جامعة الحديدة وقضية المبعدين

 عبدالرقيب سالم

فصل الأكاديميين المنقطعين عن الجامعة تحت مسمى"محاربة الفساد والمحافظة على المال العام" هي-دون شك- ظاهرة خطيرة تخفي وراءها ما تخفيه؛ لأنها الحق الذي يراد به باطلا، ونحن –بالتأكيد- مع رئاسة الجامعة في إيجاد فرص عمل وإحلال لكوادر علمية جديدة، ومع محاربة الازدواج الوظيفي والفساد المالي والإداري، ومع إصحاح ما اختل في نظام أي جهاز إداري أو تعليمي أو غيره داخل بلدنا الحبيب، لكن أن يتم ذلك بانتقائية لفئة أو أفراد دون آخرين، ودون أي مسوغ قانوني أو دون مراعاة لظرف أو عذر أو اعتبار مقنع، فإن ذلك هو ما يدعو للحيرة والألم معا.

قد نتفق مع قيادة الجامعة بأن هناك أشخاصا زادت فترة ابتعاثهم القانونية عن مدتها المقررة، وأن بعض أعضاء هيئة التدريس أخذوا إجازات دون راتب وتجاوزوا الفترة القانونية المسموح بها، ولم يعودوا بعدها إلى أعمالهم، لكنه من الخطأ أن تتم المعالجة بالفصل، فهناك إجراءات ناجعة بدأتها جامعة صنعاء في هكذا حال، وذلك بقطع المنحة عن المبتعث، أو إلزام أعضاء هيئة التدريس الذين تجاوزت إجازاتهم القانونية دفع ما عليهم من تأمينات وغيرها، أما الذين استلموا رواتب غير قانونية-مثلا- فيجري اعتبارها كدين عليهم يلزم سداده في حال رجوعهم ومباشرتهم للعمل، أما أن تعالج مشكله ما بأن نوصلها إلى وضع يجعلها مشكلة أو قضية أخرى أكبر، فذلك سوء تقدير وخطل كبير.

إن ما لا يستوعبه المتضررون جراء تلك الخطوة، يطرحه السؤال التالي: لماذا لم تدرج كل أسماء المنقطعين عن جامعة الحديدة، وبدا الأمر انتقائيا؟! قد نقتنع -مجازا- بالمساواة الظالمة على المبدأ الغريب: "المساواة في الظلم عدالة" لكن أن يجري ذلك الانتقاء بتلك الصورة غير المبررة وغير المقنعة، فذلك أمر غير مستوعب.

قد لا يدرك متخذ ذلك القرار أن نتائج الإبعاد قد تؤدي إلى أمرين: أولهما: ترسيخ ثقافة الكراهية في أوساط الجامعة وضدها، وثانيهما: أنها تؤسس لظاهرة غير سوية يجري القياس عليها مستقبلا، بحيث متى شاء المسئول عمل ذلك، فإن بإمكانه إبعاد من يشاء وإن باعتساف القوانين لمصلحته، وتكريس ثقافة "أن من لم يكن معنا فهو ضدنا".

ألم نتعلم الدروس والعبر من قضايا المبعدين عن وظائفهم من أبناء المحافظات الجنوبية خلال السنوات الماضية، التي مازلنا-إلى اليوم- نحاول معالجة آثارها دون جدوى؟! إن ما أخشاه هو وجود فريق سيء النية يريد إقحام الجامعة ورئيسها في صراعات شخصية لها تبعاتها الخطرة وتحت ذرائع غير مقبولة، همّها الأول مسألة المنقطعين عن الجامعة.

ليعلم المنجرون وراء ذلك العمل أنه قد انتهى عصر الإقصاء والإبعاد والتهميش، وأن البلاد-برمتها- تمر بمرحلة تغييرية حرجة، وأن الجميع يتطلع فيها للخروج الآمن بالبلاد إلى الوئام والمواطنة المتساوية في رحاب اليمن الجديد الذي نتطلع إليه بكل جوارحنا.. ما لم يدرك أولئك معالم هذا العهد المنشود؛ فهم-بالقطع- لا يريدونه بل إنهم يسعون حثيثا للوقوف في طريقه.. وما هذه الممارسات إلا أبلغ علاماته.