عندما تغيب الفكرة يظهر التمني

  ميساء شجاع الدين

رحل الرئيس لكنه لم يتنح في مفارقة غير متصورة، فكم دعوناه للرحيل وها قد رحل دون أن ندرك أن رحيله لا يعني تركه للسلطة، فهذا الرجل الموجود في غرفة العمليات بمستشفى سعودي لايزال مثيراً للقلق والخوف ولا احد يمكن أن يتجاوز وجوده وينتشي ببساطة لرحيله. فلايزال ابنه يسيطر على الحرس الجمهوري وابناء اخيه يسيطرون على المناصب القيادية الأمنية والعسكرية والأهم من هذا كله اوراق ملف الحرب على الارهاب بكل ما يعنيه هذا من التزامات دولية لا تنساه الدول الاخرى وإن تجاهلناها أو نسيناها.

الرجل لايزال يمتلك الكثير من الأوراق مع بقايا قوة وهي لازلت فاعلة ومدمرة ليناور ويفرض شروطه، تعاملنا معه كأنه انتهى واغتباطنا فيه كثير من التضليل، فالقصر في يده وجزء من الجيش والمعادلة لم تتغير وإن كانت اهتزت. سئمت الاطراف الدولية الرئيس وترى إن خروجه صار ضرورة لهدوء الدولة الفاشلة وترتيب اوضاعه بهدوء اكثر، وفي النهاية أزلامها الجاهزين لخدمة مصالح السعودية وامريكا داخل اليمن موجودين وسيكونون اكثر فاعلية من الرئيس صاحب العرش المهزوز فبالتالي تمسكهم بالرئيس غير ذي معنى فهناك غيره من هو ربما أقدر على التوائم مع اللعبة الجديدة. الساحة في الاصل مليئة باللاعبين من الداخل والخارج مع ظهور طرف الثورة كعامل قوي بكل تعقيداته مما يخلق وضعاً جديداً ومعقداً، لذا علينا النظر لما انجزناه حتى الآن حتى نستطيع تقييم وضعنا. فبالتأكيد اجتزنا شوطاً كبيراً في عملية اسقاط النظام ولم يتبق إلا جزءً بسيط لكنه الاكثر صعوبة وهو جزء البديل الذي يعطي شرعية التراضي للداخل وشرعية الطمأنينة للخارج.

نحن نميل للنقد السالب، أي النقد والشكوى مما يجري دون تقديم بديل أو حتى تشخيص الوضع بشكل دقيق دون شخصنة. هذا يجعلنا نتخبط فمطلب اسقاط النظام وهو عملياً اسقاط الرئيس تحقق بشكل ما لكن ما بعده يبدو مثيراً للقلق وكانه تساؤل مفاجئ لم يكن يتوقع طرحه. ليس هذا فقط بل كشفت الاوضاع الجديدة إن شماعة الرئيس عندما تسقط ينكشف الكثير، فالرئيس كان يلعب وظيفة مهمه فهو يستحوذ على كل شيء ويمثل جميع الاوضاع المقيتة والقيم البائسة التي اتت به. اليوم يوم الانكشاف العظيم بعد سقوط الجدار المظلم ذو الظل الثقيل الذي غطي كل عوراتنا ، اليوم يتبدى لنا ضعف السياسيين وانقسام الثوار وانتهازية رجال الاعمال وهمجية المشايخ وعنف العسكر وغياب المثقف وتعنت الجميع ضد الجميع، اليوم نواجه التحدي الاكبر دون أن نجد من ننوح عنده ونتعلق به كرداء اخير لمشاكلنا.

في وسط هذا الكم الهائل من القذارة والتخبط نكتشف غياب دور المثقف اليمني وهو متشائم في الغالب، المثقف في الغالب له نزعة تشاؤمية تميل لمعرفته العميقة بحجم الخلل والبعض يشعر باليأس ويميل للأجوبة السهلة أو يعتبر الاصلاح غير وارد فيضع لنفسه مكان وسط الخلل ويتحول لبوق من ابواق القوى المختلة، لكن الاكثر صدقاً ربما يكون الاكثر تشاؤماً لأنه يرى نفسه أمام خلل يصعب عليه التماهي معه ويصعب التغلب عليه في ذات التوقيت. اكاد اعترف إن الثورة اليمنية حملت ذلك القدر من الزخم الشعبي العظيم مع ضعف حقيقي لوجود وحضور النخبة المثقفة الذي بدا اداءها ضعيفاً ومتخاذلاً عكس حضورها في احداث تاريخية سابقة مثل ثورتي سبتمبر واكتوبر، والثورة تحتاج لإطارها الفكري الواضح الذي يحميها من الخارج الذي ثارت ضده لأن النظام قبل كل شيء هو منظومة قيم لا يجوز للثورة أن تتبناها ووظيفة المثقف الاساسية هي تأطير هذه القيم والتذكير بها.

فلا يجوز الدعوة للعمل السياسي السلمي وتبرير العنف بحجة الدفاع عن النفس ولا يجوز الدعوة لدولة مدنية بتأجيج النزعات القبلية، هذا كله يرجع لضعف الاطار الفكري بسبب غياب المثقف اليمني عن لعب دوره الحقيقي والتخلي عن تشاؤمه والتكاتف مع إرادة المواطن اليمني الذي نفتخر بقدرته التي يثبتها كل يوم في كسر الحواجز التي تعيق بينه وبين حياة كريمة وعلى المثقف أن يكون حاضراً بذهنه وداعماٌ بفكرة لا مثبطاً للهمم ولا متلاعباً بالألفاظ ليغطي ازدواجيته الاخلاقية. وما ادراك ماهي الازدواجية الاخلاقية؟

لنتصور قليلاً حادث جامع الرئيس لو وقع في الاتجاه المعاكس أي في صفوف قيادات محسوبة على الثورة، كيف سيكون الحال؟ اتصور علماء الدين والمشايخ الذين انحازوا لصف الثورة لسبب أو آخر كانوا سيتحدثون طويلاً حول حرمانية المكان وقدسية التوقيت وقبل هذا كله دم المسلم على المسلم حرام. أما الاعلاميون والكتاب فسوف يروجون لقضية حسن الخاتمة وعاقبة المتقين في اوقات الصلاة المقدسة ودناءة الاستهداف اجمالاً وخصوصاً في مكانه وتوقيته. لا اؤمن كثيراً بصكوك الغفران وشهادات التقوى التي يستهوي البعض اصدارها خاصة بعد وفاة احد لكن اريد هنا التنويه بازدواجيتنا فالعنف مدان من جميع الاطراف كوسيلة للعمل السياسي لأن دم الانسان ليس رخيص ناهيك عن دم ابناء الوطن الواحد ليس هذا فقط فالابتهاج أو الصمت تجاه اعتداء على مكان مقدس في وقت الصلاة يبدو لي فجاً بغض النظر عن ديانة المصلين فما بالنا لو كنا من ذات الدين. اعلم جيداً إن الابتهاج في معظمه كان بسبب تحول هذا الرجل وهو الرئيس لكابوس حقيقي ولا انكر اني للحظة تنفست الصعداء بعد تأكد الاعتداء وإن كنت اشعر بالأسف لما وصلنا له الرئيس ووصل نفسه حتى صار خيار التخلص منه بهذه الطريقة خياراً مقبولاً ومثيراً للبهجة بعد ما جر البلاد لحرب اهليه محدودة كان من شأنها لو استمرت واتسع نطاقها أن تدمر البلاد وتقتل الكثير من البشر لكن هذا لا يلغي واجب الادانة والاستنكار للحادث ولكل من تحدث عنه بمنطق الشماتة والتشفي فهذا عمل لا اخلاقي وفيه قدر كبير من الازدواجية التي لا يتحرج منها البعض.

لو تمعنا في هذا الحادث سنجد أن الفجاجة والازدواجية هي اكثر ما اودى بالرئيس. الرجل انتهى في يوم جمعة النظام والقانون ألا يتأمل احد حجم المفارقة؟ اكثر عنصرين غابا عن عهده وعاني منه اليمنيون يخصص لهم الرئيس جمعته ، وليس من العجب أن تكون الجمعة الاخيرة بل لم يكن ممكناً أن تكون غير الأخيرة لأن الازدواجية هنا بلغت ذروتها. لا شيء يصيب الانسان في مقتل مثل ازدواجيته ولا شيء سوف ينسف الثورة مثل الازدواجية.

الازدواجية ناتجه عن النفاق والسأم، عن ضعف الفكرة والايمان المزعزع بها. فكيف تأتي للبعض داخل الثورة أن يتحدث عن الدولة المدنية ويبرر الاستيلاء على المنشآت الحكومة ويقرن السلمية بالدفاع عن النفس في آن واحد. هنا نحتاج لاعادة تعريف الأمور فالثورة السلمية تعني تخلي عن مبدأ الدفاع عن النفس أما المبادرة بحمل السلاح فيعني خروجا عن مبدأ الثورة للتمرد المسلح لكن عندما نقول ثورة فهذا يعني عملا غير مسلح بالأساس وعندما نقول سلمية فهذا يعني كف اليد عن الرد. فلا يعقل نخسر ارواح مئات الشباب ونهتف سلمية سلمية وعندما يعتدي على بيت الشيخ نقول حق الدفاع عن النفس مكفول. هذا إما فكر بدائي لم يتخل عن منطق الدفاع عن النفس كمنطق ثأري وانتقامي بحت لكنه غير مقبول فلم يعد منطق حرب داحس والغبراء مقبولا في عصر القنابل والدبابات، فكانت الحرب في السابق ادافع عن نفسي واواجه خصمي في ساحة معركة خاليه لكن الآن عندما ادافع عن نفسي بهذا المنطق فأنا اعتدي على غيري فليس السيف هو سلاحي في مواجهة خصمي بل قنبلة تسقط لا تعرف على من اسقطت، هذا ما يفسر قلق الانسان المعاصر من الحرب وحساسيته المفرطة تجاهها اكثر من أي وقت مضى لأنها صارت اكثر فتكاً وساحة القتال لم تعد في الصحاري والسهوب الخالية بل في وسط المدن المكتظة بالبشر، لذا الانجرار للحرب بمنطق الدفاع عن النفس مقلق يبطن داخله الكثير من الجهل بتحديات العصر ، فلكل زمن قيمه الخاصة به التي تتناسب مع ادواته وروحه. فالشعوب الآن صارت تطمح للديموقراطية ليس لأنها تطور فكري بقدر ماهي متطلب زماني، فالدولة صارت اقوى من أي زمن مضى بأدوات التكنولوجيا المختلفة التي تعطيها القدرة على عد انفاس مواطنيها لكنها في وقت مضى كانت اضعف من هكذا ولا تمتلك كل هذه القدرات والتأثير في حياة مواطنيها، فمعظم الحضارات القديمة انشئت وازدهرت دون هذا المنطق ولم يكن شرط لنشأتها وازدهارها لأن القيم وقتها كانت تختلف باختلاف الأدوات التي تمتلكها الدولة.

كان من المثير للقلق في حرب الحصبة هو موقف المثقفين الصامت أو المتواطئ والثوار الذين هاجوا ضد المبادرة الخليجية ومنطق المفاوضات في التعامل مع النظام اكثر مما هيجهم منطق الحرب المخيف في التعامل معه، كشفت هذه الحرب غياب المثقف في حماية الفكرة التي قامت لأجلها الثورة والكسل الفكري لبعضهم واسترخاء الضمير لدرجة الصمت أو التبرير لفكرة تبدو غاية في التحذلق وهي الحديث عن الثورة السلمية مع تبرير الحرب بمنطق الدفاع عن النفس. هذا يكشف عدم جاهزية مخيفة من البعض لفكرة الثورة السلمية ومدنية الدولة .

ليس فقط الفكر البدائي الخارج عن الزمن الذي سيطر على البعض هو السبب وراء بروز فكرة الدفاع عن النفس ولا منطق محاباة الشيخ أو الانتقام من الرئيس لكن هناك ما هو ادهي وهو عامل السأم، رأي البعض إن هذا نظام طالت الثورة ضده ولا يمكن اسقاطه إلا بالعنف وبدت نهاية الرئيس نصراً مؤزراً لمنطقهم، وهذا ليس صحيح فما حدث ليس نتاج الحرب بل نتاج مؤامرة دبرت من داخل النظام للتخلص من الرئيس العنيد الذي يتصرف بمنطق شمشوني مخيف. واثق تماماً إن هذا المنطق كان يراود الكثيرين ممن يحيطون بالرئيس ولو لم تحضر العصبوية القبلية وتخلي قليلاً آل الأحمر عن رغبتهم في تصدير منطق العصيمات مقابل سنحان لكان الكثيرون من قادة الجيش تخلوا عن الرئيس مبكراً، لكن التعجل بالاستقواء بالأدوات التي يمتلكها النظام تجعلنا نتأخر كثيراً. فالخطأ لا يبرر خطأ والعنف لا يبرر العنف، ومن كان يضمن إن دائرة العنف كانت ستنجح في اسقاط النظام؟ وبأي مقابل؟ هل نضحي بالبلد ومستقبلها واستقرارها وأمن مواطنيها لمدة قد تكون سنوات مقابل اسقاط النظام المتهاوي بالأصل؟ فلو حتى عاد الناس لمنازلهم كم كان العمر المتبقي لهذا النظام؟ بالتأكيد ليست اكثر من اعوام قليلة لن تزيد عن ثلاث بالكثير. لكن التعجل يفسد ثمار الثورة والصبر مع كثير من الحكمة يأتي بثمار الثورة سليمة معافاة لتنتج معها دولة مدنية حقيقية وليست مشوهه أو مجرد تعديل شكلي للنظام السابق.

عملية اسقاط النظام لم تنته وهي لازلت في البدء لكن لكل مرحلة تحدياتها واولوياتها ، الساحة السياسية الآن مفتوحة على مصراعيها ولن ينفرد بها ئ أحد بعد اليوم، وهذه النتيجة المؤكدة الوحيدة للثورة التي تفتح مرحلة جديدة ليست جميلة بكل تأكيد ايضاً وليست بالضرورة افضل لكن قد يسفر عنها فعلاً ما هو افضل إذا ادرنا هذه المرحلة بنجاح. اليوم سوف يتراجع دور الزخم الشعبي بالتدريج وهو مفجر الثورة وحاميها الآن لتصبح الكرة في ملعب القوى السياسية التي عليها أن تتحرك بأطرها الفكرية المختلفة وهذه الأطر الفكرية هي المتغيب الأكبر في الحياة السياسية اليمنية لفترة طويلة، فهناك قوى سياسية قديمة مثل الاحزاب وغيرها انخرطت في حياة سياسية تملؤها المناكفات اكثر من طرح البدائل الآن قوى جديدة سوف تتشكل اخشى أن تقع في نفس المأزق، فها أنا ارى فكرة غير مفهومة وغير قابلة للتطبيق مثل المجلس الانتقالي تصبح محور معارضة الشباب لكن من يتمعن يكتشف أنها ليست بديل والشباب مطالبون إذ ما اصروا على المجلس الانتقالي في طرح بديل واضح الملامح له صلاحيات محددة حتى تصبح فكرتهم معقولة وليس محل استخفاف من الآخرين فكل فكرة مقبولة إذ ما كانت واضحة المعالم وقابلة للتطبيق وليست مجرد فكرة هلامية مطروحة من باب التمني وليس التطبيق.

سوف تتعدد القوى في الساحة التي ربما تصبح الفوضى احد ابرز ملامحها وكلما غابت الفكرة تزداد البلبلة ونتخبط أكثر، هنا يبرز دور المثقف اليمني في الساحة اكثر ليتخلي عن تشاؤمه قليلاً ويؤمن اكثر بإرادة المواطن اليمني وليس مراكز القوى التقليدية. فهذا المواطن البسيط الذي فجر الثورة هو من سيحميها إذا ما ظلت فكرتها محروسة بعيده عن مخالب الازدواج والسأم والمعارضة لمجرد المناكفة لا لطرح البدائل التي جاء وقت طرحها وتنفيذها.

– كاتبة يمنية مقيمة في القاهرة