بذكرى رحيله: وثيقة تاريخية تعكس عبقرية الزعيم عبدالله السلال

بذكرى رحيله: وثيقة تاريخية تعكس عبقرية الزعيم عبدالله السلال
الزعيم الراحل الرئيس عبدالله السلال (أرشيف)

بذكرى رحيله: وثيقة تاريخية تعكس عبقرية الزعيم عبدالله السلال – أول رئيس جمهورية في الشطر الشمالي من اليمن


في داخل سجن حجة في العام 1953، وزع الأستاذ محمد أحمد نعمان سؤالا على الأحرار بالسجن فحواه: ماذا نريد؟ (سؤال موجه لقادة اليمن)، ثم قام بنشر الأجوبة كاملة في كتاب أصدره في العام 1963 بعنوان “من وراء الأسوار”.

اشترك في الإجابة: عبدالله السلال، عبدالرحمن الإرياني، أحمد محمد نعمان، عبدالسلام صبرة، وآخرون.. وكانت الإجابة الأقوى من وجهة نظرنا، هي إجابة الزعيم المشير عبدالله السلال..

وفي الذكرى الـ28 لرحيل السلال، يعيد نشوان نيوز نشر الوثيقة نقلا عن كتاب “الفكر والموقف”، الأعمال الكاملة للنعمان الابن، جمع وإعداد الأستاذ لطفي فؤاد نعمان:

وضع المناهج واختيار الأكفاء
جواب الرئيس عبدالله السلال

سوال مغرٍ جداً، يبعث في النفوس الآمال العريضة ويحفزها عى ارتقاء قمة المجد قبل أن تستكمل أهميتها، يصور للقارئ أن الأمر على وشك الانتهاء بفضل الرجال الأفذاذ الذين يستعدون للقبض على الأمور بيد حديدية، وقوة لاتعرف التواني والتهاون بالنقاط التى تسبب رد الفعل بناء ليقظتهم وتسديدهم كل ثغرة، وبتهم وحسمهم كل عائق يعترض سيرهم.

ورأيي أن هذا السؤال كان الأحرى به أن يوضع على منصة مجلس بين أعضائه الخبير بالاقتصاد، والبارع في علم السياسة، والزعيم العبقري، والمتخصص بالشؤون الاجتماعية، والقائد العسكري المقدام، إلى غير ذلك من الرجال المحنكين الذين خاضوا الحوادث وخبروا مقياس الامور.

ولا أقول هكذا متهكماً أو مازحاً، فالسؤال قد قيد المسئول بنقطة توهم أن في الأمة من الأفذاذ: المبتكر والمبدع والمغامر، كل هذا ينطوي تحت كلمة “لا أن نعيش على فضل الآخرين”.

ومهما يكن من سبق أوان السؤال، وحثه على الاعتماد بالنفس، وتحفيزه العزائم والهمم، فالأمر يحتاج إلى روية واتئاد، ودرس وبحث وتحليل، فالمهمة كبيرة والأمر جلل، ولا أقول هذا مثبطاً أو متشائماً، بل محذراً من الوقوع في الطفرات قبل استكمال العدة التي لا تتم إلا بإيجاد كمية مستنيرة كبيرة فيها رجال صادقو العزم، قد تشربت ألبابهم وقلوبهم بالغاية المثلى التي نهدف إليها ونسعى للصعود إلى قمتها.

وهذا يا سيدي لا يتأتى ولا يكون إلا في جو فيه بصيص من النور ولمعة من الحرية، أما شعب صفته الجمود ونعته الخذلان والجهل، مرت عليه أيام وأحداث أفقدته العزة والكرامة، وعطلت فيه الحركة والشعور، فهو بحاجة إلى أبطال قد خلعوا من قلوبهم رداء الوهم، ومزقوا من عقولهم غشاء الدجنة والظلام، وآمنوا بالمبدأ إيماناً صادقاً لا يشوبه جبن ولا فتور.

من أين لنا برجال هذه صفاتهم وأحرارنا يعدون على الأصابع:

من صدَق منهم فهو مثقل بالمخلفات والرواسب التي أكسبته عقم التفكير، أورثته عدم الثقة والاستسلام لأول صدمة. هذا رأس مالنا، وتلك بضاعتنا، وعلى رأس الجميع أرباب قد لبسوا مسوح الغطرسة وقادهم الغرور إلى زاوية جانبية يرسلون منها إلى الناس أمواج الوهم التي يحكمونهم بها ممزوجة بالقداسة “والشريعة الغراء التي فقدت من المعمورة” على حد تعبيرهم.

أجل قد يشتم من جوابي تشاؤماً، فلا عليك إذا تنشقت هذه الرائحة ما دام الأمر يحتاج إلى تدبر وتعقل وتحليل على أشعة الغلطات السابقة، ولا حاجة بي إلى أن ألفت نظرك إلى بعض (الهيولى) والشخصيات التي كنا نتمثل فيها القوة النافخة للأرواح والجرأة الكافية لخلاص الموقف، وإذا بالآمال تتبخر وتتلاشى في عالم الخيال، وسبب هذا ضيق أفقنا وتسرعنا في الأحكام، والآن وقد ورد مثل هذا السؤال الذي يشعر بعقول جديدة ونفوس متوثبة معتمدة، فلنناقش بعض النقط الرئيسية وندرسها على ضوء الواقع، ولنجعل ما قدمناه ممهداً لنكون على بصيرة وحذر.

* * *

لا يهمني من تخلص من المحنة، وانصرف إلى حياته الجديدة بعد أن أغلق نوافذ فكره والتزم عدم الخوض فيما كان قد وطد نفسه عليه فشخص هذه صفاته يجب أن نشطب اسمه من قائمة الحرية ونعتبره متمرغاً في الطبيعة البهيمية سعياً وراء غرض تافه تحطم فيه.

أما غيره الذي نسمع صوته من الداخل يردد أن الوضع ثقيل لايطاق، فهذا صوت مطرب يضرب على وتر واحد، يحتاج إلى فنان يعلمه الوحدة والانسجام، ويشرح له أن الصوت المنفرد يتلاشى في الفضاء.
أما من وراء الاسوار فلقد أحسنت الظن وبالغت في الثقة بهم، وظنك في محله غير أنه لا ينطبق إلا على أشخاص معدودين أبرز صفة فيهم الإخلاص، وهذا غير كاف لبناء حياة مستقرة كريمة تتفق مع الشروط الموجهة في السؤال.

* * *

أما كيف نبني حياة طليقة حرة دون أن يكون لأحد يد في مشاركتنا هذا البناء، فهذا مطلب ضخم فخم يحتاج إلى ذخيرة متوفرة تشتمل على جميع الأجزاء التي يقوم بها هذا البناء. وهذه الأجزاء إذا تيسر وجود بعضها فينا، فالأخرى لابد أن نوجدها مضطرين ولو استعنا بغيرها.

وخير طريقة تتفق مع ما ننويه من عمل يحقق لنا ولو بعضاً مما وطدنا نفوسنا عليه:

أولاً: حصر المخلصين بعد الدقة والتحري من صدق إيمانهم، ثم المفاهمة التي لايتم أمر إلا بها، وهذه بعيدة عن الطبع اليمني.

ثانياً: رسم منهج دقيق مدروس من جميع نواحيه للنقاط التي يجب علينا القيام بها. وهذا لا يتم إلا بعد أن نستعين بعدة مناهج لأمم كانت في مثل حالتنا -ثم بالسير على ضوء هذه المناهج– سمت ونفضت عنها رداء الخمول والموت.

ثالثاً: لا نقتصر على ما تحتويه هذه المناهج إذ لا بد لنا من أن ندرس الظروف والبيئة والأحوال. ونقتصر على ما نعتقد ونجزم فيه النجاح والوصول إلى الهدف المرسوم.

رابعاً: خير علاج، نشر الثقافة وتوسيع الدعاية وتأسيس مراكز في كل مدينة تقوم ببث الدعوة وتشرح للناس الحالة الراهنة وتضرب لهم الأمثال الكثيرة التي تقرب من أذهانهم بما وصلت إليه الحالة من الكبت والاختناق، وينتخب لهذا العمل العقلاء والمرنون الذين يغلب عليهم التدين والاستقامة وقوة التأثير.

وتفتح شعب في هذه المراكز يقوم بأعمالها أشخاص لتحرير النشرات وشرح القضية شرحاً واضحاً بيناً، بحيث يفهمها أكبر عدد ممكن وترسخ في أذهانهم وقلوبهم.

خامساً: ما دامت الظروف مناسبة في البلاد العربية بعد قيام الانقلابات الاخيرة التي سقط على إثرها من كان عقبة كؤوداً في سبيل كل خير وأمل.

وما دامت الحكومات الحاضرة تنادي وتلبي كل طالب عربي للتعليم والتدريس مجاناً في معاهدها. أقول ما دامت الظروف هكذا، فالفرصة سانحة لإرسال أكبر عدد مستطاع إلى مصر وسوريا ولبنان، ويجب علينا أن نستعمل كل وسيلة وغاية لتحقيق هذه الغاية التي ستشد من أزرنا وتغنينا في المستقبل عن الاستعانة بمن نحتاج اليهم. هذا إذا كنا نحاول وثبة تحقق لنا وضعاً يتفق مع منية السائل.

سادساً: لا بد من ارتباط هذه المراكز بإخواننا الذين يدأبون ويعملون في الخارج حتى ينهج الجميع على برامج يضعها أولو الخبرة تتفق مع نهجنا وقصدنا.
وخير من يضع هذه المناهج الأشخاص المفكرون الناضجون الذين يغلب على مزاجهم الهدوء والتثبت في الأمور ، وعلى رأسهم من ذاق مرارة المحنة انكوى بلظاها ، فهؤلاء قد تلقوا درساً وافياً عرفوا به اليمن وكيف يجب أن يراض ويساس.

سابعاً: لا بد من وجود الشخصية على شرط أن لا تكون الشخصية هي الغرض الأول، فقد بينت الحوادث الاخيرة أن قيمتها دون ما كنا نتصوره، فاليمن اليوم غيره بالأمس لأن الأوضاع الأخيرة قد زعزعته وأذابت منه الخلق الكريم، وجعلته يستجيب للقوة ويفزع منها أكثر من التشيع للعقيدة.

وبناء على هذا يجب أن تجعل الشخصية ثانوية، نوهم بها من بقي من مجانين اليمن الأعلى.
ولكن من أين لنا بشخصية تتجاوب مع أهدافنا وتنبض بشعورنا؟

هذه عقدة العقد، لا سيما وقد انهارت أخلاقنا وذاب ما كنا نتصوره في سلف وخلف، وتبين لنا أنها عقلية واحدة: التعصب لحمتها والجمود سداها.

ثامناً: نلاحظ الفروق بين اليمن الأعلى والأسفل، وندرس خير الطرق التي تقرب هذه الفروق وتوحد الشعور، وتزيل من النفوس ما رسخ فيه من التدابر والتباغض. وهذا يحتاج جهوداً كبيرة إلا أنه شرط مقدم ولو نحقق به على الأقل بعض النقاط الرئيسية التي تقربنا من الهدف، ولا عمدة في هذا الشرط على الغوغاء والرعاع. بل العمدة على الرجال الذين يرجى منهم التعاون، ولا سيما بعض رجال حريب ومأرب والجوفين وعبيدة ومراد والمحميات.

تاسعاً: من ثبت إخلاصه وكفاءته عُد من رجال الدولة المنتخبين الذين يباشرون الاعمال بقوة وصرامة لاتعرف التثاقل ولا التباطؤ، ولا فرق بين زيدي وشافعي، ولا سيد ومسود، لأن مناهجنا كفيلة بأن تجعل الجميع يشعرون بالوطنية والإخاء، ولا عبرة بالمأفونين والمشعبين.

هذه خطوط رئيسية موجزة اقتصرت فيها على المهم الذي يحقق هذا الحلم الرائع الجميل.

ولا يخفى ما تحتاجه هذه الأعمال من أموال ورجال، وبلادنا مع الأسف الشديد مجدبة من النفوس الخيرة مصابة بالعقم وغير مستعدة لمواجهة الفجر الصادق قبل أن تسبقها قوة مغامرة تهز كيانها وتحدث فيها رجه تبعثها من جمودها الطويل وسباتها المستمر.

أما إذا أردنا الطريق المختصرة فالمغامرة المحاطة باليقظة والحذر بشرط أن تكون مبنية على خطة تضمن لها النجاح، ولو تعددت الوسائل والأساليب الاحتياطية، وهذه لا تتم إلا إذا استعنا بأقطاب العرب الذين يحبذون خطتنا، ويضمنون لنا التعاون الذي يتم ما شرعنا.

خصوصاً وحكام العرب اليوم من المغامرين والذين يؤيدون كل حركة تقضي على العراقيل المسببة لهدم كل مشروع يقرب الوحدة العربية.

فإذا حصرنا أفكارنا ووجهنا جهودنا إلى هذه النقطة، بلغنا نصف المرحلة دون نظر إلى العاقبة التي تثقلنا بخطة باهضة لا تقوم ولا تحقق إلا بعد جهاز يهيئ العمل في جو مشبع بالحرية ويخلق رجالاً ناضجين مفكرين.

ورغماً عن وجود هذا كله، لا بد لنا من الاستعانة والتعاون وعدم الاستقلال بنفوسنا، وهذه قاعدة تكاد تكون منطبقة على كل أمة تخلصت مما نحاول التخلص منه، ولا يضرنا الاستعانة ولو بالشيطان كما قال (تشرشل)، ولنا أسوة بإيطاليا في القرن التاسع عشر حينما حاول زعماؤها التخلص من النمسا، والوحدة فتمسك (مازيني) ومن على شاكلته بعد التعاون مع أية قوة فأخفق الجميع في محاولاتهم حتى بزغ نجم (كافور) وصرح أنه لا يتم لإيطاليا ما تصبو اليه إلا بمعاونة قوة خارجية، وهذا ما انتهت إليه ايطاليا وبلغت به الغاية بواسطة (نابليون الثالث) والجيش الفرنسي.

بعد التحية: هذا ما حضرني الآن وارتأيته، وهناك نقط أخرى على رجال العبقرية والفكر تمامها والسلام.

المخلص
عبدالله السلال

وثيقة عن السلال في كتاب النعمان
وثيقة عن السلال في كتاب النعمان (نشوان نيوز)

اقرأ أيضاً: تفاصيل 7 أيام قضاها العندليب في اليمن – صورة بمنزل السلال