فأصنع ما شئت يا حراك

  مجلي أحمد الجرباني

عاري نبع فوق مخلوس هكذا تمت الوحدة و زاد الطين بلة عندما وجدنا أنفسنا نحمل شعبين وجيشين وحكومتين ونظامين مختلفين واحد أقصى اليمين والآخر أٌقصى اليسار وأقول للجنوبيين بأن اليسار تسمى أحيانــًا شمال فهل ستكرهون يساركم من كرهكم للشمال؟

ثم لا يصح التساؤل متى توحدت اليمن ولكن متى أنفصل شمالها عن جنوبها؟ الأصل التاريخي لليمن أنها واحدة حتى وإن ظهرت فيها دويلات، ومع احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م تم ترسيم الحدود بين الشطرين مع المملكة المتوكلية في الشمال.

نعترف بأن الوحدة كانت مأزومة لأنها ضمت شطرين تعصف بهما الأزمات لذا كانت النتيجة أزمة مركبة ومعقدة لكن لم يكن الحل في الانفصال. ثم إن عجلة التنمية تحولت إلى الجنوب ونـُسي الشمال الذي طالما سمع جعجعة الرحى ولم يرى الطحين، نعم سنواجه الانفصال من خلال تكوين حكومة مركزية قوية تبسط نفوذها لا تنتهج أسلوبــًا تكتيكيــًا فـقط بل وأيضــًا “تـفكـيكيـــًا” للأزمة المركبة التي ترسبت بعد حرب 1994م فتحولت معه اليمن إلى جنازة يحملها النظام السابق على كاهله في كل محفل دولي بحثـــًا عن مشيعين ومن لم يستطع فلا يبخل بقراءة الفاتحة واليوم مازال البحث جاري عن مشيعين جدد ولم نفكر في تبني مشروعــًا يمنيـــًا بدلا من النفخ في مومياء محنطة نستعطف بها العالم.

والسؤال الثاني هو بماذا يفتخر علينا أهل الجنوب؟ فبعد الاستقلال لم تعترف بالجنوب دول المنطقة فارتمى في أحضان الاتحاد السوفيتي الذي ظل داعمــًا وراعيـــًا للكيان الجديد الذي عرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وتعالوا ننظر ما نوع هذه الديمقراطية؟
فالجنوب كان يخضع لسياسة الحزب الواحد الذي لا يُعارض مهما كانت حماقاته فظهرت سلطة الحزب عوضــًا عن سلطة الدولة ولقد تعلم الجنوب من الاستعمار معنى القانون لكنه للأسف ظل حبرًا على ورق بعد الاستقلال فالصراع الدامي على قيادة الحزب يفضح مزاعمهم تلك فقد كانت دولة فـقيرة لا تنمو، منغلقة على نفسها، تـقـتات فـتات الدب الأبيض والنزر اليسير من عوائد مصفاة عدن ” ورحم الله من ورث “. دائمــًا ما يتـشدق الجنوب بأن الجهل بلغ منا الحلقوم!! لذا أقول لهم ” رجمتم الأعور في عينه” وإلا فلماذا قامت الثورة ضد الأمام؟
أليست ثورة على الجهل والفقر؟ ثم أن الجمهورية ظلت تصارع الإمامة سنوات حتى بسطت نفوذها و رسخت أقـدامها ثم توجهت للتطوير والتغيير وهذا الصراع أثر بالضرورة سلبــًا على التـقدم والتنمية، ثم خذوا هذه.. فحسب معلوماتي المحدودة لم يكن الجنوب حتى قيام الوحدة قد أخترع الذرة أو حاز على براءة اختراع فقيرة إلى ربها فالحال مثل بعضه إلا إذا كنتم تـتكـلمون عن تـنمية شكـلية وقراءة ألف باء.

وإن كنتم تعيبون علينا السلاح والبرع فهو من البراعة التي تصور عشق القبيلي لسلاحه والهيام به لدرجة الرقص معه، فهو تراث متوارث لكل قبيلة وعنوان لحضورها، فهو في السلم وشاح وفي الجد سلاح، ولو قامت الدولة بتـقـنين السلاح وترخيصه فلن يشكل أي تهديد. ثم مما الخوف والقبائل دائمــًا هي التي ساندت الجيش قديمــًا وحديثــًا في أكثر المواقف حساسية، فكل قبيلة تسهم في حماية الأمن العام خصوصــًا إذا كسبت الدولة ثـقـتها، وللمعلومة فاليمن احتلت المرتبة الثانية على مستوى العالم من حيث انتشار السلاح بعد أمريكا التي هي أم القانون وراعية السلام ومحاربة الإرهاب.

لقد حـقـق الشمال فائض اقتصادي في السبعينيات قبل إنتاج النفط حتى أن الأمم المتحدة – بجلالة قدرها – طلبت من الشمال تقديم معونات عاجلة للدول الفقيرة، وكانت مؤشرات المعيشة فيها قريبه من دول النفط حتى أواخر الثمانينيات، إذن لو حصل الانفصال فالشمال قوي بدون الجنوب فمأرب لنا فيها مآرب أخرى، والجوف جوفها مليء بالخير، وصعدة سلتنا الغذائية الصاعدة، والحديدة ساحرة البحر، وحجة منجم من ذهب، تعز وإب وصنعاء والأرخبيل بمناخاته الأخاذة عناصر جذب سياحي ، فالتـقارير الأخيرة لا يتسع المجال لنشرها تشير بأن الشمال يربض على ثروة هائلة من المعادن والنفط والغاز بالإضافة إلى ثروة سمكية وحيوانية وزراعية وهذه كلها وللأمانة عوامل نهضة قادمة بحاجة إلى التخطيط والتطوير والاستثمار، ثم متى كانت الكثافة السكانية عائق بل هي عنصر التنمية الأول والصين خير مثال فالإنسان هو الثروة الحقيقة عندما يجد الاهتمام والرعاية والتعليم.. هذا هو حالنا ولا جاءكم شر فما هو حالكم!!؟

يا أهلنا في الجنوب لقد تنكرتم للشمال الجميل الذي فتح ذراعيه لكم .. وكان.. الشتات يتخبطكم، الفقر يحصركم، الجوع يطويكم، الحيرة سيماكم، تفوح منكم رائحة الخوف، كأن قلوبكم خلقت من قلق، تنامون بعين واحدة، تكرهون غدًا لأنه مجهول وترمقونه من خلف قضبان، كلامكم مؤامرة، عيونكم رهن الاعتقال، كل واحد منكم مشتبه فيه، تهمته يرضعها مع لبن أمه، أسمائكم في سجل الموتى منذ الميلاد.. لو أعدت رسم خريطة للجنوب قبل توحدنا لرأينا طوابير الطعام، هجرات جماعية، أملاك مصادرة، صوت مبحوح، حرية مسلوبة ، رأي مدفون، إرادة مدهوسة، أصفاد، أحقاد، إلحاد، اغتيالات، اعتقالات، انقلابات، هل رسمت للتو الجنوب أم أنني رسمت درك جهنم!؟

لا بد من قول كلمة أخيرة لأن جدتي كانت تقول لي ” فديت مبكياتي لا مضحكاتي ” بمعنى أني أتعلم أكثر من الشخص الذي يبكيني.. من صهر كل هذا الحقد في دمك يا انفصالي؟ ما نفخ كل هذا اللؤم في زفراتك؟ أي عين وقحة هجرت محاجرها الدموع فلا ترمي إلا الشر والشرر؟ أي روح هذه التي تـقـتـل بدم بارد كالناطور دون أن تظهر على ملامحها مسحة ندم أو أثر جرم؟ كيف لشباب كالزهور تحمل أغصانهم الغضة الطرية أطنان القسوة والغضب حتى غدوا مخلوقات فضائية تهاجم البشر وكأنهم ويلات لعنة منسية نبتت تحت شجرة الزقوم؟ من يعرف طلاسم تعويذة ترد عنا الشياطين البيض أو رقية تـقينا مس الانفصال؟

لماذا يا أخوة يوسف لا تعملون بنصيحة يعقوب فتدخلون من أبواب متفرقة فتحها لكم الشمال بدل تزاحم الإبل على بوابة فك الارتباط؟ لا يطلب الانفصال إلا من به انفصام يجره من الواقع والحقيقة إلى يم من الوهم والزيف، فيغوص في ظلماته حتى الثمالة، فينقلب على عقبيه يعتـنق أساليب الغاب، فيفترس اليمن وهي الأمومة والوطن، والوحش الذي يحتل أعماقه أنساه دفء حـليبها، فيرتد على أخوته وأبناء جلدته الذين هم من لحمه ودمه كالثعبان ينسلخ من جلده، نعم هو يعيش بيننا مننا وفينا لكنه ما عاد معنا، فنحتار فيه أهو مذنب فنضرب على يديه أم ضحية فنأخـذ بيده..!؟