القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال (1+2)

القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال (1+2)
د. ياسين سعيد نعمان

القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال (1+2) – د. ياسين سعيد نعمان


تناول البحث الخلفية التاريخية لنشوء القضية الجنوبية، وتأثير التحولات السياسية والاجتماعية على محتواها عبر المحطات المختلفة من تطور الوضع السياسي اليمني، وكيف صمدت، بمضمونها العام كمشروع لاستقرار اليمن، موحداً أو بدولتين، وفقاً لارادة عامة الناس، لا مشاكسات النخب.

والبحث، في جانب كبير منه، مبني على محاضرة ألقيتها في المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية بصنعاء في 14 مايو 2008.

في هذا البحث يمكننا أن نتبين بوضوح موقف الحزب الاشتراكي اليمني من القضية الجنوبية التي كانت قد دخلت مرحلتها الثالثة بعد حرب 1994، وما شهده الجنوب من غليان بسبب ما آل إليه الوضع، وكيف أخذ الحزب يتفاعل مع التطورات السياسية على الساحة اليمنية مؤثراً فيها ومتأثراً بها، وحافظ على وجاهة موقفه من القضية الجنوبية واستقرار اليمن على قاعدة الاعتراف بهذه القضية، وتجنب الحروب، ومقاومة إعادة انتاج الصراعات، وتحدي منهج التكفير الذي وظف لأغراض سياسية، والتصدي للمشروع العنصري والطائفي للمليشيات الحوثية الذي أغرق اليمن في أعظم كارثة يشهدها عصره الحديث، وذلك على النحو الذي يعرضه البحث.

يقف البحث أمام بعض الكتابات السياسية والتي تلتقي عند نقطة واحدة، وهي محاولة قلب الحقائق وتجنيد الوقائع التاريخية في معركة تزييف التاريخ التي برزت تجلياتها في كتابات مترَفة في ظاهرها وفقيرة في محتواها.

لقد كان من الضروري توضيح بعض الأمور بعد أن شُحن التاريخ بأكوام من الغث، وكان لا بد من استعراض موجز يسلط الضوء على محطات بعينها على نحو مكثف تاركين التفاصيل لوقت آخر انسجاماً مع ما نراه من ضرورات لاحترام دور التاريخ في إيقاظ الأمم في زمن الكوارث، لا في خلخلتها. ونحن في مرحلة لا يجب أن نوظف التاريخ في المزيد من الخلخلة، هذا إذا لم نستطع أن نجعل منه صوتاً لليقظة.

إن القضية الجنوبية هي العمر السياسي للجنوب في المرحلة الكولونيالية مروراً بتحقيق الاستقلال وتحرير الجنوب، وقيام دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، ومرحلة ما بعد الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية وحتى اليوم. وهي التي، فيما لو تخلى الجميع عن العقلية التي تحكمت في المسار السياسي الذي شكلته محطات الانقلابات والصراعات والحروب ما بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، فإنها ستشكل رافعة لاستقرار اليمن.

خلفية تاريخية

أسفرت حرب 1994 عن “انتصار الشمال على الجنوب”، بالتعبير الذي استخدمه بعض منظري المنتصر في الحرب في مقاربتهم التي شبهوا فيها حرب اليمن ونتائجها بالحرب الأهلية الأمريكية عام 1861 والتي انتصر فيها الشمال على الجنوب، وقيام سلطة تحالف الحرب فيما بعد بإفراغ الجمهورية اليمنية من كل ما كان له صلة بالوحدة السلمية، وإعادة شحنها بالجمهورية العربية اليمنية.

لقد أدى المسار السياسي والتعبوي التحريضي الذي سلكته تلك السلطة إلى نشوء تململ اجتماعي واسع في الجنوب، سرعان ما تطور ليأخذ شكل حراك شعبي أطلق عليه الحراك السلمي، وأخذ يتصاعد مستمداً دينامياته من الممارسات التعسفية، والتهميش الذي تعرض له الجنوب، وكذا حالة الإحباط التي سادت اليمن بأكمله والناس يشاهدون وحدتهم السلمية تمزق بدانات المدافع.

لم يستكمل الحراك السلمي عناصره السياسية إلا بعد فترة طويلة، حيث ظلت التسمية مشوشة بالطبيعة الجماهيرية التي كان لا بد لها ان تُنْضج الجانب الاجتماعي قبل الانتقال الى المسار السياسي.

وكان أن توفرت لهذا الحراك شروط موضوعية، تخلف عنها الشرط الذاتي إلى حد كبير، وخاصة في بداياته الأولى.

في هذه الأثناء أخذت الشروط الموضوعية الناشئة عن تلك الممارسات، وعلى وجه الخصوص ما رافقها من تهميش للشخصية الجنوبية السياسية والوطنية والتاريخية، تتبلور على نحو أكثر وضوحاً، وتضغط باتجاه استكمال عناصر مقاومة هذا النهج التعسفي من خلال إنضاج العامل الذاتي في ساحة الفعل المعارض سلمياً. غير أن ما يمكن ملاحظته هنا هو أن محاولة إعادة انتاج الزعامات التقليدية لقيادة الحراك على نحو نخبوي كاد يهدد بإخماد التفاعل الاجتماعي وتمزيق الحراك.

ثم أخذ الحراك ينتظم سياسياً في سياق شعبي متصل بظروف المعاناة العامة والذاتية لمنتسبيه على حد سواء، واستطاع أن يعيد بناء المشهد على النحو الذي جعله أكثر تعبيراً عن حاجة الجنوب إلى احتشاد سياسي (وليس عصبوي) يمكنه من إعادة الاعتبار لمكانته في المعادلة الوطنية، وهي المكانة التي أخذت سلطة ما بعد الحرب تشطبها وتزيلها من الخارطة السياسية والوطنية.

القضية الجنوبية:

جرى التعبير عن هذا الاحتشاد وأهدافه ب “القضية الجنوبية”، وهو مصطلح كان قد استخدم في المرافعات التاريخية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء النضال الوطني من أجل الاستقلال.

وبإعادة استخدامه، كان المقصود بذلك هو التمسك بشخصية الجنوب في المعادلة الوطنية، ولم يكن يحمل أي دلالات انفصالية أو صدامية في المرحلة الأولى، ولكنه يضع الجنوب بشخصيته السياسية – التاريخية كطرف في الوحدة، لا كملحقٍ قابلٍ للتصفية والازالة تحت أي ظرف من الظروف.

والسؤال، هل الحراك السياسي هو الذي خلق ” القضية الجنوبية” أم أن هذه القضية هي التي تسببت في الحراك ودفعت به إلى الشارع؟

الحقيقة هي أن هناك علاقة جدلية بين الفكرة كأساس موضوعي وتعبيراتها التي تجلت في صورة حراك شعبي أعاد إنتاج الفكرة ودفعها إلى الصدارة. فالحراك السياسي لم يخلق القضية الجنوبية على نحو إرادوي أو تحكمي، أو بدون أساس موضوعي كامن في بنية التاريخ السياسي للجنوب، فقد سبق كما قلنا أن استخدم هذا المصطلح في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، وغالباً ما كان يستخدم من قبل وثائق الأمم المتحدة، أي أنها لم تكن رغبة في اصطناع “عنوان” تعبوي مشاغب يضمر مشروعاً إنفصالياً، كما يقول البعض، فمسارات الحراك وما صاحبه من حوارات فكرية وسياسية، وتعديات، واعتقالات، ومغازلات، واختراقات كشفت الغطاء عن الوضع السياسي القائم، ووضعته تحت المجهر في صورة الأزمة البنيوية التي كان يعيشها النظام بشقيه: السلطة والمعارضة، وهو ما يجعلنا نتتبع الأساس الموضوعي لهذه القضية في سياقاته التاريخية ؛ أي أن هناك قضية ملازمة وسابقة لنشوء تلك التفاعلات الاجتماعية والسياسية التي أخذت تنمو في الجنوب ما بعد الحرب، واتجهت بها نحو بلورة مضمون سياسي متناغم مع ما شهدته البلاد من تبدلات ؛ وذلك عبر المراحل الثلاث التي مرت بها هذه القضية، وهي:

المرحلة الأولى:

وهي التي تمتد من الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث كان الحنوب مقسماً إلى ٢٣ سلطنة وشيخة وإمارة ومستعمرة قبل أن تنجح ثورة 14اكتوبر في تحرير الجنوب وتوحيده في دولة واحدة.

ويرى البعض أن “قضية الجنوب” تبدأ من هنا، سواءً من النقطة التي طرحت فيها كعنوان بارز في المحافل الدولية وصولاً إلى الى تحقيق تلك الخطوة، أو من التشكيك في مشروعيتها، والتي يقول البعض إنها تعسفت الواقع السياسي والتاريخي للجنوب وأكسبته صفة مختلفة عن حقيقته، وحولته من ” جنوب عربي” إلى “جنوب يمني” مستندة إلى الفكرة القومية الايديولوجية يومذاك للجبهة القومية التي قادت التحرير والتوحيد.

كان الأساس هو الشرعية الثورية، حيث لم يستفتَ شعب الجنوب على ذلك، الأمر الذي يترتب عليه، من وجهة نظرهم، بطلان كل ما حدث بعد ذلك من تغييرات جوهرية في وضع الجنوب، سواء في صورة توحيد مكوناته السياسية والاجتماعية (سلطنات، إمارات، مشيخات، مستعمرة) في دولة واحدة، أو وحدته فيما بعد مع الشمال.

هذا التفسير للقضية الجنوبية الذي يعود بها إلى ذلك التاريخ المبكر ليس مقطوع الصلة عن مشروع سياسي كان حاضراً آنذاك بقوة، لكن ليس بالضرورة أن يكون أصحاب هذا الرأي اليوم هم أنفسهم أصحاب المشروع القديم، فقد أسفرت تقلبات الحياة السياسية عن تبدلات في المواقف بسبب الصدمات الناشئة عن مسارات السياسة، وما رافقها من حروب وانتكاسات.. وهذا التشكل يحاول أن يعيد بناء الفكرة في ضوء المعطيات التي أفرزها الواقع، مع الاستقواء بقراءات سياسية تعتمد واقع التجزئة الطويل الذي كان قائماً قبل الاستقلال وما رافقه من صراعات انتهت بوضع الجنوب على خارطة جيو سياسية أكبر وأوسع جنباً إلى جنب مع الشمال ليشكلا معاً خارطة اليمن الطبيعية.

المرحلة الثانية:
وتبدأ مع قيام الوحدة بين الدولتين في 22 رمايو 1990 وهناك من يرى أن “القضية الجنوبية” تبدأ من هذا التاريخ بسبب أن الوحدة المعلنة، كما يقولون، جرى سلقها على عجل دون مراعاة الشروط الضرورية والكافية لنجاحها. ويتحدث هؤلاء عن اهتمام قيادتي الدولتين فقط باقتسام السلطة والوظائف دون رؤيا استراتيجية لبناء دولة الشراكة الوطنية بقواعد دستورية وقانونية واضحة.

ويقول هؤلاء إن قيادة دولة الجنوب المتمثلة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لم تأخذ رأي شعب الجنوب في الوحدة، بل رتبتها من وراء ظهره. وهذا المنطق لم يظهر سوى بعد سنتين من اعلان الوحدة ولأسباب ارتبطت ارتباطاً قوياً بالتحريض على القيادة الجنوبية التي حققت الوحدة في مسعى لإضعاف موقفها في المواجهة التي بدأت مع قيادة صنعاء بخصوص بناء دولة الوحدة.

وفي حين شجعت قيادة صنعاء ودعمت مثل هذا التحريض لاحداث انشقاقات في الصف الجنوبي، أخذ البعض يوظف ذلك التحريض ويفبرك المزيد منه لبلورة “القضية” في نسق من المفاهيم التي استهدفت إدانة القيادة الجنوبية وصولاً إلى إدانة الوحدة، وتهيئة الارضية السياسية والاجتماعية للحرب وتصفية شريك الوحدة السلمية في أسوأ خيانة سياسية وأخلاقية عرفها التاريخ السياسي اليمني.

والملفت للإنتباه أنه مع كل مرة تطرح فيها هذه القضية على نحو معاكس لطابعها الوطني فإنها تتحول إلى محور ائتلافي لكل القوى التي كان لها حسابات خصومة مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ؛ وكانت قيادة الجمهورية العربية اليمنية فيما بعد الوحدة تقدم الذرائع لبلورة القضية بهذا المفهوم المشوه، وبصورة غير مباشرة، نكاية بالحزب الاشتراكي ودولة الجنوب التي توحدت معها.

فبعد الوحدة مباشرة كرست القيادة في صنعاء وأجهزتها حملة واسعة تتفق مع المنطق الذي يقول إن الوحدة سلقت سلقاً، وأخذت تردد على نحو واسع أن قيادة الجنوب هربت إلى الوحدة مضطرة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وكان الهدف هو كسر مكانة الشريك الآخر في هذه العملية التاريخية، وإظهاره بأنه لم يأت الى الوحدة إلا مجبراً. وبطبيعة الحال فإن هذا يضع فارقاً عملياً بين إرادة “قيادة هاربة” من مصيرها إلى ” الملاذ الآمن!!”، وإرادة شعب لم تأخذ هذه القيادة رأيه لانشغالها بنفسها، حسب محتويات الحملة.

كانت الحملة التي قادها جهاز نظام صنعاء الاعلامي والاستخباراتي، بصورة مكثفة ومركزة، سبباً أساسياً في إرباك ركن أساسي من أركان الوحدة وهو ركن “الارادة”، أي إرادة وأهلية التوقيع المحمولة بالتفويض الدستوري والقانوني في تمثيل مصالح شعب الجنوب في دولة الوحدة.

كانت الحملة مزيجاً من العمل الإعلامي التحريضي والتهريج (ومن ذلك مثلاً أن قيادة الجنوب طلبت أن تغادر صنعاء القيادات الجنوبية التي جاءت الى الشمال بعد كارثة 1986، وهو أمر لم يحدث بالمطلق، ولم تتخذ قيادة الدولة الجنوبية أي قرار بشأنه، بل بالعكس كانت قد أرسلت من يفاوض تلك القيادات قبل الوحدة وكنت واحداً ممن كلف بهذه المهمة).

كما أن الحملة الاعلامية ركزت على أن القيادة الجنوبية لم تأت إلى الوحدة إلا هروباً، وظلت تستعبط وعي الناس بتوظيف ما حدث في المعسكر الاشتراكي من تغيرات ليبدو الأمر وكأنه لم يكن هناك مفر لدولة الجنوب سوى الذهاب إلى الوحدة، وتحول هذا الاستعباط إلى معزوفة يرددها كثير من السياسيين بقوالب مختلفة من الصياغات التي تبرز المشاركة في حملة التشويه التي هيأت لحرب 1994 أو عملت على تبريرها.

لم تكن تلك الحملات تستند على أي براهين سياسية أو اقتصادية أو معنوية من أي نوع كان من شأنها أن تجعل أي عاقل يقبل أن الشمال يومذاك كان ملاذاً آمناً لأية قيادة كي تهرب إليه، فقد كانت الاوضاع الاقتصادية في الشمال أسوأ بما لايقاس بالمقارنة مع الجنوب، حتى أن ضمانات البنوك التجارية كانت تعاد من الخارج بسبب عدم قدرة البنوك التجارية في الشمال على تغطية تعهدات المستوردين ؛

وسلمت شخصياً مستندات بخصوص هذا الموضوع لرئيس وزراء الشمال حينها الاخ عبد العزيز عبد الغني أثناء لقاءنا في تعز لمناقشة بعض الترتيبات الخاصة باختيار عملة جديدة وباعلان عدن عاصمة اقتصادية، وهما الموضوعان اللذان تمت المماطلة بتنفيذهما حتى قامت الحرب ودفنا تحت أنقاض الوحدة السلمية مع غيرهما من القضايا التي رفضت صنعاء تنفيذها كإلغاء النظام المركزي والأخذ بالحكم المحلي، وتوحيد التعليم على قاعدة القانون الجديد، واخلاء المدن من السلاح، والتمسك بمكتسبات قانون الأسرة، وغيرها من القضايا التي ارتبطت ببناء دولة الوحدة.

لقد فتحت هذه الحملات ثغرة هامة في جدار الوحدة، وتدفقت منها أسئلة كثيرة حول شرعية هذه الوحدة. فإذا كانت صنعاء لا ترى في الطرف الآخر” الشريك” إلا هارباً يجب التعامل معه كضيف، فكيف سيتم ترتيب أوضاع دولة الوحدة وشراكتها في وضع كهذا !! أي أن على هذا ” الضيف” أن يقبل ما يعرض عليه فقط، ولا يجوز له أن يفكر أبعد من ذلك.

  • ضمن ورقة عمل مقدمة في ندوة خاصة بالقضية الجنوبية في ذكرى الاستقلال ببحث عنوانه “القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن”.

اقرأ أيضاً على نشوان نيوز: في ذكرى الاستقلال.. ويستمر تخادم الاستعمار المحلي والخارجي