أدركوا اليمن ..بالتضامن الإسلامي

  د.عدنان بن عبد الله الشيحة

لا يخفى على أولي النهى فضلا عن المختصين المطلعين على المشهد السياسي في المنطقة أن ما يجري ليس عبثا أو محض مصادفة، إنما هو استراتيجية محكمة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وإذا لم يكن التاريخ المعاصر والقديم كفيلا بتأكيد تلك الحقيقة فإن ما يحدث على الأرض وتتناقله وسائل الإعلام دليل واضح على أن هناك تغييرا في موازين القوى تقوم به الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة. لكن مع الأسف ما زال هناك من يظن أن القول بالمؤامرة مجرد تكهنات وإفراط في التشاؤم وتعظيم للأمور وإعطاؤها أكثر من حجمها الحقيقي. وهذه مسألة جد خطيرة، إذ إن عدم رؤية الأمور على حقيقتها يؤدي إلى اتخاذ مواقف غير صحيحة، وربما زاد من تفاقم الأحداث باتجاه سلبي. إن التغيرات التي تجري من حولنا لم تأتِ بين ليلة وضحاها، وإنما نمت بطريقة تراكمية، ولذا ربما تم التركيز على جزئياتها وغابت الصورة الكبيرة التي تساعدنا على فهم ما يجري، ووضع الأمور في نصابها الصحيح. لقد حان الوقت لمعرفة أين تتجه الأمور في المنطقة، ومن يقف وراءها، ولمصلحة من. والمهم ماذا يتعين علينا فعله؟ وهل يمكن الاعتماد على من نظنهم أصدقاء؟ لقد أصبحت العلاقات الدولية مبنية على مقدار القوة بين الأطراف المتفاوضة وليس المصالح الوطنية وحسب. بمعنى آخر، إن القوي يأكل الضعيف تحت غطاء شرعي وهمي أو من خلال الابتزاز السياسي، أشبه ما يكون بقانون الغاب، ولكن الفرق أن الدول القوية لا تقوم بالأفعال القذرة بنفسها، وإنما تهيئ الظروف وتبحث عن المعتوهين أو الموتورين أو الجاهلين لتدفعهم بعواطف جياشة تعمي بصائرهم لتأدية المهمة، حتى إذا ما فرحوا بكسب المعركة أدركوا أنهم خسروا الحرب!

هكذا تعيش الأمة حالة من الضعف والتيه والصراع، سببها فقدان الهوية والأخوة الإسلامية. كيف لا وهناك شرخ كبير تفاقمه الدولة الإيرانية بنفسها الطائفي الذي أغرق الأمة وأدخلها في نفق مظلم، منح الأعداء السيطرة على مقدراتها والتحكم في مصيرها. وهنا تساؤل مطروح، هل ما تفعله الدولة الفارسية في المنطقة لمصلحة الأمة أم لمصلحة أعدائها؟ لا شك أن ما يحدث في العراق وسورية واليمن هو ظلم وجور، لأنه تثبيت ودعم لأنظمة “لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ”. فإيران تقوم على مشروع بسط النفوذ الفارسي في الوطن العربي تحت عباءة المظلومية المزعومة، وسرد قصص من نسج الخيال فيها من المغالاة ما لا تقبله النفوس السوية خالصة التوحيد، ولا العقول النيرة. وربما كان هذا النهج من قبيل الخزعبلات ودغدغة المشاعر للتحكم في الجماهير العريضة للمرجعيات الدينية هو ما يجعل الأمريكان يرون أن مصالحهم تتقاطع مع إيران الصفوية. إيران التي تتشدق بتحرير بيت المقدس وتدعو بالموت لأمريكا هي نفسها التي سهلت وشاركت في احتلال العراق، ومن ثم قدمت لها العراق قربانا على طبق من ذهب! وها هي إيران تسرح وتمرح في المنطقة بمباركة من الولايات المتحدة. وما احتلال الحوثيين لليمن والانقلاب على الشرعية بدعم إيراني، إلا جزء من خطة التنسيق الإيراني الأمريكي. وهنا يبرز تساؤل استنكاري، إذا كانت الجماعة الحوثية حركة تمارس الإرهاب والعنف، لمَ لم يتم تصنيفها كجماعة إرهابية؟ ولماذا تقوم الولايات المتحدة فقط بقصف مواقع القاعدة في اليمن؟ هل لأنها محسوبة على التيار السني وأنها تقف أمام الزحف الحوثي! لقد أضحت الأمور واضحة كالشمس في رائعة النهار، في أن الولايات المتحدة ترى في إيران وأتباعها الأداة الأنجع للقضاء على الإسلام السني الذي يتناقض معها ثقافيا ويتحداها فكريا ويشكل خطرا كبيرا على نفوذها في المنطقة. لقد انكشف نفاق إيران السياسي وطائفيتها البغيضة حين تقول ما لا تفعل وتتشدق بالوحدة الإسلامية وهي الأبعد عن ذلك.

إنه زمن القوة والاستعلاء، حتى أن الديمقراطية أصبحت تفرض بالقوة! فقد بات من يملك القوة كأنه هو من يملك الحق! وهكذا انقلبت الموازين وتبدلت المسميات حتى أسموها فوضى خلاقة، حيث لا أحد يعلم ما الصح وما الخطأ ويختلط الحابل بالنابل. وإذا كان يحق لهم كتابة تاريخهم ورعاية مصالحهم فعلينا أن نبادر إلى عمل ما يحفظ حقوقنا الوطنية، وألا نقف مكتوفي الأيدي في انتظار ما سيعملونه ومن ثم الاكتفاء بردود أفعال وقتية. إن المبادرة بوضع مشروع استراتيجي يرسم خريطة الطريق للأمة الإسلامية ويخرجها من هذا النفق المظلم مهمة صعبة للغاية، ولكن حتمية. وإذا كان قدر السعودية أن تكون في مركز القيادة فإنه يقع على عاتقها العمل على توحيد الجهود الإسلامية ونبذ الخلافات الهامشية، والدعوة إلى وثيقة إسلامية تحدد ملامح الطريق وآليات النهوض بالمجتمعات الإسلامية. إن السعودية بتمتعها بالمكانة والاحترام من جميع الدول الإسلامية مهيأة لتلعب دورا جوهريا في تحويل مسار الأحداث في المنطقة بما يخدم مصالح المنطقة ذاتها. ولذا كان ينبغي إعادة النظر في التمويل السعودي الخارجي السخي وتوظيفه ضمن هذه الخطة الإستراتيجية حتى تؤتي أكلها في المديين القصير والطويل. هذا المركز القيادي للعالم الإسلامي يمنح السياسي السعودي رصيدا من القوة والتأثير في التفاوض مع الأطراف النافذة والمساهمة في تقرير ما يجري. ولا بد في هذا السياق من لفت الانتباه إلى أهمية تعزيز لحمة الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية وتعميق مفهوم المواطنة من خلال تبني إصلاحات عميقة وشاملة في التنظيمات الحكومية، تفتح المجال للمشاركة في صنع القرار وإسهام المواطنين في جهود التنمية وتحمل مسؤوليات أكبر. هكذا نكون محصنين من الداخل والخارج، ونمتلك قوة التفاوض مع من لا يفهمون إلا منطق القوة وليس منطق الحق والحكمة والمصالح المشتركة. لا بد من حمل عصا غليظة وأفكار وأهداف كبيرة لنواجه التحديات، ونعالج المشكلات بطريقتنا. فهل نتدارك اليمن بالعمل الجماعي الإسلامي قبل أن تنزلق في حرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله، أو أن تسيطر عليها جماعة الحوثي الإرهابية، فتكون خنجرا في خاصرة الأمة؟