اليمن بين سلمية الثورة والتصعيد المسلح!

تمر الجمهورية اليمنية بمنعطف شديد الخطورة فبعد حوالي ستة أشهر من الاعتصامات التي قامت على مبدأ هام يتلخص في سلمية الثورة الشبابية الشعبية ، أكدت الأحداث للشباب قبل غيرهم أن طريقهم محفوف بالمخاطر ، حيث تبين من خلال التجارب الماضية مع قوى الأمن والجيش ، عدم إدراك تلك القوات لمفهوم الاحتجاجات السلمية ، فمن تجارب الشباب في كل خروج سلمي يفقدون العشرات من رفاقهم فجمعة الكرامة وبوابة ملعب مدينة الثورة وشارع الستين والجزائر والدائري وجولة كنتاكي شاهدٌ على ذلك ، والأمر كذلك في عدن وتعز وإب والحديدة وغيرها من المحافظات اليمنية ، وقد أثار كل ذلك نقاشات حادة بين شباب التغيير في مختلف الساحات حول جدوى المسيرات التي تفقد الشباب المئات من الأرواح بين شهيد وجريح ، بل أن تلك النقاشات أخرت إلى أجل غير مسمى توقيت الزحف إلى القصر الرئاسي.

أما الخيارات السلمية الأخرى مثل العصيان المدني ، وقفل بعض مؤسسات الدولة وعلى الرغم من نجاح ذلك في بعض المحافظات اليمنية ، إلاَّ أن السلطة بدأت تتعايش معه ، بل أن بعض المؤسسات مقفلة أصلاً منذ شهور مثل أغلب الجامعات اليمنية ولم تحرك الحكومة ساكناً من أجل ذلك ، مما يعني أن العصيان المدني أو قفل بعض المؤسسات لن يجدي أيضاً في تحقيق شباب الثورة السلمية لأهدافهم السياسية المتمثلة بإسقاط النظام بصورة سلمية وسريعة.

أمام جمود الساحات وحالة الانسداد السياسي والتوتر الأمني يتعقد المشهد السياسي اليمني ، مما يؤدي إلى تراجع الخيارات السلمية أمام تنامي الخيار المسلح أمام كل الأطراف بما فيها دعاة الثورة السلمية ، بل أن كلمة سلمية ستصبح مثار نكتة وتوبيخ لمن يدعيها ، ويرجع ذلك إلى إدراك عموم اليمنيين أن مكاسب شباب الساحات خلال الأشهر الماضية لم تكن بمستوى التضحيات التي قدمت وخاصة في الجانب البشري.

إن المتابع للتطورات السياسية المتلاحقة في اليمن يدرك وبما لا يدع مجالاً للشك أن تسارع الأحداث يدفع باليمن إلى الخيارات المسلحة ويبعدها بالتدريج عن الخيار السلمي ، بل أن بعض الشباب شديدي التمسك بسلمية الثورة مستلهمين النموذج المصري والتونسي، قد يفكرون بخيارات أخرى أقلها حمل السلاح دفاعاً عن النفس ، وخاصة بعدما تعرضت له الساحات المختلفة من اعتداءات مباشرة مثل ساحة التغيير بصنعاء والحرية بتعز وغيرها.

إن تراجع الخيار السلمي سيدفع بالأوضاع إلى ما لا يحمد عقباه ، بل ومما يؤسف له أن الأحداث على المستوى الوطني تتصاعد أيضاً في اتجاه الخيار المسلح ، وما حدث في تعز من تدخل للقبائل في مواجهة قوات صالح ، وأحداث الحصبة أوالجمعة الأولى من رجب في القصر الرئاسي ومنطقة حدة ، ثم أخيراً الأحداث المتسارعة في أرحب وأبين ونهم تشير إلى تحولات خطيرة في المشهد السياسي اليمني ، ذلك التحول يأخذ بالتصعيد المسلح خياراً لحسم المأزق السياسي اليمني الراهن.

أخيراً ندعو عقلاء اليمن إلى كلمة سواء تحقن الدماء ، وندعو كذلك دول الجوار والمجتمع الدولي إلى بذل المساعي الخيرة لدى كل القوى السياسية بهدف تحقيق طموحات الشعب اليمني في التغيير السلمي الديمقراطي ، كونه أصبح ضرورة لا رجعة عنها ، فكل يوم يستمر فيه المأزق السياسي تقترب اليمن من حافة الانهيار، ولاشك أن تدهور الأوضاع السياسية والأمنية سيؤدي إلى التأثير المباشر على الأمن والسلم الإقليمي والدولي بسبب الموقع الإستراتيجي لليمن وإشرافه على إحدى أهم الممرات البحرية في العالم.

[email protected]