواب ثقافات المشرق والمغرب.. وكثير من شباب الأمة الصاعد يملكون طاقات عظيمة قابلة للتوظيف والتطوير في السياسة والإدارة والإعلام والعمل المجتمعي، فهل الحل أن نعطلها ونلزم الجميع أن يشتغلوا بالدعوة والعمل الخيري والتعليم؟! أم أن هؤلاء سيبحثون عن البديل عند غيرنا وهو متوفر؟!

ولماذا نتعامل مع كل مشروع سياسي إسلامي بريبة وحذر؟ لماذا لا نعمل في ظل مناخ جديد زال فيه الطغيان والاستبداد، ثم يأتي اليوم الذي يقيِّم فيه العاملون تجربتهم العملية ويحكمون عليها بأنفسهم.

العلاقة بحركة الإخوان المسلمين:

إننا اليوم مدعوون أكثر من أي وقت مضى لردم الفجوات التاريخية التي ورثناها من تراث عصور الجمود المذهبي والانحطاط، والتقارب مع جميع أهل السنة بالمفهوم العام، في جبهة واحدة لردع الكفر الذي يريد أن يستأصل شأفة الإسلام. والحوار وحده بعد نبذ التعصب هو الذي سيقودنا إلى أن نفهم الآخرين، وأن يفهمنا الآخرون. وعلينا التفريق بين مقام البناء التربوي للأفراد ومقام التجبيه العام؛ ففي مقام التجبيه العام ليس مناسبًا إعلان المعارك الضارية مع الأشاعرة والزيدية والفرق الإسلامية الأخرى.. وليحصر حينئذ الكلام عن هذه الفرق في مقام التربية الخاصة وفي مقاعد الدرس العلمي.. فإننا إن وضعنا أيدينا بأيديهم لتحقيق مقاصد كبرى للأمة لن نهزم من قلة بإذن الله تعالى.

ومن باب أولى مد الجسور مع جماعة إسلامية عريقة كالإخوان لتحقيق مصالح عليا للأمة! والأولى منه أن يقوم علماء فضلاء من رموز الدعوة السلفية في اليمن اليوم بواجبهم الشرعي في التنسيق بين علماء اليمن بمن فيهم علماء الإخوان وغيرهم، والسعي لجمع كلمتهم وتوثيق الصلة بهم، لاسيما في ظل الأوضاع الراهنة.. ولا يعد ذلك قبولاً من السلفيين بمشروع الإخوان، إنما يقصد به جوانبه الإيجابية -وهي الأصل والأكثر، وتلك منقبة لهؤلاء السلفيين، وانفتاح محمود يحقق مقاصد الشرع في التآخي وتحقيق مفهوم الأمة الواحدة، وسعي للتكامل والتعاون على البر والتقوى.. ولله در القائل:

وعيَّرني الواشون أني أحبُّها وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها

الخطاب السياسي:

يحارب بعض السلفيين الدعوة إلى إقامة الأنظمة التي تقوم على التداول السلمي للسلطة، وتحدد فيها صلاحيات الحاكم ومهامه، ويفصل فيها بين السلطات، والقول بإطلاق دون تفصيل أن ذلك يتعارض مع نظام الحكم في الإسلام.

ويكمن الخلل في هذا الخطاب في عدم قدرة هؤلاء على تقديم تصور تفصيلي لطبيعة الحكم في الإسلام, أو بمعنى آخر ضعفهم العلمي في تأصيل الخطاب السياسي الإسلامي والغفلة عن دراسة الخطاب السياسي الراشدي ونظام (الخلافة الراشدة) الذي يعطي الأمة الحق في اختيار حكامها ومحاسبتهم وعزلهم( )؟ والانكفاء على ما نصَّت عليه كتب (الأحكام السلطانية) حينما تبنت (الخطاب السلطاني المؤول)، وظهرت بدعة (انعقاد الإمامة بالتغلب والوراثة)، ووصل الحال بكثير من الفقهاء المتأخرين إلى دعوى الإجماع على تحريم الخروج على الحكام الظلمة، مع أنه لم يخلُ جيل من أجيال السلف الصالح من ثورة مسلحة يقودها خيار الأمة. فقد كان الحسين بن علي -رضي الله عنهما- خير أهل زمانه يوم خرج على يزيد، وكان ابن الزبير من خير أهل زمانه يوم بويع بالخلافة، وأعلن أن الخلافة ليست إرثاً أموياً.. وقل هذا في حق أهل الحرَّة، وأصحاب ابن الأشعث، وزيد بن علي وأصحابه، ومحمد بن الحسن النفس الزكية وأخيه إبراهيم وأصحابهما، وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهم (رحمة الله عليهم أجمعين).. وهذه المسألة من أهم المسائل وأخطرها وأولاها بالبحث والمراجعة من السلفيين، ويتميز بها الخطاب السياسي الإسلامي المنزل من السماء وكان تطبيقه عملياً في عهد الخلفاء الراشدين، من الخطاب السلطاني المؤوَّل الذي قرره متأخرو الفقهاء انهزامًا أمام الأمر الواقع بعد استبداد بني أمية، ومن ورائهم بنو العباس بالخلافة، وتحويلها إلى ملك جبري وراثي يقوم على الاستبداد والظلم وسفك دماء المسلمين، والتلاعب ببيت مالهم.. ووصولاً اليوم إلى الخطاب السلطاني المبدَّل الذي صحح فيه بعض المحسوبين على العلم والفقه التحاكم إلى القوانين الوضعية، وزعموا أن أصول الحكم في الإسلام بشرية.. وأن الإسلام دين لا دولة… زعموا!

إن التجديد الذي نعنيه اليوم هو العمل على إحياء ما اندرس من أصول وقواعد الخطاب السياسي الراشدي، وكشف زيوف الخطاب السلطاني المؤول الذي يريد بعض الإسلاميين التمسك به في مواجهة الخطاب العلماني المبدل, مما اضعف الخطاب السياسي الإسلامي وأظهره بمظهر المدافع عن الاستبداد والطغيان..

لقد ترسخت قواعد الخطاب السلطاني المؤول في الأمة منذ قرون طويلة وعكست نفسها على الخطاب السلفي المعاصر إلى حد القول: إن الحل السلفي لقضية العلاقة مع الحاكم يحصر في السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر أهله، مهما كان ظلمهم واستبدادهم وطغيانهم، وحصر الإنكار عليهم بحالة واحدة هي ظهور الكفر البواح وبوسيلة وحيدة هي المنابذة بالسلاح.

وهذا النوع من الخطاب هو الذي أوجد في الصحوة الإسلامية تيارين متطرفين: تيار السلبية السياسية والجمود الحركي، وتيار الغلو والعنف المسلح.

ثم إن هذا التقعيد فيه اجتزاء النصوص وتنزيلها في غير مواضعها على خلاف منهج السلف في الاستدلال، فحصر المنابذة بالسيف وبالكفر البواح فيه إهمال لمجموع الأدلة الدالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على الظالمين وأئمة الجور, ثم من هم (أهل الأمر) الذين أمرنا نبينا -عليه الصلاة والسلام- أن لا ننابذهم؟ هل هم أئمة هدىً تختارهم الأمة وتلتف عليهم ليذودوا عن حياض الدين ويسوسوا الدنيا بالشرع، والأمة هي من يقوم اعوجاجهم؟.. أم أئمة جورٍ وصلوا إلى الحكم بالتغلب أو الوراثة وإن كان من أظلم الظلمة وأفسق الفاسقين كما حدث في عهد بني أمية وبني العباس والمماليك والعثمانيين؟ ثم إن “المقصود بالأمر هنا الإمارة والإمامة والخلافة، وقد أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- في بيعة الأنصار له تأكيد مبدأ أن شأن الإمارة ليس بالمنازعة، ولا بالمغالبة، ولا بالتوارث، كما هو شأن الملوك والأمم في جاهليتها، بل الأمر شورى بين المؤمنين يشترك فيه القوي والضعيف، والسوقة والشريف، والغني والفقير، والكبير والصغير، والرجل والمرأة، كما قال تعالى: ((وأمرهم شورى بينهم))؛ وأما القول: (أن لا ننازع الأمر أهله)، فالمقصود بأهله هنا هم المؤمنون كافة، فلا يفتئت عليهم أحد في هذا الأمر ابتداء، ولا ينازع من اختاروه انتهاء، فكما لا يغصبهم أحد حقهم في اختيار من يرونه أهلاً للإمامة، كذلك لا يحل منازعة من اختاروه بعد الشورى عن رضا بلا إكراه، ويحرم الخروج عليه ومنازعته الأمر الذي ولته الأمة إياه”.( )

المشاركة في الثورة الشعبية والاعتصام في الساحات:

النزول إلى ساحات الاعتصام والتغيير والمشاركة في الثورة الشعبية الشبابية المباركة ليست رأياً شاذاً، ولا حماسة عابرة، إنما هو رأي تواطأت عليه عدة هيئات علمية معتبرة، أبرزها في اليمن: هيئة علماء اليمن، ورابطة علماء عدن وحضرموت ودعاتهما، وأفتى به قبل ذلك عامة علماء العالم الإسلامي أفراداً وهيئات.. وكتب كثيرون في التأصيل الشرعي لهذه الثورات بما يجلي أمرها..

وليست هذه الثورة خاصة بأحزاب معينة كما يعتقد بعض المشايخ!.. ولكنها ثورة شعبية تشترك فيها سائر فئات الشعب، ومن المحزن أن يردد هؤلاء المشايخ ما يقوله النظام المتهاوي من نسبة الثورة إلى (أحزاب اللقاء المشترك) بينما هذه الأحزاب لا يستحقون فضيلتها، لأنهم لم ينضموا إليها إلا متأخرين، وخرجوا منها مبكرين بعد قبولهم بالمبادرة الخليجية الهادفة إلى إسعاف النظام لا إسقاطه.

لقد كان التيار الشبابي السلفي ينتظرون من مشايخهم أن يعلنوا وقوفهم مع الحق، وأن يلتحقوا في مقدمة الركب بساحات الاعتصام.. ويعلنوا كفرهم بنظام طاغٍ ظلم شعباً عشرات السنين.. ولكن يبدو أن بعض هؤلاء المشايخ لم يستوعبوا الأمر، وفوجئ الشباب بمشايخهم هؤلاء يخرجون بخطاب انهزامي ضعيف.. والأدهى والأمر أن نسمع اليوم منهم طرحاً مضاداً للثورة الشعبية التي سقط فيها المئات من الشهداء!. وأن نقرأ لهم مدحاً للنظام وسعياً إلى ترميمه من الداخل بالتوفيق بين فرقاء (الأسرة الحاكمة)! لأن اليمنيين “عاشوا تحت حكمهم في أمان لم يسبق له مثيل في الأزمنة المتأخرة من الشغب والمشاكل”!.. والواقع أن هؤلاء المشايخ بطرحهم هذا لن يوقفوا زحف الثورة، ولكن سيفقدون كثيراً من مناصريهم.. وسينفضون عنهم إلى جماعات أخرى.. فإن أرادوا حماية الدعوة السلفية، والحفاظ على أنصارهم وتلاميذهم فليتقدموهم إلى ركب الثورة السلمية على الطغاة والطغيان بدلاً من أن يقعدوا يبررون للهزيمة، ويعتبرون النصر هبة لا أثر فيها للأسباب.

وما قامت به حركة النهضة للتغيير السلمي في عدن، أو رابطة شباب النهضة والتغيير في صنعاء منسجم تماماً مع هذا الموقف، وليس عيباً ولا انحرافاً عن منهج السلف أن يعبروا عن رغبتهم المشروعة في التغيير والتجديد، ولا اعترافاً بالنظم الجاهلية المعاصرة كالديمقراطية أن يخرجوا بعمل سياسي منظَّم له برنامج سياسي واضح، ولا ندري هل يعيب الناقدون على السلفيين إعلان رابطة أو حركة سياسية من باب أن السياسة محرمة على السلفيين مطلقاً حتى تأتينا دولة الإسلام منحة ربانية ونحن قاعدون في المساجد والمراكز نعلم ونربي فحسب.. دون مغالبة ولا مدافعة ولا مجاهدة؟! أم يعيبون عليهم مشاركتهم في الثورة الشعبية السلمية؟ أم دعوتهم إلى التجديد فيما يقبل التجديد؟ أم كل ذلك!.. وعلى كل حال وأياً كانت الإجابة منهم، فلا عار أن تكون للسلفيين رابطة أو حركة سياسية تغييرية تجديدية ثورية على الظلم والاستبداد والطغيان برؤية إسلامية سلفية راشدة.

ومن العجيب أن يعتبر بعض المشايخ الأفاضل المواجهة السلمية للنظام خطراً! إذن كيف نغيره؟ وهل الحل أن يبقى جاثماً على صدورنا إلى الأبد؟! وهل الخطر على النظام؟ أم على الدعوة وقد تكفل الله تعالى بنصرة من ينصره؟ أم على هؤلاء الشباب؟ والأعمار بيد الله تعالى، ومعلوم أن “أكثر من وقع في الثورة من الضحايا هم من المتظاهرين سلميًا على يد رجال السلطة ظلمًا وعدوانًا، فالمتظاهرون معتدى عليهم، والسلطة هي التي اعتدت، وقد قال تعالى: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم))، والمقتول في مثل هذه الحال شهيد، كما في الحديث الصحيح (مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونْ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)، (من قاتلَ دونَ حقهِ فقُتل فهو شهيد) و(من قاتلَ دونَ عِرضهِ فقُتل فهو شهيد)…الخ.

إن من توفيق الله تعالى لهؤلاء الشباب أنهم خرجوا ليلتحقوا بركب الثورة السلمية المباركة ليجمعوا بين القول في عدم الولاء للأنظمة المبدلة لشرع الله والفعل بالتظاهر والاعتصام والمساهمة في زعزعة بنيانه المتصدع.. فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوفٌ يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) أخرجه مسلم وغيره.

ولعمري! ما من فئة ينطبق عليها الوصف في هذا الحديث اليوم من سلاطين الجور والتبديل، وفقهاء السوء والتعطيل.. وما من جهاد أولى من جهاد هاتين الطائفتين.

فإن قيل للشباب الثائر: كيف تشاركون في الاعتصام داخل الساحات، مع أن فيها منكرات شرعية من أغانٍ ثورية، ورفع لصور بعض رموز الماركسية والقومية، وغير ذلك؟! فالجواب: أن مجرد اشتعال ثورة لإسقاط نظام مستبد أعظم مصلحة من كل المفاسد العارضة التي يذكرونها لكم.. ولو كان هؤلاء المشايخ يريدون ساحة خالية من المنكرات لكانوا هم في المقدمة يقودون الثورة ويوجهونها، لا أن تتقدم النساء والشباب ويبقى العلماء في مؤخرة الركب.

وأقل الأحوال الآن أن يسكت هؤلاء المشايخ لأن مجرد التثبيط والتخذيل عن المشاركة في الثورة السلمية مؤازرة غير مباشرة للنظام لأنه يستمد عناصر قوته وبقائه من مثل هذه المواقف.

وبعض المشايخ يحاول أن يبرر عدم المشاركة في الثورة بحجة: إن سعي العلماء لإسقاط النظام يدخل في المطامع السياسية التي لا تليق بهم، لأنهم يسقطونه ليحلوا محله(!)

فجوابه: إن كان النظام الذي يسعون لإسقاطه مستبداً ظالماً، أو مبدلاً لشريعة الله فسعيهم لإسقاطه من أعظم الجهاد في سبيل الله، وقد أثبتت التجربة التونسية والمصرية أن الشعب بجميع قواه وفئاته قادر -بإذن الله- على التغيير.. ومجرد إسقاط نظام غاشم مكسب عظيم، وإن لم يترتب عليه قيام دولة إسلامية.. فأحياناً تكون الحرية والكرامة لذاتها مطلباً عزيز الوجود. وهل إسقاط الأنظمة المستبدة اليوم إلا مصلحة عظمى لا تقاس به المصالح الجزئية التي تتحقق بخطبة هنا، أو محاضرة هناك؟.. إنه تغيير لخارطة التاريخ في أمة استعبدها المستبدون قروناً من الزمان وبدأت اليوم تستيقظ، وقريباً ستكون إفاقة العملاق، وبداية عصر إسلامي راشدي جديد بإذن الله. والصراع مع الأنظمة الجاهلية ضرورة من ضرورات منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله.. ونحمد الله تعالى أن الأمة اليوم اهتدت إلى وسيلة الخروج السلمي الذي يربك الطغاة ويغير الموازين.

يقول الدكتور عبدالعزيز العبداللطيف في مقال بعنوان: (تهافت الفراعنة): “ومهما يكن السيل جارفاً وهادراً، فما دام أن بغيته الإصلاح واجتثاث الفساد، فلابد من البدار في مثل هذه الأحداث قبل فوات الأوان، وكما قيل: الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود؛ وإن على الإسلاميين أن يبذلوا قصارى جهدهم في تصحيح مسار هذه الاحتجاجات وتعديل وجهتها وفق الأحكام الشرعية والمصالح المرعية.. كما لا يسوغ لبعض المنتسبين للعلم والدعوة أن يؤثروا الاختفاء، ويصمتوا عن واجب البلاغ المبين، والاحتساب في هذه الوقائع، فليس لهم أن يتنصلوا عن مدافعة الظلم وإقامة العدل والتعاون مع الأحرار على البر والتقوى.. وأسوأ من ذلك أن يتلفّع أولئك باعتزال الفتن ما ظهر منها وما بطن!

وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوف الفتنة من أدواء النفاق قديماً وحديثاً، وتلوث به بعض المتديِّنة في الماضي والحاضر.. وهذا ما كشفه ابن تيمية بقوله: ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة.

كما قال تعالى عن المنافقين: ((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ))، التوبة: 49. وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي – صلى الله عليه وسلم- بالتجهز لغزو الروم.. فقال: يا رسول الله إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر فائذن لي ولا تفتني. فأنزل الله فيه ((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَـمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ))، التوبة: 49. يقول: إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوصه عنه الذي زيّن له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه، بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟

وهذه حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين لله وتكون به كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها.

إن أحداث تونس ومصر كشفت عن أزمة في فقه السياسة الشرعية لدى فئام من إخواننا السلفيين، فهناك من هالة تتابع الخطوب وعجلة الأحداث، فآثر الصمت والعي، واستروح إلى السلبية والعجز، متدثراً بالرزانة والوقار ومجانبة الغوغاء والدهماء! ورحم الله الإمام الشعبي إذ يقول: نعم الشيء الغَوغاء، يسدّون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السّوء.

وأشنع من ذلك أن يدّعي بعضهم أن هذه المظاهرات والاحتجاجات خروج على الإمام! فأين تذهب عقول هؤلاء! فهل ثبتت شرعية هذه الأنظمة العلمانية -التي تجاهر بمنابذة الشرع المنزّل في قوانينها وواقعها- حتى يقال بالخروج عليها؟!

ورضي الله عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب القائل: لابد للناس من إمارة برّة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البّرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء.

فانظر -رحمك الله- هل تحسّ بهذه الولاية الفاجرة في نظام تونس ومصر ونظائرها؟!

وكما قال ابن تيمية: وجماع السياسة العادلة في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل.

وهذه الأنظمة المذكورة وأشباهها قائمة على الخيانات والظلم والاستبداد.

ثم إن الخروج يكون بالسيف، وهذه المظاهرات والاحتجاجات قد جانبت القوة والسلاح، على عكس هذه الأنظمة البربرية التي لا تفهم إلا السحق والقمع، وأيضاً فإن هذه المظاهرات مطالبة بإقامة العدل وأداء الأمانات إلى أهلها، ومحاسبة اللصوص الكبار.. بل قد يتحقق لهم جملة من هذه المطالب -كما هو واقع مشاهد- وإن اكتنف هذه التجمعات بعض المفاسد والشرور، فإن مصالحها تربو على مفاسدها، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

وفي التاريخ وقائع متعددة من هذا القبيل، ومن ذلك أن في سنة 308هـ ارتفع الغلاء والمكوس في بغداد، فاضطربت العامة لذلك، وأوقعوا شغباً.. وعندئذ أزيلت المكوس وهبطت الأسعار..

والحاصل: أن على إخواننا السلفيين أن يراجعوا مواقفهم تجاه الأنظمة وبنظرة شمولية فاحصة، متحرين الفقه والدليل، والدراية بالواقع والحال، فكما يُتقى التهور وقمع السلطان، فكذلك يُتقى الركون للظالمين أو الذبّ عن الخائنين بلسان الحال أو لسان المقال والله المستعان”، انتهى نقلاً عن موقع المسلم.

فإن قيل بعد هذا كله: لماذا لا نتربص بهذه الأمة الأقدار والمنون؟ وأن نعتبر بالقدرة الإلهية حيث قلبت حسابات الظالمين في مصر وتونس بين عشية وضحاها بما لو عمل على حصول ذلك أي فصيل إسلامي عشرات السنين لما كان التمكين بتلك السرعة.

فجوابه: هل هذه جبرية جديدة؟! فإنه لا يشك مؤمن بقدرة الملك الجبار -سبحانه وتعالى، فهو الذي يصرف الأمور.. لكن الله تعالى يقدَّر أقداراً يكون قضاؤها على أيدي عباده كما قال سبحانهـ: ((فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد))، ولو أن تحقيق النصر يأتي بمحض انتظار المنحة الربانية دون جهاد ومغالبة لما شرع الجهاد في سبيل الله.. وقد جعل الله سقوط الأنظمة الطاغوتية في تونس ومصر بعد ثورة شعبية وجهاد سلمي سقط فيه مئات الشهداء.. ولولا أن الله تعالى وفق بعض مشايخ السلفية في مصر للانضمام إلى ركب الثورة ولو متأخرين لكان تخاذلهم عن نصرة إخوانهم عاراً عليهم وليس منحة يستثمرونها على حساب دماء غيرهم من أبناء أمتهم.

الثورة اليمنية ضرورة واقعية:

التركيبة الاجتماعية فرضت نفسها على الواقع السياسي في شمال اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، حيث إن القبائل في الشمال عقبة أمام أي عملية تغيير إيجابية أو سلبية.. فمن الصعب قيام دولة مؤسسات إسلامية أو علمانية مع تحكُّم القبائل وتمسكها بالسلطة، والعجيب الفريد عالمياً أن يكون على رأس الأحزاب القومية والماركسية في الشمال خلال فترة الصراع السياسي قبل الوحدة رموز قبلية!

وأنقل هنا مقتطفات من مقال كتبته قبل ثلاثة أشهر تقريباً بعنوان: (اليمن وطوفان التغيير) لخصت فيه الواقع اليمني حسب قراءتي الشخصية: “وهنا يأتي السؤال هل يمكن لليمنيين أن يغيروا؟ وما هي المعوقات التي تعترض طريق التغيير؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أولاً أن نعي أن النظام الحاكم في اليمن الشمالي سابقاً يتكون من قوتين تقليديتين رئيسيتين هما (القبيلة والجيش)، ثم هناك جماعة الإخوان المسلمين التي جاءت لتتحالف مع هذه التركيبة التقليدية للنظام في سبيل دفع حركة المد القومي واليساري آنذاك إلى حد أن صارت هي الأخرى جزءا أصيلاً منه.

وبعد إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م، شكلت هذه القوى مجتمعة تحالفًا لفرض نظام (الجمهورية العربية اليمنية) على الدولة الوليدة.. وتكلَّل ذلك التحالف والحراك السياسي بالقضاء على الشريك الجنوبي في حرب صيف 1994م.

بعد هذا التاريخ اتجه رأس النظام إلى تضييق دائرة تحالفاته وإعادة بناء نظامه السياسي على مقاسه الخاص.. فتحول من القبيلة إلى (الأسرة)، وأنشأ بدلاً من الجيش التقليدي (جيوشاً خاصة) و(وحدات عسكرية وأمنية) تحت قيادة أسرية، وقلب ظهر المجن لحلفائه الإسلاميين الذين صنعوا له وأهدوه انتصار سنة 1994م، ليجدوا أنفسهم في الشارع بعيداً عن اللعبة! واستبدلهم بجماعات من المنتفعين تحت مظلة (المؤتمر الشعبي العام).

هنا انتقلت الموالاة إلى المعارضة.. وبرزت رموز قبلية تدعوا إلى التغيير.. وانتقل الإسلاميون في (التجمع اليمني للإصلاح) إلى المعارضة يمدون اليد إلى أعداء الأمس من الناصريين والاشتراكيين بعد أن كسرت شوكتهم وصاروا أحزاباً هامشية لا شعبية لها.

واستطاع هذا التحالف المعارض أن يرسل رسالة مزعجة للرئيس وحزبه الحاكم في الانتخابات الرئاسية عام 2006م.. ثم شهدت الحياة السياسية في اليمن خلال السنوات الأخيرة أزماتٍ وآلاماً حادة لم يتعاطَ معها النظام الحاكم ولا أحزاب المعارضة بالشكل الصحيح، وحاول كلٌّ من جهته أن يستفيد منها لإحراق الآخر مما أدى إلى تعميق هذه الأزمات، وأبرز هذه الأزمات: (تمرد الحوثي)، و(نشاط تنظيم القاعدة)، و(الأزمة الاقتصادية) وما تحمله من فقر وبطالة وفساد.. وأخطر هذه الأزمات: (القضية الجنوبية) وما تحمله من استحقاقات شرعية، وما تتمتع به من انتشار جماهيري، مع سياسة القمع والتجاهل والتعتيم التي يمارسها النظام تجاهها, والتعاطي البارد من أحزاب المعارضة معها.

كل هذا العرض السريع يوصلنا إلى طرح السؤال التالي: أين اليمن الآن من طوفان التغيير العربي؟

… (اليمن) بحاجة ماسة إلى (التغيير).. ولكن هناك (معوقات للتغيير المنشود) فهل يستطيع اليمنيون تجاوزها …ومن أبرز هذه المعوقات: تسييس عملية التغيير في اليمن، وبقاؤها رهن إرادة (أحزاب المعارضة) أضعف مصداقيتها شعبياً، فصار المواطن العادي ينظر إليها على أنها من باب (المكايدات السياسية) و(الحرب الإعلامية) بين النخب السياسية، وأنهم في النهاية يتفقون عندما تتقاطع مصالحهم.. وعندما تندلع انتفاضة شعبية هنا أو هناك يسارع السياسيون من أحزاب المعارضة الرسمية إلى ركوب موجتها ومحاولة توجيهها نحو الإطار التقليدي الذي أتقن النظام الحاكم التعامل معه..”. انتهى.

ولعل الثورة الشعبية اليوم قد تجاوزت هذه المشكلة بتجاوزها لأحزاب اللقاء المشترك، وتذويب الفوارق القبلية والمناطقية.. وانطلاقها من قاعدة شعبية بعيدة عن الأحزاب السياسية، وبطريقة سلمية راقية.

إن إحداث عملية التغيير في اليمن يستدعي تغيير مراكز القوى و”إقامة يمن جديد تصبح فيه القبيلة مكوناً اجتماعياً فحسب، والجيش مؤسسة وطنية للدفاع عن الوطن، والقضاء سلطة مستقلة، والقادة العسكريون حماة للوطن، وليسوا سلطان حكم. ولن يتحقق ذلك إلا ببناء دولة مؤسسية حديثة، في ظل حكم عادل ينطلق من ثوابت الإسلام وتتحقق في ظله العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية والشراكة الوطنية الحقيقية”.

ويقول بعض المعارضين للثورة: إن الحل البديل لأزمات اليمن يكون بتشكيل مجلس من (أهل الحل والعقد) يبقى هذا المجلس في حالة انعقاد مستمرة يدرس كيف تجري الأمور ويراقب مدى مصداقية الحاكم في الوفاء للأمة بما التزم به من تطبيق الدين…الخ.

فالجواب: لماذا لا يتفضل هؤلاء المعارضون الأفاضل بالمبادرة بهذا الحل إن كانوا يرونه ممكناً؟, أم أنه مجرد كلام نظري وحيلة هروبية! أما إن كان هذا المجلس سيشكل في ظل النظام الحالي، فأبشر بطول سلامة يا مِرْبع.. ومتى كان هذا النظام ورئيسه يسمع نصيحة أحد؟ أو يضع اعتباراً ووزناً للعلماء؟! وهل يزيد في لقاءاته بالعلماء غير أن يضحك عليهم ويستخف بهم؟ ثم إن تشكَّل هذا المجلس واكتشف عدم مصداقية الرئيس، فماذا سيفعل معه؟ هل سيخلعه؟ وكيف؟ أم سيسكت عليه ويمنع الشعب من الثورة عليه؟.. ومتى كان لمجالس (أهل الحل والعقد) من سلطة أو أثر على الحاكم منذ أن ابتدعها العباسيون لإضفاء الشرعية على استبدادهم إلى اليوم؟

تحرير مصطلحات سياسية شائعة:

أختم مقالتي هذه ببيان بعض المصطلحات السياسية التي ترد في بعض البيانات، وتوجه إليها سهام النقد أحياناً بحملها على محامل سيئة غير مقصودة من قائلي هذه المصطلحات.

مد الجسور:

عبارة (مد الجسور) من العبارات المجملة المحتملة للخطأ والصواب، ولا يطلق عليها حكم حتى يتبين المقصود منها، فإن كان المقصود بها التنازل عن الثوابت الشرعية، والالتقاء مع المناهج الجاهلية في منتصف الطريق، فهذا من الباطل الذي يتبرأ منه المسلم.. وإن كان المقصود بها الحوار مع المخالفين بالتي هي أحسن، والبر مع غير المحاربين منهم، والتحالف ضد عدو مشترك لرفع الظلم، أو تحقيق مصلحة راجحة أو نحو ذلك، فهذا معنىً حق لا ينبغي إنكاره، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أنَّ لي به حمر النعم، ولو دُعيتُ إليه اليوم في الإسلام لأجبتُ) رواه أحمد والبيهقي، وصححه ابن الملقن والألباني وغيرهما.

الدولة المدنية:

مصطلح (الدولة المدنية) إن كان المراد به دولة المؤسسات التي يتعامل أفرادها على أسس العدالة، ويختارون حاكمهم بإرادتهم، ويشاركون في عملية الحكم، ولا يستقوي فيها القوي على الضعيف فهذا حق، وهي بمعنى: (الدولة الراشدة) في الإسلام، وقد كان المسلمون مجتمعاً مدنياً بامتياز في (المرحلة المدنية) وفي (عهد الخلافة الراشدة). وهل كانت بيعة العقبة إلا عقداً اجتماعياً انبثقت عنها (صحيفة المدينة) بمثابة دستور مدني راقٍ.. وهذا المعنى للدولة المدنية هو الذي يريده الإسلاميون في بياناتهم الداعية إلى (دولة مدنية) لأنهم يواجهون نظاماً استبدادياً لا دين له ولا خُلُق.. والمجتمع اليمني مسلم محافظ بالأصالة.

وإن كان المقصود (الدولة اللادينية) فهذا مفهوم جاهلي غربي مرفوض جملة وتفصيلاً.. وشباب التغيير من الإسلاميين إن دعوا إلى الدولة المدنية فإنما يقصدون المعنى الأول.

المواطنة:

مصطلح معاصر يقصد به حق العيش على أرض ما، مع تساويهم في الحقوق دون تمييز أو ظلم.. وهذا المعنى حق في الجملة تدل عليه صحيفة المدينة التي قررت حق كل من يعيش على أرض المدينة من الأنصار أو المهاجرين، أو يهود المدينة، أو الموالي في كافة الحقوق دون تمييز أو ظلم، فالكل أمة واحدة، وذمتهم واحدة، يسعى بها أدناهم، وللمؤمنين دينهم، ولليهود دينهم، يتعاونون على البر بلا ظلم أو إثم أو عدوان، ويشتركون جميعاً في حماية المدينة والدفاع عنها، كما يحتكمون إلى سلطة واحدة عليا ارتضتها الأغلبية المؤمنة، وتتمثل بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإلى مرجعية تشريعية تتمثل بالكتاب والسنة. (تحرير الإنسان وتجريد الطغيان للمطيري ص192).

الحرية:

الحرية مصطلح شرعي ورد في نصوص كثيرة من القرآن والسنة وكلام السلف، وله معان شرعية منها:

1) الحرية المعنوية، بالعبودية لله -عز وجل- وحده لا شريك له، قال تعالى: ((ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله))، وهي أساس الحريات كلها.

2) الحرية الصورية، بالتخلص من الرق كله، وتحرير الأرقاء من مقاصد الشرع الكبرى، لأن به يتحقق تكريم الإنسان لإنسانيته.

3) الحرية السياسية، حيث جعل الله تعالى حق اختيار السلطة للأمة، يحرم مصادرته اغتصابه إياها، كما في قوله تعالى: ((وأمرهم شورى بينهم))، ولا يحق للحاكم أن يستبد بالأمر ولا أن يسيطر على ثروة الأمة وحقوقها وأن يصادر آراءها.

4) الحرية الفردية التي ضمنها الشرع، كالزواج والبيع، التملك وفعل المباحات والسفر والإقامة والعمل وغير ذلك.

5) حرية الكلمة، بأن يقول الإنسان ما يراه صواباً دون وصاية من أحد مادام عاقلاً رشيداً، بشرط أن لا يتجاوز الحدود الشرعية. ويدخل في هذا حق التظاهر والاعتصام وتشكيل النقابات والمنظمات الحقوقية وتأسيس الصحف ووسائل الإعلام…

وقد أدخل الغربيون في الحرية ما ليس منها، كالإباحية وسب الأديان، وحق الردة عن الإسلام، لذا فالعيب في هذه الأمور التي يطلقها الغربيون، وليس في أصل الحرية كمطلب شرعي.

هذا ما يسر الله كتابته، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

ليلة الخميس 9 جمادى الآخرة 1432هـ، الموافق 12 مايو 2011م

– رئيس دائرة الفكر والثقافة بحركة النهضة للتغيير السلمي- عدن

Nadsaad200@hotmail.com