كورونا والعنف المنزلي: خيار العيش بنصف أسرة!

  

كورونا والعنف المنزلي - العيش بنصف أسرة

تقرير نورا الظفيري حول تأثير فيروس كوفيد19 على واقع الأسر في اليمن –  كورونا والعنف المنزلي: خيار العيش بنصف أسرة..!


“كانت حياتي معه مشاكل دائماً، يخلق من الأشياء التافهة مشكلة، يشتم ويضرب، دائماً يعايرني أن أبي وأمي منفصلين، وكأن هذا عيب في حياتي، ويمن عليّ بقوله (أنا أكلتك، شربتك، سكنتك) وكأن هذه الأشياء ليست من واجباته” تقول: (أ.م)، (36 عاماً).
وتضيف “زاد المشاكل عليا كثير مع أزمة كورونا والحجر الصحي وتوقف المدارس، خصوصاً لأني كنت بدرس دروس خصوصية بحكم أني خريجة جامعة وكنت مدرسة قبل الزواج، كان دخلي من الدروس أصرف على البيت وهو يقوم بدفع الإيجار وباقي الراتب في قات ودخان”.
(أ.م) وهي أم لطفلين وحامل بطفل ثالث تتابع حديثها: “في هذه الفترة أصر زوجي على حملي بطفل جديد، وكنت بداية حملي مريضة جداً، وما كان يقدر حالتي، ويطردني من غرفة النوم والمجلس ويغلق الأبواب، ويرفع صوته ويضربني ويدهفني حتى يسقط مني البي بي، يقول: “خلاص ما عاد يشتي الطفل الذي في بطني ضروري ينزل”، وأن أذهب للطبيبة لإنزاله، وأخبرها بأن هذه رغبتي، رافضًا الذهاب معي ليخبرها هو بذلك ومهددًا لي إن لم أفعل.
وتقول (أ.م): ” كنت وأطفالي لا نملك أي غذاء في البيت وليس لدينا مال، وكان يتعلل بعدم حصوله على فلوس، إلا أنه كان يأكل ويشرب في الخارج، ويعود للبيت وهو مخزن (يمضغ القات).
وتتابع “كسرني نفسياً وكنت أقول أصبر عشان أطفالي عادهم صغار، إلا أنه زاد في تعنيفه وضربه لي، ما جعل الجيران يتدخلون بيننا للصلح، ونصحه، وأعتبر تدخلهم هو طلب مني أنا، وزاد في تعنيفه، رغم أن تدخلهم جاء بعد سماعهم للصراخ والضرب كل يوم”.
لم تنسى (أ.م) مساعدة جيرانها في مدها بالأكل والماء، والبطانيات، بعد أن أخذ زوجها أثاث الشقة بالكامل، وجلست مدة أسبوع هكذا دون أي فراش بالمنزل، وتستطرد بالقول: “كان وقتها يرسل لي رسائل تهديد ووعيد، بعدها ذهبت إلى بيت أهلي، أكتشف أنه طلقني وإرسال ورقة طلاقي إلى صديقتي وأهلي عبر الواتساب”
بحرقه تقول (أ.م): “كان يعاملني بقسوة ومهمل لي ولأطفالي، وكان أهلي ينصحوني بالانفصال عنه، وكنت أرفض لأحافظ على بيتي وأطفالي من التشرد، حتى أني بعت ذهبي لأجله، لما جاءت أزمة كورونا وتوقفت عن تقديم الدروس، لم يعد لدي أي مال لأمنحه، زاد في تعنيفه، وتركني على البلاط ” بين لحظه صمت وغصه قالت: “ما يستأهل حتى يكون اسمه زوج”.
وأثناء الحديث المتواصل لها وقفت وأصبح الصمت والدموع وليد اللحظة، لتكسر ذلك بقولها: “صعب أخلف وليدي وأعطيه لكي يتحمل مسؤوليته” تدخل في نوبة بكاء وتواصل: “أنا الذي بيألمني أولادي، إن أعطيتهم له”، وبين غصة الدموع تقول: “الله يتولى أولادي من عنده وهو أرحم بهم”.

العنف الاسري وجائحة كوفيد -19
وفي بيان صادر عن المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، السيدة فومزيلي ملامبو-نكوكا في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، رأت أن هناك رابط وثيق بين جائحة كوفيد-19 وتصاعد العنف المبلّغ عنه بجميع أشكاله والتي وصفته بالجائحة المستترة”.
وأوضحت فومزيلي “الفرق بين الطريقة التي تستجيب بها مجتمعاتنا وخدماتنا العامة إلى الأشخاص المصابة بمرض يهدد الأرواح والطريقة التي تستجيب بها إلى المواطنات الساعيات للحصول على مساعدة بسبب شركائهن الذين يشكلون خطرًا على الحياة أو الصحة”.
ووصفت فومزيلي في البيان “عنف الرجال ضد النساء جائحة أيضًا، أنها تسبق جائحة الفيروس وستسمر بعدها، وهي تتطلب أيضًا استجابتنا العالمية المنسقة ووضع بروتوكولات قابلة للفرض، كما أنها تؤثر على عدد هائل من السكان من جميع الأعمار ففي عام 2019 م، تعرضت 243 مليون امرأة وفتاة لعنف جنسي أو جسدي على يد الشريك”.
وكما يشير التقرير الصادر من منظمة الصحة العالمية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة, العنف ضد النساء والفتيات عملية جمع البيانات خلال جائحة كوفيد -19 “أن العنف ضد النساء والفتيات زادتلا وتيرته خلال جائحة “كوفيد -19″.

ومن المرجع أن تؤدي التدابير المتخذة لتصدي للجائحة والحصول على الخدمات، إلى زيادة مخاطر تعرض النساء والفتيات للعنف، ومن الأمثلة على ذلك فقدان المرأة لسبل كسب الرزق أو الدخل وتقييد فرص الحصول على الخدمات الأساسية”.
“تقييم الأثر الناتج عن كوفيد-19في المنطقة العربية, فأن من المتوقع خسارة 700 ألف وظيفة تشغلها نساء، حيث تعمل في القطاع غير النظامي نسبة 61.8% من النساء العاملات بشكل عام, وفي ظل التوقعات بأن الضرر هذا القطاع بصورة مباشرة من جائحة كوفيد -19, فسوف تكون المرأة أيضاً أول المتضررين” وفقاً لتقرير الأمم المتحدة للمرأة آثار جائحة كوفيد-19.
ويشير تقييم سريع لهيئة للأمم المتحدة للمرأة أن عدد من النساء يشعرن بعدم الأمان في منازلهن ومن بينهن امرأة واحدة على الأقل من بين خمس نساء التي شملتهن الدراسة عن خوفهن من العنف المنزلي (من قبل الزوج أو أحد أفرد الأسرة) وأن نسبة 37.5% من النساء في اليمن يشعرن بعدم الأمان في المنزل.

شتى أنواع العنف
من جانبها تفيدلـ”نشوان نيوز”، الدكتورة جيهان النزيلي، أخصائية نفسية “أن العنف الأسري زاد بسبب التقارب الاجتماعي داخل الأسرة أثناء فترة حجر كورونا، بحيث أن الفراغ الحاصل داخل الأسرة بسبب الحجر لم يتم استثماره في أنشطة أسرية داخلية ولكن اجتمعت الظروف الاقتصادية السيئة وخسارة بعض أرباب الأسر لأعمالهم في زيادة عصابيتهم وسوء مزاجهم ولذلك انعكس التفريغ الانفعالي على المرأة والأولاد”.
وتصف الدكتورة النزيلي المرأة بأنها النصف الثاني للمجتمع، وبدونها لن يكتمل النمو أو تستمر الحياة، وتضيف: مع هذا تتعرض المرأة لشتى أنواع العنف كعنف نفسي أو مادي، وهناك عنف داخلي وعنف خارجي، وتتفاوت درجات التحمل من المرأة إلى أخرى حسب أساليب التنشئة الاجتماعية التي تعرضت لها”
وأوضحت النزيلي أن هناك أساليب للعنف، أولها التمييز النوعي بين الذكور والاناث في الأسرة الواحدة، وينتج عنه مشكلات يبني عليه عنف أسري وعنف زوجي وعنف الأبناء وعنف المجتمع بشكل عام، وحين تعنف المرأة في الجوانب السابقة تنعكس نفسيتها على من حولها وتبدأ المشكلات والانتهاكات وتحدث الجريمة وتهمل الأسرة ويضيع الأبناء بين قطبي الأب والأم.
وترى الدكتورة النزيلي بأن هناك تعنيف يلحق المرأة سوءاً المطلقة أو تلك غير المتزوجة، التي ينظر إليها المجتمع بنظرة دونية وأنها ليست إنسانة طبيعية لأنها لم تتزوج في وقت مبكر، كما تعنف المرأة العاملة في بعض المؤسسات حيث يتم اختلاس حقوقها وتجهيلها في الثقافة التنظيمية لتلك المؤسسة، وتعنف المرأة كذلك وأن بلغت من المراتب العلمية الكبيرة حيث يتم استبعادها من المراكز المرموقة، وتنحيتها “بحجة أنت امرأة”.

كوفيد-19 والقانون اليمني
المحامية شرين المريري تقول بأن “أزمة كورونا أدت إلى التأخير في النظر بالعديد من القضايا بسبب إغلاق المحاكم، مما أسهم في الأضرار بالمرأة خاصة في قضايا النفقات والحضانة، وأن هذا مكن الأزواج من عدم تنفيذ القرارات المتعلقة بتسليم الأطفال والنفقات مما أثر سلباً على نفسية الأم”.
وتشير المحامية المريري إلى “أن الشريعة الإسلامية قد كفلت كافة الحقوق للمرأة، وأن هناك نصوص قانونية ضمنت حق المرأة في المطالبة بحقها، إلا أن نظرة المجتمع تجاهها، إلى جانب العادات والتقاليد تقوم بتقييدها للمطالبة بحقها، وتتعرض للكثير من الاهدار لحقها”.
وتتابع المريري “أن أبرز ما تعانيه المرأة اليمنية، عند قيامها برفع قضية إلزام الزوج بنفقتها طيلة تركها حتى تاريخ الدعوى فقد ظلمها القانون اليمني، لان المادة تنص على أنها لا تستحق الا نفقة سنه واحده فقط، وبذلك فلا يتم الحكم لها ببقية السنوات التي تركها زوجها إهمالاً وتنصلاً عن واجبه الشرعي”.

وتضيف “حتى لو تم الحكم لها بنفقه لا يتم مراعاة احتياجها، وإنما يتم النظر إلى حال الزوج الذي بدوره يقوم بتزوير دخله الحقيقي ويسر حالة فقط من أجل عدم الحكم لها بنفقه تغطي كافة احتياجاتها ومتطلباتها الضرورية”.
وتشير المحامية شرين “أن المرأة تعاني من عدم تسليمها لوثيقة الطلاق، في حالة قيام الرجل بطلاقها دون تسليم ورقة، وهنا تتحمل المرأة مسألة أثبات الطلاق، خاصة إذا تم بدون حضور شهود وتمرد الزوج عن حضور الجلسات فمن الصعوبة عليها أن تواصل دعواها مما يضطرها إلى ترك قضيتها وعدم استكمال السير في إجراءاتها”.
وتطالب المريري “أن يتم تشريع نص قانوني صريح بعدم قابلية الاحكام الشخصية المتعلقة بالحضانة والفسخ للاستئناف واعتبارها أحكام نهائية”.
النساء المعفنات والمساحات الآمنة
وتقول فهمية الفتيح مسؤولة الإعلام والتواصل بصندوق الأمم المتحدة للسكان “أن وضع النساء والفتيات في اليمن متدهور منذ بداية الصراع لكن مع جائحة كورونا أصبح الوضع مأساوي أكثر، وأن الصندوق يقود جهود تنسيق وتوفير خدمات الحماية المنقذة للحياة في أنحاء اليمن، حيث وصل خلال هذا العام لأكثر من مليون امرأة وفتاة من الناجيات، من مختلف أشكال العنف من خلال خدمات الحماية، والخدمات القانونية، والدعم النفسي، والتمكين الاقتصادي، والخط الساخن”.

وتقول: أماني صالح القباطي، مديرة مساحة القبيطة بمحافظة لحج “أن مع انتهاء الحظر واستئناف الخدمات داخل المساحة الآمنة للنساء والفتيات بمديريه القبيطة وعودة الحياة إلى الشكل الطبيعي وتوافد النساء على المساحة لاحظنا أن النساء خلال فترة الحجر الصحي وتوقف الأعمال ومكوث الرجال وأرباب الأسر في البيوت وتوقف التعليم سبب العديد من الضغوطات النفسية لدي النساء وارتفاع نسبه العنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبه كبيرة تصل إلى ٥٠ %عن قبل الجائحة والحجر”.

وبحسب القباطي فأن عدد حالات العنف التي وصلت إليهم، ويتم متابعتها من قبل الأخصائية النفسية ٤٩حالة، معظمهن متزوجات وكان العنف من قبل الزوج وبعض الحالات كان التعنيف من قبل الأب والإخوة، وهناك حالتين طلاق.
وتضيف القباطي: كان عملنا أثناء الحجر عن بعد من خلال تقديم استشارات أسرية عبر التلفون، وتقديم التوعية واستشارات نفسية وجلسات دعم نفسي جماعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

* تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج ” الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19″ الذي ينفذه مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA .

عناوين ذات صلة: