قراءة في سُورة الثورة!

وإلهكم إلهٌ واحِدٌ !. جَميلٌ يُحبُ الخيرَ.. فَكيفَ تُفسِدُون ؟

يومها خرجتِ القاهرةُ كلُّها خلفَ العِزِ إبن عَبدِالسَّلام مُغادِراً ، و حِمارُهُ معَهُ. ويومها قَبِلَ سُلطان مِصَرَ أَنْ يُباعَ المماليكُ في سُوقِ النِّخاسة.*

حرَّرهم شَعبُ مِصرَ بقيادةِ ذلك الشَّيخُ الجليل. و لم يكُنِ الشَّيخُ يدري أنَّ مِنهم قد تخبَّوا ؛ ليحكمونا لنصف قرنٍ مِنَ الزِّمن. وخرجَ النَّاسُ مرَّةً أُخرى في هذا الرَّبيع الثَّوري العربي الجديدُ .. أيُّما جدَّةٍ ؛ لتتفتحَ الزهورُ مِن قلبِ بوعزيزي المحترقِ.*

والأمرُ كلُّهُ - حينَ انفجر هذا الحقلُ بالزُّهور - لا يتعدَّئ سوى الفاقةُ والفقرُ. والعطالةُ والبطالةُ ليستا إلَّا إرهاصين للفاقةِ والفقر ، و إنْ كانتا هنا مِنَ الأسباب التي أخذت منحنياتٍ مستقلَّةً في ظل التَّصنيفات والمُسمَّيات الجديدة في عصرنا هذا.

وحينَ أشتعلَ الجسدُ لهباً وناراً ؛ كانَ ذلك إيذاناً بالطُّوفانِ ، مُبشّراً بالثَّورةِ ، وصُوْرَ قيامةٍ على آخر سُلالاتِ المَمَاليك !.. و هي عاصفةٌ ستَمُرُّ في كل عاصمةٍ . *و حين قالَ الثائرُ العربي الأوَّل ( كادتِ الفَاقةُ أنْ تَكونَ كُفرا ) ، لم يكُنْ ليقولََ القولَ على عواهِنِه ؛ بل كانَ يقرِّرُ تشريعاً تبريرياً منياً على حجِّيَّةِ التَّغييرِ والثَّورةِ لخروجِ النَّاسِ على الحاكم الفاسدِ والظالم ليسَ بأمر الله. *ولعلَّ ذلك ما جعل أبي ذرٍّ الغِفاري يخرج على كل مَن أفسد ...

والكافرون هُمُ الظَّالِمون ! هكذا فهمها أبو ذرٍّ الغِفاري عن أستاذهِ الثَّائرِ العربي الأوَّل .

وكان يقول ( عجبتُ لإمريءٍ يخَرجُ مِن بيتِهِ و هوَ جائِعٌ ؛ و لا يُشهِرُ سيفَهُ ) و لم يُنكرْهُ عليهِ مِنَ الصَّحابَةِ أحدٌ ؛ بل سكتوا ؛ والسُّكوتُ رِضىً وموافقةٌ ؛ و ما اختلفوا في ذلك ، عدا ما كانَ مِن عثمانَ آنَئِذٍ أنْ نفَاهُ إلى الرَّبذَة ، فقدْ اختلفوا في ذلك . *ويدَّعمُ ذلك - ما قام بهِ أبو ذرٍّ - الأياتُ الكثيرةُ في القرءَآنِ الكريم*، التي تركِّزُ على القضايا المالية ، والتوزيع ، والتَّسهيم بين النَّاسِ ، بالعَدلِ ،*والتِّساوي ؛ كيلا تُصَيَّرَ الأُمورُ إلى أقصاها ، في الفاقةِ لتبلغَ الكُفرَ الذي يبرَّرُ الخُروجَ ، والثَّورة على الحاكمِ ، بل وقتالِهِ.

... القُرءآنُ الكريمُ - أساساً - تدورُ قضاياهُ في الضَّدِّيةُ مِنَ الكفر ، والشِّركِ ، والفوضى *، والفسادِ. ويركِّزُ الضَّوءَ *بشكلٍ جَليٍّ على مسألةِ الأموال ، في العدالةِ في توزيعِها ، وتصنيفِ مخارجها ، وأوجهِ مصارفِها ، وتكييفِ مَقاصدِها ؛ باتِّجاهِ التَّعادليَّةِ في التَّوزِيعِ لِثروات الأُمَّةِ ، لتنميةِ المجتمع ، واستنهاضِ الفردِ - كوحدة ٍ بنائيةٍ أولية في تكوينِ الكتلة المَدنيةِ - ساعياً لتحقيقِ النُّهوضِ بالكل الجمعي *، إلى مَشَارفِ الغاياتِ والمقاصدِ النِّهائية لمُعادلةِ فلسفةِ مُثلَّثِ الدَّولةِ ؛ الحُرِّيةِ ، والمالِ ، والحُكُومة.

*ول ( إيلَافِ قريشٍ إيلافِهم ) - يُغْرَضُ بها التَّآلف ، والإحتذآء ، والتِّكافُل ، صفوفاً في ظلالِ الأٰمَّة. إنَّ الإشارةَ الجليةَ في التعبيرِ بذلك الجذرِ اللغوي ( أ ل ف ) *، أو ( آل ف ) ، لهُ دلالاته التي تنُمَّ على مسألةٍ قد يظنُّها بعضٌ منَّا شكليةً ، ولا تحملُ في دلالاتها هدفاً بعيداً وسامياً ، بعيدةً تماماً عن شكليةِ الظَّنِّ ، وظنِّ الإشكال ، في عِنْدِيةِ القصورِ مِنَ الإستنباط المستقيم للإشياء بعيداً عن إجترار الموروثِ - تاريخاً ومجتهدين - الذي صنَّمناهُ ، بلا نقدٍ ولا تصحيحٍ ، حتى نلبسَهُ رداءَ العقلِ في القبولِ أوِ الرَّفضِ ، فيما بعد ، *للجيل التالي ، لتعيدَ تصحيحه *، وفق مرحلتها ، حتي يبقَ الدِّين صالحاً لكل مرحلةٍ ، بالإجتهاد المستقيم والعاقل، في تفسيرهِ المتفاعل مع الزَّمانِ والمكان ، *للإنسانِ والكونِ والحياةِ والأشياء. وعلى ذلك ففي ( لِإِيلَافِ قُريشٍ إِيلَافِهم ) دعوةٌ واضحةٌ للعمل ضمنَ دائرتين هما : دائرةُ الموافقات ، ودائرةُ المُعارَضات ، بعيداً عن المُغالبةِ والمُكالبةِ ؛ حيث تضيعُ المصالحُ وتنتشرُ المفاسدُ ، لتفقدَ الأُمَّةُ هويتَها ، وصلاحَ شؤونِ حياتها ، وقِوامةَ العيشِ الكريمِ ، التي تتعرض لها الآية التي تليها...*

*.. و ( رِحلَة الشِّتاء والصَّيف ) - يُغرضُ منها المداوَمَة في السَّعي ، والكَسبِ المشروعِ ، المؤطَّر وفْقَ خطوطٍ عريضةٍ ، ذاتَ قابليةٍ مِرِنَةٍ للإجتهادِ ، يستحثُّها المشروع العام للإنسان الذي يلزم ُ الحكومةَ تبنِّيهِ ، إرْْهاصاً إستراتيجياً قوياً للكتلة المدنيةِ في مداميك بناء الأُمَّةِ ، الذي هو في الإساسِ - وبعينِهِ - غايةُ المشروع القُرءَآني ، المُحمَّدي ، للثائرِ الأوَّلِ صلواتهُ عليه. وقد فهمَ الثَّائرُ والمؤسِّسُ الأوَّلُ ، *فهماً واقعياً مستقيماً ، لدائرتي الموافقاتِ والمعارضاتِ اللتين أتينا على ذكرهما آنفاً. *قضيةٌ أساسيةٌ ، ومُسلَّمةٌ، فهمها النَّاسُ - ويفهمونها فهماً بَدْهِيَّاً عن وعيٍّ أصيلٍ وإدراكٍ متمكِّنٍ وتسليمٍ مُتَأصِّلٍ *- أنَّ البشرَ ما اتفقوا يوماً ما...، مُذْ كانتِ الأرضُ والدُّنيا وهابيلُ وقابيلُ عليها ، *ولن يتفقوا ، إلى أنْ تقوم السَّاعةُ وتمشي الأجداثُ ويُحشرُ الخلقُ*

لا بأسَ إذنْ !.. *

قلتُ آنفاً أنَّ ذلك الرَّاعي والثائرَ الأوَّل بركتْ ناقتُهُ في يثربَ ؛ كانَ يدرك لأوَّل وهلتِهِ أنَّ التَّوافقَ التَّام تحت ...

*

و .. ( فليعْبُدوا رِبَّ هذا البيت ) - وفيها نستشِّفُ الغائيةُ ، التي تنزعُ بالأُمَّةِ إلى التَّوحيد ، وتوَحُّد الفِكرِ والتَّوجُّه التطبيقي عند ترجمةِ ذلك الفكر إلى موضوعهِ الأم ؛ الذي يضمُّ ولا يُشتَّتُ ... بإتجاهِ المشروعِ العام للأمَّةِ. إلا أنَّ ذلك لا يعني إقصاءَ الآخر ، كما قد يفهمُ البعضُ بِتصرُّفٍ شقيٍّ يعطي صاحبَهُ حقَّ الدَّعيِّ في التَّفَوُّقِ لا النِّدِّية ، والدُّونية التي يرى الآخرَ لا التَّعادليَّةِ في الحقوق والواجبات ، وإنكار حقِّهِ في الممارسةِ الطبيعيةِ للمشروعِ الحياتي ، ضمنَ قواعدِ اللُّعبةِ السَّياسيةِ ، *التي يتفقُ عليها اللَّاعبون في المشروع المدني . وحين أسِّسَ لها الثَّائرُ الأَوَّلُ الدّولةَ - المَدينة الأُولى في يثرِبَ *؛ إنَّما كانَ يُعلَّمنا مسألةَ قبولِ الآخر ، وعدمِ إنكارِ حقِّهِ في المشاركة الفاعلةِ في العمليةِ السياسيةِ ، وإنْ خالفَنا في تصوُّراتهِ - حتى الدِّينية - للأشياء ، والكونِ ، والحياةِ ، موَثِّقاً وراضياً بقواعد اللعبة الجَديدةِ في العمليةِ السياسيةِ ؛ مشروطاً ببناءِ الدَّولة التي تسعُ الجميعَ ، وتنهضُ في تنميةِ الكتلة المدنيةِ الجديدة ، على الدُّستور المدني الذي إجتهد في صياغته وصيغتهِ أنْ يشملَ كافة الشرائح الإجتماعية - دونَ استثناء - وكل ألوان الطيف للتنوع المدني - دونَ إنكارٍ أو إقصاء - كقوى سياسيةٍ فاعلةٍ في إثراءِ النظام العام للدولةِ الجديدةِ - حاكمةً ومعارِضاً - ضمن مخارج ومداخل الدُّستور العام كعهدٍ بين الأطرافِ في المجتمع المدني الجديد . ولن أكونَ مجازفاً لو قلتُ أنَّ *تلك الوثيقة - الدستور قد أُسِيْءَ فهمها أمس واليوم .

( الَّذي أطعَمَهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ ) - فالجزْءُ الأَوَّلُ مِنَ الآيةِ ، يُغْرضُ فيها قضيٌَّةٌ إِقتصاديةٌ ، كمشروعٍ مُنتجٍ يرقى بالأرزاق والدُّخولِ للنَّاسِ ، ضمنَ منظومة المشروعِ الحياتي للأُمَّةِ . ويدخلُ تحتَ هذا البند أيضاً عناوينُ جانبيةٌ تستدعي ألَّا نغفلَ عنها ألبتةَ نذكرُ - منها مثالاً لا حصراً - توفير عناصرِ البقآء الإنساني وإِدامتِهِ ، و إِيجادِ سبُل المعاشِ والمعادِ ، التي تهيؤ مشروعاً أخلاقياً للإنسانِ ، عندما يتحقَّقُ الحدَّ الأدنى مِنْ تلك العناصرِ ، التي تُشارِفُ بالكتلةِ المدنيةِ إلى مدارجِ العيشِ الكريمِ ، الذي يرتفع بالإِنسانِ مراتب الأخلاقِ ، والتي تستلزمُ حملاتٍ تعبويةٍ في أجهزةِ الإشهارِ ومخَارجِها الإِعلانية والإِعلامية .

والجُزءُ الثَّاني مِنَ الآيةِ يؤطِّرُ لقضيةٍ محوريةٍ يدورُ حولها جُلُ المقاصدِ القرءآنيةِ ، وَ الإرشاداتُ المدنية السُّلوكية التي شرعها الثَّائرُ الأوَّلُ ؛ مُحمَّدٌ .. الرَّسولُ والنَّبيُّ والقائدُ والرَّئيسُ والقُدوةُ ... وهذه القضية هي قضيةُ الحرِّيةِ . و ( آمنهم ) من الأمن مصدرُها وجذرُها ( أ م ن ) ؛ ولا يتأتى الأمنُ إلا من َ الإحساسِ بالحرِّيةِ ، التي لا تعتدي على حدودِ الآخرين ، والحق المدني العام للأُمَّةِ ؛ والعادي يبعثُ الخوفَ بتعديهِ على الآخرين وحدودَهم في ممارسة حريتهم ؛ المشروط بالحقِّ العام واستتبابهِ من خلال ترسيمِ حدود الحقِّ العام للكتلة المدنيةِ ، والحق الخاص ، المتفق عليهما بالدستورِ والقوانين المفسرة التي تهيؤ اللوائح الشَّارحة .

ولا أجِدُني مستغرباً إطلاقاً عندما يربطُ مَحمد إبن حبيبٍ المَاوِردِي في الأحكامِ السُّلطانيةِ ، بينَ القانون وموانع خرق القانون. فتراهُ يقرر عدم الأحقية بتطبيق العقاب إلا إذا توافرتْ الشروط المانعة لإقامة العقاب. وبقراءةِ كتابِ ( الخراج ) و ( الأموال ) ، لأبي يوسف وابن عبيد ، فيما بعد ، سنعرفُ أهميةَ المالِ ، وتوزيعه - كمشاريعَ * وقروض ٍ - بالعدالة ، بين مكونات الأمة ، ديموغرافياً وإدارياً. وبالتمحيصِ في المقدمة ، سنعرفُ لماذا سقط َ المشروعُ ، عند تحليل إبنِ خلدون للتاريخ : الظلمُ ، والإستبدادُ ، والفسادُ ، *وإلغاءُ الآخر ، وإدِّعاءُ الإستحواذِ على الحقيقةِ دونَ بقيةِ الأطرافِ المكوِّنة لقوسِ قزحِ التَّكتلِ المدني. *وقد نقلَ ألكواكبي - تأكيداً لذلك - جُلَّ أفكارِهِ عن صاحبِ المقدمةِ في ثوبٍ عصريٍّ قشيب ٍ في ( طبائعِ الإستبداد ).

والأغرب من جهل الجاهلين أنهم يسوقون الآية ( وأطيعوا الله ورسوله وأُولي الأمر منكم ) على أنهم على الحق وما ذهبوا إِلَّا بعيداً ، وما فهمنا نحن نقطتين أساسيتين في الآية :

1 - أنَّ طاعة الرسول تتأتى من طاعته لله ، وطاعة أولي الأمر تتأتى من طاعتهم لله ولرسوله. وهذا ما نستشفه من التسلسل الإطنابي المعطوف .

2 - أنَّ الآية تقول ( أولي الأمر منكم ) وليس ( أولي الأمر عليكم )!

أ - فالأولى تعني إختيارنا لهم عن رضى وبقاءهم على عقد التراضي المشروط بالعدل وعدم الفساد والإفساد في الأرض والعباد والأخلاق.

ب- والثانية ( أولي الأمر ) عليكم ... تعنى أخذهم ولاية الأمر علينا بالقوة والمغالبة وليس بالشورى والديمقراطية والإختيار بالتراضي مع الجماعة كعقد إجتماعي .

إنَّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان والثورة على الفحشاء والمنكر والبغي والفساد

قوموا إلى ثورتِكم فأتمُّوها يرحمكمُ اللهُ !