دورات الحوثيين الطائفية: حرب على هوية المجتمع

  

صورة من احتفالات الحوثيين في المولد النبوي

أمجد الأحمد  يكتب حول حول دورات الحوثيين الطائفية: حرب على هوية المجتمع


قبل 3 أعوام، تناقشت مع ضابط سابق في الجيش اليمني استقطبه الحوثيون إلى ما يسمى بـ”بالدورات الثقافية” في مكان ما غير معروف بالعاصمة صنعاء، وتحدث عن البرنامج اليومي الذي عرضوه عليهم، وعن ذلك المكان المجهول.

يقول الضابط حول دورات الحوثيين الطائفية وفقاً لمجلة “المنبر اليمني”: بدأ الحوثيون بعرض أفلام وثائقية عن الحرب في اليمن، ثم عن أمريكا وإسرائيل، وحقيقة نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح وعلاقته بأمريكا، وهي أفلام من صنع مخيلتهم الغارقة في عقيدة المؤامرة؛ لغرض فكفكة العقيدة الوطنية لدى ضباط الجيش، وسلخهم من هويتهم اليمنية، وإحلال هويتهم السلالية الوافدة من إيران.

ويتابع وفقاً لمجلة “المنبر اليمني”، أنهم شرعوا في هذه البرامج بعرض مكانة زعيم الحوثيين وعلاقته بنظرية “الإمام المجدد” لكل قرن، وهي نظرية تعتقد الميليشيا أن لكل قرن يأتي مجدد للإسلام من سلالة الهاشميين الفاطميين، غير أن الضابط اعترض حديث مشرف الدورة، وقال له: إذا كنتم تقولون إن حسين الحوثي هو المجدد، فكيف تقولون إن عبدالملك هو أيضًا مجدد؛ لأن المجدد لا يخرج إلا كل 100 عام؟

لم يجد المشرف الحوثي إجابة، كما قال الضابط، ولكن وجد أن لا فائدة من شخص يناقش ويعترض، فخرج الضابط وهو معتقد أن ما يجري في هذه الدورات هو غسيل لعقول الشباب، وترسيخ هوية الإمامة الخمينية بديلًا عن الهوية اليمنية.

تلك الهوية اليمنية التي أقامت حضارة قبل الإسلام على مبدأ التسامح الديني، فكانت في عهد الدولة المعينية ملجأ للطائفة اليهودية من اضطهاد المسيحيين، الرومان، بل وملجأ للمسيحية فيما بعد، وبعد الإسلام كانت حاضنة علمية للمذاهب والأفكار المتعددة، حتى كانت تلك البيئة أحد أسباب قدوم يحيى الرسي 284هـ، غير أنه انقلب على هذا البيئة المتسامحة بتجذير الصراع السياسي الدموي بعدما أعلن أن السلطة حقٌّ إلهيٌّ محصورٌ في سلالتهم.

استراتيجية الاستقطاب
يبدأ الحوثيون باستقطاب الشباب إلى هذا الدورات الطائفية من الحارات، وهي نقطة الانطلاق، فيقوم المشرف الثقافي في كلِّ حارة بتسجيل الأسماء حتى تكتمل القائمة المحددة، ويجمعونهم في يوم محدد، ويحملونهم في أحد الباصات، وينقلونهم إلى أماكن لا يعرفونها نتيجة لوجود ملصقات سوداء محاطة بزجاج الباص، فيجدون أنفسهم في المكان المخصص لإقامة الدورة.

يعزلون الشباب في هذه الأماكن عن أهاليهم تمامًا، ويأخذون منهم هواتفهم النقالة، ويبدأ برنامج الدورات، وهذه البرامج تختلف باختلاف نوعية المستهدفين، فإذا كان المستهدفون ضباطًا في الجيش يقومون بعرض أفلام حول ما يسمّونه “خيانة النظام السابق وعلاقة الحكومة الحالية بأمريكا واسرائيل”، وإذا كانوا خطباء مساجد يحرضونهم على حثّ المواطنين على “الجهاد في سبيل لله ومجاهدة الكفار والمنافقين”، وتصوير أن هذه الحرب هي مقدمة لتحرير فلسطين من اليهود، وإذا كانوا شبابًا يعطونهم لمحات عن الصراع التاريخي بين المسلمين ومظلومية الحسين، وأن ما يجري حاليًا من حرب ما هي إلا امتداد لتلك المعركة.

ومهما كان اختلاف المواضيع إلا أنهم في الأخير يعملون على توصيل هدفهم الأساسي، وهو ترسيخ دولة الحوثي القائمة على الولاية الهاشمية الفاطمية التي سعت إلى إقامتها السلالة منذ قدوم يحيى الرسي إلى اليمن، حتى تمكّنوا من إعلان الدولة القاسمية -أول دولة سلالية قائمة على “الإمامة”- وهي اليوم امتداد للمشروع الإيراني في المنطقة.

وقد ظهرت هذه الأهداف جليًا في تكرس مشروع الفكر والهوية الإيرانية، والسخرية من الهوية اليمنية في ملازم حسين الحوثي ومحاضراته، والتي يتم عرضها في الدورات الثقافية. وإلى جانب ترسيخ فكرهم المستمد من إيران، يعززون مفهوم “العَـلَم وقرين القرآن”.
يقول محمد عزان مؤسس الشباب المؤمن، وصديق حسين الحوثي -قبل أن يختلف معه ويفارقه-: “إن الأعلام في نظر الحوثي هم أشخاص مُعيّنون بأمر السماء ليكونوا قدوة المجتمع وحاملي راية الهداية فيه؛ لذلك يجب أن يلتفّ الناس حولهم، ولا يأخذوا العلم والهداية إلّا عنهم، ولا يلتفتوا إلى أحد سواهم مهما بلغ من العلم والمكانة. وهم نوعان: 1-الأنبياء، الذين يعينهم الله لحمل رسالاته. 2-أعلام يعينهم النبي لهداية الأمة وقيادتها، وهذه المهمة محصورة في سلالة الحسن والحسين.

ومُهمة هؤلاء الأعلام -وفقًا لتصورهم- هداية الناس وتعليمهم أمور دينهم، ومهما بلغ الإنسان من علم ودراية في أمور دينه فلا يمكن له معرفة الإسلام الحقيقي وتفسير القرآن الكريم ومقاصده إلا من خلال “العَلَم”، وهو ما يؤكّد تسمية الحوثيين لزعيمهم حسين، بـ “قرين القرآن”، أي إنه مترجم للقرآن، والسبيل الوحيد في هداية الناس إليه.

مفاهيم تكفيرية
ويعزز الحوثيون في هذه الدورات إطلاق صفة “المنافقين” على اليمنيين المناهضين لمشروعهم، وهي صفة أطلقوها منذ اندلاع الحرب 2015م، وجعلوها صفة رسمية في وسائلهم الإعلامية وخطاباتهم الرسمية، ولا تعني صفة “منافق” إلا أنها عملية تجريد اليمنيين من إيمانهم بالإسلام، وهي أعلى درجات الممارسات الإرهاب ضد المواطنين؛ إذ يترتب على هذه الصفة إجراء حربي في استباحة الدم والمال تحت (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم).
ويُصادف هذا الحشد من المفاهيم، مع إحاطتها بهالة من القدسية والتأثيرات التراجيدية في أقبية الدورات الطائفية، عقول شباب أقلّ تعليمًا، لا سيما في مناطق أقصى الشمال، فيعتقدون أن الحرب الجارية ما هي إلا صراع بين حق وباطل، وتسلب منه حرية التفكير والنقد، والنقاش والاعتراض، وحرية امتلاكه نفسه، فيندفع للحرب ضد إخوانه اليمنيين في المحافظات في سبيل مشروع هذه السلالة.

وأخطر ما في هذه الدورات أنها تنزع من المستهدفين الشباب هويتهم اليمنية المؤمنة بدينها الصحيح، وإحلال هوية سلالية بأفكار إيرانية، إضافة إلى استخدام الحوثيين لهذه الدورات وسيلة لتفكيك المجتمع اليمني، واستهداف تماسكه ووحدته؛ من خلال تعزيز الخلافات المذهبية، وإثارة الصراعات التاريخية بين المسلمين، والتهكّم على الرموز الإسلامية كعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، الذي يُعدُّ رمزًا مقدسًا لدى عامة اليمنيين، وهو ما يزرع حالة من التشظي في صدور المواطنين.

والخلاصة، فإن ما يسعى إليه الحوثيون من وراء هذه الدورات الطائفية هو إعطاب الهوية اليمنية في صدور الشباب، وتحويلهم إلى حالة من التيه في مسألة الهوية، وذخيرة في سبيل تكريس مشروع الولاية كبديل عن مشروع الدولة الجامعة، والاستمرار في القتال بهم في الجبهات؛ لمعرفة الحوثيين أنهم إذا لم يكونوا في حالة حرب مستمرة فسيكونون في تراجع مستمر.