غوص في أعمال محمد عبدالولي: شيء اسمه الحنين (1-3)

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: غوص في أعمال محمد عبدالولي: شيء اسمه الحنين (1-3)


مُنذ القدِم، ونحن اليمنيون نجيد فن الرحيل والترحال، وما من مكان حلَّ فيه الأجداد إلا وتركوا أثرًا خالدًا يَحكي للأجيال المُتلاحقة براعة ما صنعوا، لتبقى هذه الصفة لصيقة بنا كابرًا عن كابر، حتى جاء الأئمة من بيت «حميد الدين»، وأسلافهم. رفعوا من وتيرتها، وحولوها من سلوك اختياري إلى هروب اضطراري، وأضحت بفعل جبروتهم قضية اجتماعية شائكة، لها حضور لافت في موروثنا – الفني والأدبي – المُثقل بالاغتراب والمُعاناة.

يُحسب للعبسييْن: أيوب طارش، ومحمد أحمد عبدالولي براعة حفر أوجاع الغُربة والاغتراب في تراثنا الفني والأدبي، وتطبيب ذلك الجرح النازف بالكثير من الإبداع النبيل، وإنْ كان أيوب غني عن التعريف، فإنَّ صديقه أبا أيوب – ذو السيرة المُوجعة – معني بالتعريف، فهو ابنٌ لأحد الأحرار اليمنيين الأوائل – من أم حبشية، وأصوله ترجع إلى قرية «حارات» ذات التاريخ النضالي المُشرف.

مثـلَّ الأديب محمد عبدالولي، صاحب: «يَمُوتون غرباء، وصنعاء مدينة مفتوحة، والأرض يا سلمى، وشيء اسمه الحنين، وعمنا صالح، وريحانة»، نقطة أولى وفارقة في تصوير قساوة الغُربة، ومآلات الاغتراب، استحضر بروائعه المُغلفة بالحنين، والمُكتظة بالأنين، والمعجونة بِسُمرة الطين، وعرق الكادحين، وقائع قاسية لأحوال أبناء بلده – في الوطن وفي المهجر على السواء، فكان بحق تُرجمان مُعبر، ومرآة صادقة للأرض العطشى، للرجل المُكافح، للمرأة الضعيفة القابعة في خانة الاحتياط، والمغلولة بقيد الانتظار.

كان عدد سكان «المملكة المُتوكلية» بعد خروج الأتراك من اليمن لا يتجاوز السبعة ملايين نسمة، وقيل أقل من ذلك، مئات الآلاف منهم قضوا نحبهم بفعل المجاعات، والأمراض، والحروب التي لم تتوقف، و«1,200,000» منهم تفرقوا في أغلب بلدان الله – هروبًا من ذلك الجحيم، وهكذا تناقص سكان اليمن، ووصل عددهم إجمالًا إلى حوالي ثلاثة ملايين نسمة «1948م»، وما يجدر ذكره أنَّ أكثر من قرروا الهروب جعلوا من الحبشة محطة مُؤقتة للبقاء، ووصل عددهم فيها إلى حوالي «500,000» نسمة. أنشؤوا في عاصمتها – في ذات العام – مدرسة كبرى، وتخرج منها آلاف الطلاب، كان الأديب محمد عبدالولي أبرزهم.

ولد محمد عبدالولي في مدينة «دبرهان» الأثيوبية «12 نوفمبر 1939م»، وفي منطقة «سدس كيلو» تحديدًا، أمضى السبع السنوات الأولى من عُمره القصير فيها، ثم كانت عودته الأولى إلى الوطن «1946م»، وبمعنى أصح زيارته الأولى، والتي استمرت لعام واحد، تبعتها عودة إلى الحبشة، ليُيمم بعد أنهى المرحلة الإعدادية – في المدرسة المذكورة أنفًا – خُطاه صوب القاهرة «1955م»، وفي «مدرسة المعادي» درس الثانوية، وشارك في تأسيس أول رابطة للطلبة اليمنيين التي انعقد مُؤتمرها التأسيسي في العام التالي.

وفي مُنتصف العام «1959م» طُرد مع «24» طالبًا من مصر بتهمة الانتماء إلى الشيوعية، كانت «موسكو – روسيا» وجهته التالية، وفي «معهد غوركي» للآداب درس لمدة عامين، ليعود بعد قيام الثورة السبتمبرية المُباركة إلى أرض الوطن، وفي قريته تزوج من إحدى قريباته، وأنجب منها بلقيس، ثم أيوب، وعمل مديرًا عامًا للطيران اليمني، ثم مديرًا عامًا لمكتب رئاسة الجمهورية، ثم قائمًا بأعمال السفارة اليمنية في موسكو، وبرلين، ومقديشو، ليتفرغ بعد ذلك لتأسيس دارًا للنشر في مدينة تعز.

محمد عبدالولي سيرة طافحة بالمُعاناة، ومسيرة حافلة بالتميز، شغلت كتاباته السردية الساحة اليمنية في حياته، وبعد مماته، وما زال صداها حتى اللحظة، فاستحق بجدارة أنْ يكون رائد القصة اليمنية الحديثة، ولم تكن هذه الصفة التي تلحق باسمه دائمًا اعتباطية، أو من باب إضفاء الألقاب على من لا يستحقها، وإنَّما كانت – كما أفاد عبدالعزيز المقالح – تقريرًا عن حقيقة يعترف بها الجميع، فهو الذي وضع الأسس الحديثة في هذه البلاد لكتابة قصة ذات أفق جديد في أسلوب القص، وفي التقاط مُعطيات الواقع من خلال رؤية فنية ولغوية توحي أكثر مما تخبر، وتتعامل مع الرمز من أرقى مُستوياته.

بلا تنظيرات زائفة، بلا تحيزات مُستفزة، بلا بُكائيات مُقرفة، بلا بهرجات لفظية، بلا فسيفسات شكلية، بلا رومانتيكية حالمة، صنع محمد عبدالولي عالمه الروائي الخاص، المُنتمي للأرض، للإنسان، والممزوج بحسرة الشوق، وبعثرة الغياب، وألفة الأمكنة، وغيم الصمت، ورذاذ الحزن، وهذيان الحواس، والمسكون قبل هذا وذاك بأوجاعه، وبالكثير من تعب العمر، ورغم أنَّه يساري الفكر، ليبرالي النزعة، غابت في أعماله الإملاءات الايدلوجية، وحضرت الهوية الوطنية الصادقة، والذات اليمنية الخالصة، وشيء من ماضٍ جميل.

قدم كل ذلك باعتزاز بالغ، ولهجة أنيقة، وهذا الأستاذ بطل قصته «الدرس الأخير»، لم يُحدث طلابه عن الأشياء التي كُتبت في الكتب المدرسية، وإنَّما قال لهم أشياء جديدة عن حضارات قديمة، عن أصالة شعب صنع حضارات، وبنى سدودًا، واقام في بلاده جنة صغيرة، صنع اليمن السعيد، ومن التاريخ القديم عاد ذلك الأستاذ إلى الحاضر، وبهدوء تحدث أكثر فأكثر عن بلاده المُقسمة إلى شمال وجنوب، لتتكرر نفس المُقارنة المُؤلمة في قصة «شيء اسمه الحنين»، وقال على لسان أحد بطليها: «المناطق عالية فوق جبال حراز، من هنا انطلق يومًا الصليحيون، وأصبحت اليمن واحة خضراء، ولكنها عادت من جديد إلى الجدب، ولم يعد هنا صليحيون آخرون».

اتخذت الغربة في أعمال محمد عبدالولي – كما أشار عُمر الجاوي – طابعًا فلسفيًا ونضاليًا من أجل الثورة. انتقدها كسلوك؛ على اعتبار «أنّها حياة لا تستحق أنْ تُعاش»، وأدان بعض أبطالها بشدة، وهذا عبده سعيد بطل روايته «يموتون غُرباء» – مُجرد كائن بلا معنى، لم يترك شيئًا طيبًا في حياته، ولم يقدم لبلده شيء، سوى امرأة وحيدة، ليموت في النهاية غريبًا، بعيدًا عنها وعن وطنه، حتى الطبيب الإيطالي الذي عالجه لم يتعاطف معه بتاتًا؛ بل قال في حضرة جسده المُلقى: «لقد تركوا أرضهم، بلادهم، وأهلهم وراء لقمة العيش، إنَّهم يموتون جريًا وراء اللقمة قبل كل شيء.. هذا ما يفكرون فيه».

وعلى لسان «أبو ربية» بطل إحدى قصصه، حضر النقد اللاذع، والتبرم المُؤلم: «كل اليمنيين ليش يهاجروا، هم خوافين، ما قدروا يجلسوا في بلادهم، وهربوا منها، خلوها للملاعين، آه أنت ما تعرف بدأوا بالهجرة من ألف سنة، يمكن أكثر، قالوا سد مأرب تهدم ومن هدمه فأر صغير، شوف كذابين، هم هدموا السد بفسادهم، ما قدروا يبنوا سدود ثانية، هربوا..».

وفي مكان آخر تتعاظم الغربة النفسية والجسدية عند بطل قصته «على طريق أسمر»، ليقول في لحظة تذمر: «اليمن لقد نسيتها، إنني انتظر الموت فقط.. لن يعرفني أحد هناك إذا عدت.. لا أحد بقي معي هناك.. لن أعود.. قد يعود أبنائي يومًا ما، إذا ما عرفوا أنَّ أباهم كان غريبًا.. وقد لا يعودون.. قد يظلون مثلي غرباء». وهذا مغترب آخر أقل يأسًا، يستمع بشجن لأخبار بلاده عبر إذاعة «صوت العرب»، وردد: «الراديو يذيع حديثًا عن قضية اليمن. ما أحلاها، وما أبأسنا هناك.. وهنا».

وتحضر في قصة «اللطمة» قسوة الأب المُغترب غير المُكترث لحال أولاده المُقيمين معه أصلًا، والذي خاطب أحدهم بمن قائلًا: «يا ريت كان معانا آباء يعلموننا.. أحمد ربك أنك تروح مدرسة كل يوم، وتحصل واحد يؤكلك ويشربك، ويدفع لك فلوس حق المدرسة، لما كنا في مثل سنك كان الواحد منا يشقي ويؤكل أهله… يا شيخ سبنا بلادنا، وأجينا بلاد الناس نشقي ونتعب؛ كله من شان نطلعكم رجال».

وفي الداخل حضر صدى صوت محمد مقبل في مُخيلة نعمان بطل رواية «صنعاء مدينة مفتوحة»، والذي هم لتوه بمغادرة قريته الصغيرة: «لا تنسوا.. أنَّ هذه الأرض.. لن تنفصل عنكم مهما هربتم.. إنها جزء منكم تُطاردكم.. ولا تستطيعون منها فكاكا.. أنتم يمنيون.. في كل أرض.. وتحت كل سماء..».

وفي الداخل أيضًا ثمة مآسي كثيرة عاد بها بعض أولئك الهاربين، ولا أقسى من عاهة مُستديمة استوطنت جسد أحدهم، وحولته إلى شبح كالح، وبقايا روح مهزومة لا تعرف للأمل طريق. حينها وجدت تلك الزوجة المكلومة المُترقبة عودة زوجها الغائب نفسها أمام وضع بائس لا يطاق، وهي من كانت تحسب الساعات، وتعد الليالي شوقًا وانتظارًا لتلك اللحظة، وهنا انطفأت رغباتها المُؤجلة، وتكررت همساتها بحزن: «ليته لم يعد»!!.

في قصص محمد عبدالولي عن الغربة صرخة ألم، وبحث عن الذات، ودعوة للبقاء، للعودة، فالوطن على لسان مُغترب هده البُعد: «هو ذلك الذي تستطيع أنْ تغير فيه.. أنْ تستنبت فيه أشجارًا جديدة، أنْ تمنحه ويمنحك الحب. الوطن ليس هنا.. لقد كُنت مُخطئًا.. إنَّه هناك، حيث تعمل، وتكدح، وتفكر»، وعلى لسان مُقيم يائس بات يُفكر في الهروب: «بلادنا ليست لنا، هذه حقيقة تاريخية.. إنَّ لعنة ذو يزن تُطاردنا، وستظل تطاردنا.. نحن غزاة غيرنا، سيوف غيرنا، بناة بلاد أخرى».

وتتوالى التبريرات: «نحن اليمانيين مكتوب علينا أنْ نهاجر ونهاجر.. »، و«هذه الجبال اللعينة عليها أنْ تُسحق، أنْ تذوب؛ لأنَّها لا تحمي إلا من يماثلها في الكآبة والفراغ، جرداء هي وجبالها، وجرداء هي عقولها وعواطفنا.. ماذا نستطيع أنْ نعمل؟ طاحونة هائلة تبتلع وتبتلع، لا أمل سوى أنْ نذهب بعيدًا، لعلنا هناك نستطيع أنْ نعمل..»، و«أعرف أن الجميع سيقولون لقد هرب.. لقد تخلى.. لقد انتهى.. ولكني أقول: لم أهرب، ولم أتخل لأنني لم أبدأ بعد!».

ليحضر بعد حوار طويل صوت الصديق الناصح: «ولكن كل هذا ليس مبررًا لليأس، أنْ تفشل مرة أو مرتين أو عشرًا لا يعني أنْ تتخلى.. أنْ تهرب..»، وأضاف: «هكذا نحن.. هناك سر ما في بلادنا هذه.. أنا معك جرداء وقاحلة، وأنَّ الأمل في أنْ لا يقتلنا هؤلاء الذين لا قيمة إلا لبندقياتهم، ولكن لا نستطيع هكذا الخلاص منهم بسهولة، هناك قدرٌ ما يربطنا بهم ولا نستطيع منهم فكاكًا»، وأردف: «هناك في أمريكا أو أوروبا نحن لا نستطيع أن نكون مُتخلفين مهما كانت ثقافتنا. أما هنا فإنَّنا نحن الواقع لأننا المُستقبل».

وحين لم يستطع هذا الصديق الصدوق أنْ يثني رفيقه عن الرحيل، عن الهروب، خاطبه بإلمام عميق: «في أعماق كل واحد منا شيء اسمه الحنين، إننا نهرب ونغيب، ونلعن كل ما هو حولنا، لكن الحنين يتغلب، وفي النهاية ستعود يومًا ما، لا أدري متى؟».

محمد عبدالولي

عناوين قد تهمك: