بَراقش: فاتحة الحضارة وحامية القوافل

  كتب: بلال الطيب

بَراقش: فاتحة الحضارة وحامية القوافل


تمرغت في سكون الصحراء، حتى وجدت نفسي أمام حشد من حضارة هائلة، استنهضت في مُخيلتي لحظات مُرور القوافل المُحملة بالبخور واللبان، جذبني الماضي إليه، أدخلني في صميم صفحاته المزدحمة، تعمقت فيه كثيرًا، قرأته ككتاب شيق، وتأملته كفيلم فنتازي يُعرض لأول مرة.

بدت لنا في الأفق براقش، تُعانق السماء، وتربض بشموخ وكبرياء، كتاج مرصع بالعقيق والعسجد، على رأس ربوة دائرية قطرها سبعمائة متر، مصنوعة من طين، ومأخوذٌ لونها من لون ما حولها من رمال، لها هيبة الملوك، وعظمة الفرسان، ومتانة الأرض التي غرست عليها، وروعة التاريخ الذي لم تكتب تفاصيله بعد.

استمرت رحلتي دون توقف، بين جنبات تاريخ حي مهيب، هو باعتقادي الأكثر أثرًا وآثارًا، استقيت من لفحات أسراره، عبق الماضي، وقداسة المُستقبل، وقلت في خاطري: هذا أنا يأخذني هذا المكان وبقوة، وأنا ابن البلد، فكيف بالسائح والزائر الأجنبي.

المكان مُزدحم بكل ما هو قديم، مكتظ بحكايا بدأت تتسرب للتو من بين الأطلال، تتحدث بنبرة تباهٍ عن عبقرية يمنية لن تتكرر، لم يسعني أمام ذلك الحشد إلا أن استأذن الزمن لأغوص في تفاصيل كانت حاضرة، ولم تذهب بعيدًا، مُسترشدًا بقول الشاعر علقمة ذوجدن:
وبراقش الملك الرفيع عمادها
هجر الملوك كأنها لم تهجرِ

إذا كان وما يزال لكل شيء استثناء، فإن براقش «هجران – يثل» – كما هي تسميتها في النقوش اليمنية القديمة – أحدها؛ لأنها بحق مدينة عريقة شهباء، سايرت الأزمنة، ودفنت الملوك، وما تزل حية ترزق، وعصية على السقوط.

وسر التسمية كما تفيد الحكايا الشعبية، هو سر سقوطها، فبراقش في الأصل اسم لكلبة عديمة الوفاء، دلت الأعداء ذات زمن على اقتحام المدينة من شربها من إحدى آبارها، حيث تسرب صوت نباحها عبر أحد الأنفاق السرية، فكان الدليل الذي قاد الأعداء إلى نصر مُحقق، كما هو الأمر مع حصان طروادة الشهير، مع اختلاف يسير في الحبكة والدراما.

فيما يرى أبو محمد الحسن الهمداني في كتابه «الإكليل» أنَّ اسم براقش جاء متأخرًا، ويعود إلى ما قبل الإسلام بزمن يسير، ويتساءل في ذات الكتاب: لا ندري كيف تحول الاسم إلى براقش، إلا أنَّه عاد وسرد القصة السابقة، مُستدلاً هذه المرة بالمثل العربي الشائع «جنت على نفسها براقش»، وبراقش في علم العربية من أسماء أنثى الكلاب.

كانت براقش ذات زمن حارسًا منيعًا وموثوقًا للقوافل التجارية التي جابت الصحراء، ومحطة أخيرة لمرورها على ظهر الجغرافيا اليمنية، فيها استراح المسافرون، وأمن سكانها من أي اعتداء؛ لأنها كانت وما تزال مُحاطة بأسوار جبارة يناطح شموخها السنين، وهي وبشهادة كثير من المُهتمين تعتبر من أكمل الأسوار الباقية في المدن اليمنية القديمة، ويصل ارتفاعها في بعض الأجزاء إلى ثمانية أمتار، تتداخل بـستة وخمسين برجًا، يبلغ أقصى ارتفاع لها حوالي «14» مترا، هي جل ما تبقى واستعصى على قهر الزمن، من أصل خمسة وسبعين برجًا كانوا يحرسونها من كل الاتجاهات.

كانت براقش عاصمة المعينيين الأولى، ثم تم تحويلها إلى عاصمة ثانية ودينية أيضا، حج إليها قدماء تلك الدولة العريقة وملوكهم، وقد صور الشاعر ذو جدن ذلك المشهد بقوله:
وقد أسّوا براقش حين أسّوا
ببلقعة ومنبسط أنيق
وحلوا في معين حين حلوا
بعزهم لدى الفيح العميق

براقش مكتظة بعديد معابد أثرية، أشهرها معبد «الإله نكرح» حامي المدينة، وهو الذي اكتشفته البعثة الإيطالية بداية تسعينيات القرن المنصرم، بعد أن أجرت حفريات أثرية برئاسة البروفيسور اليساندرو ديميغري، وقامت نفس البعثة بترميم هذا المعبد على مرحلتين، الأولى خلال عامي «1991 – 1992م»، والأخرى – وهي الأهم – خلال عامي «2003 – 2004م»، وبتمويل من وزارة الخارجية الايطالية، وبإشراف معهد الأبحاث الايطالية للدراسات الشرقية والإفريقية في روما، والمركز الإيطالي اليمني للأبحاث في العاصمة صنعاء، كما قامت ذات البعثة بترميم معبد «نقرة».

ويعد معبد «نكرح» ثاني معبد تاريخي يجري الإعداد لفتحه أمام الزوار، بعد فتح معبد «بران» المعروف بعرش بلقيس، كما يعتبر من المعابد ذات الطراز المعماري المميز، فالجزء الأكبر من هياكله مستند على قاعدة كبيرة مُغطاة بسقف يستند على أعمدة، وهذا النموذج من المعابد ظهر أيضاً في حضرموت، وفي مدينة «ريبون، ومكينون» في أثيوبيا، وهو من المعابد الجميلة والمُكتملة، والذي سيكون له دور كبير في الترويج السياحي لهذه المحافظة الواعدة إذا ما استغل بشكل سليم.

ومن المعابد الشهيرة في مدينة براقش معبد «يمثل» ذو النمط المعماري المعيني القديم، والمصحوب بأعمدة رأسية وأفقية، وصل عددها إلى نحو «16» عمودًا، فيما يعتقد أحد الباحثين بأنه كان معبدًا للمعبود «عثتر»، ويوجد معبد آخر في وسط المدينة يشاهد منه أربعة أعمدة فقط.

من أسوار براقش المنيعة، ومعابدها المشبعة بالبأس النفسي، استمد المعينيون قوتهم، وانتصروا على دولة سبأ، حتى امتدت رقعة دولتهم السياسية لتشمل اليمن والحجاز وفلسطين، ومن موقعها المُطل سيطروا على طريق اللبان والبخور، ليعيشوا بعدها في طفرة مادية شواهدها باقية على طول وعرض صحراء وأودية الجوف، عرضة لنباشي القبور، ولصوص الآثار، وبراقش بالذات كانت الأكثر رخاءً وانتعاشًا، فآلاف الحجيج كانوا يتوافدون إلى معابدها من كل حدب وصوب، وقد حددت أكثر المراجع التاريخية تلك الفترة الذهبية في الفترة من بداية القرن السابع حتى نهاية القرن السادس قبل الميلاد.

وبما أنَّ دوام الحال من المحال، دخلت براقش بعد ذلك في مرحلة مظلمة؛ خاصة بعد أن انتهت مملكة معين، وسيطر عليها البدو والرحل، وقد احتلها عنوة القائد الروماني اليس غاليوس أحد قادة الإمبراطور أغسطس، خلال حملته العسكرية على اليمن السعيد ما بين العامين «25 – 24» قبل الميلاد، كما أفاد المستشرق استرابون، كما يعتقد الباحثون والخبراء أنَّ تلك الحملة، وقبل أن تصل إلى مأرب، وتخفق على أبوابها، دمرت مدن الجوف قاطبة، ومنها مدينة براقش، هجر الأخيرة سكانها، وبقيت على هذا الحال حتى أعيد بناء جدرانها في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي .

أما في العصر الإسلامي فقد سكن براقش الإمام السفاح عبد الله بن حمزة، وأعلن منها دعوته «583هـ/1187م»، وبنى فيها مسجده المعروف باسمه، وتحصن بها من غارات ولاة الدولة الأيوبية، قبل أن يبني حصن «الظاهر» المعروف بظفار ذيبين، ومن بعده استوطن المدينة «آل جرفيل»، وهي أسرة علوية تنتمي للإمام قاسم العياني المقبور في مديرية حرف سفيان، وكان ثمة محاولة – كما تشير الذاكرة الشفهية – من قبيلة «الفقمان – نهم» للسيطرة عليها، إلا أنَّها باءت بالفشل، ولم تسجل في الزمن الحالي أية محاولات مُشابهة.

وقبل الرحيل، خُيل لي أن ثمة مدناً كثيرة تشبه براقش أو بمعنى أصح ما تزال مُستعصية على أيادي العبث والإهمال، وعوامل التعرية التي لا ترحم، وحين تواردت الإجابات بغير ذلك؛ خيمت على رأسي فصول من الكآبة، ووجع الحسرة، فالعابثون كانوا أشد ضراوة، وتأكيدًا لهذه الحقيقة أجمع كثير من المُهتمين على أن براقش أحسن حالاً من مُدن الجوف الأثرية الأخرى، فبقاياها حتى اللحظة ما تزال واضحة المعالم، ولم تتعرض للنبش العشوائي، والتخريب بشكل كبير. (مؤخرا تمترس الحوثيون فيها وجعلوها عرضة لقصف طالما من التحالف حسب زعمهم).

وأنا أودع الجوف، خاطبت براقش: نعم هناك ما يشبهك؛ ولكن في مدونات التاريخ، وهي الآن مجرد أطلال وخرائب تتناثر هنا وهناك، وجميعها بحاجة ماسة لمزيدٍ من العناية والاهتمام، والترويج المنظم، حتى تحظى بالزيارة والاكتشاف، من أجل إنعاش واقعنا السياحي الراكد.

– صحيفة الجمهورية
– 2009

عناوين قد تهمك: