الجمعة 28 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • هل يستطيع الحوثي تبديل هوية اليمنيين؟

هل يستطيع الحوثي تبديل هوية اليمنيين؟

هل يستطيع الحوثي تبديل هوية اليمنيين؟
منذ سيطرة الدائرة العقائدية الحوثية على مؤسسات الدولة أواخر العام 2014 قامت بإغراق اليمنيين بفعاليات ثقافية وإعلامية ودعائية وتعبوية لانهاية لعددها، بغية إعادة تشكيل الهوية اليمنية بما يطوعها للأيديولوجية الحوثية، وهنا يتبادر سؤال مركزي عن إمكانية النجاح في هذا المسعى.

لم يأت الحوثيون بجديد من حيث الجوهر من ناحية الأهداف ولا من ناحية الأساليب والوسائل، فالتاريخ عامر بهكذا محاولات، قديماً وحديثاً، ومازالت الممارسات العامة ذاتها حية في بطون الكتب وحركة الواقع في أكثر من مكان.

بلفتة سريعة على نماذج من هذه النوعية كالصفوية والفاطمية والشيوعية والفاشية والنازية، نرى بوضوح استغلال المؤسسات القمعية أو الضبط الاجتماعي كالأمن والقضاء، وكذا مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالتعليم ودور العبادة والمؤسسات والأنشطة الثقافية من مسرح ومكتبات وفن بما فيه الأغاني والأهازيج خصوصا المنبثقة والمستندة إلى تراث شعبي، وبالموازاة إضعاف وإقصاء المؤسسات الاجتماعية المنافسة بالقمع المباشر أو بالتضييق والخنق، إضافة إلى الإغراء بمناصب في السلطة وربط المصالح الشخصية للفاعلين الاجتماعيين بالانضمام أو على الأقل التحالف مع الجماعة والانخراط في أنشطتها سيما ذات البعد العقائدي وإعادة صياغة الهوية، ويبقى من أهم تلك الأساليب تأسيس ونشر طقوس ومناسبات تعبوية تضمن الاستمرارية وتحييد العقلانية والصحوات النقدية وتحبس الأفراد والمجتمع في قفص الانفعالية الدائمة والخنوع تحت جرعات تخدير متعاقبة ومتعددة، والأنكى عند بعضها إضفاؤها هالات دينية مقدسة على شعاراتها السياسية وربط التفاعل معها بالموقف السياسي والديني من الدولة التي تختزلها في سلطتها، وأغلب الأحيان في زعيمها.

رغما عن سعة وكثافة أدوات الجماعات الشمولية لإعادة البرمجة الهوياتية للمجتمعات، فإن الأخيرة تحتاج قروناً لتتحول البذور الأيديولوجية إلى جينات وحواضن ثقافية -إذا صح التعبير- فالمجتمعات لا تتأدلج بسهولة، على سبيل المثال، ظلت المسيحية ثلاثة قرون بجهدها التبشيري في حوض البحر المتوسط تراوح في خانة الأقلية الدينية واحتاجت نحو قرنين آخرين -مع تبنيها من السلطة الرومانية- لتكون الديانة الرئيسية هناك، ومثلها الإسلام بنشاطه الدعوي وتمكنه السلطوي في الشمال الأفريقي، مع التنويه إلى کونهما ديانتين سماويتين جاءتا في وسط وثني خاوٍ عقائدياً وطقوسياً.

حاولت النازية لأكثر من عشر سنوات، والفاشية لأزيد من عشرين سنة، والشيوعية بخاصة في روسيا فوق سبعين عاما، واليوم الخمينية قاربت نصف القرن، وجميعها فشلت في تحوير ثقافات مجتمعاتها وفق أيديولوجياتها، وقبلها بقرون حاولت الفاطمية على مدى يتجاوز القرنين في مصر والشمال الأفريقي.

قد يتحجج المعارض بالدولة الصفوية التي نجحت خلال قرنين في تشييع أغلب المجتمع الإيراني، نعم نجح التشيع في إيران وفشل في مصر وشمال أفريقيا مع تقارب لمدة سيطرة الدولتين ودعوتيها المذهبتين، ودون الخوض في تفاصيل نجاح الأولى وفشل الثانية –قد نناقشها في مقالة قادمة- نشير إلى ما يمكن وصفه بقابلية الجينات الثقافية وقربها من البذور الأيديولوجية الجديدة حيث إن الجينات الثقافية الفارسية المتشكلة عبر قرون مثلث بيئة عالية المرونة لاستيعاب مقولات الأيديولوجيا الشيعية التي نشأت ومازالت تتركز في محيط النفوذ الفارسي القديم، بعكس الحالة المصرية والشمال أفريقية.

يا ترى، ما أسباب فشل مساعي الأدلجة وإعادة تطويع الهويات في النماذج الآنفة؟ لعل السبب الأساسي يكمن فيما يمكن وصفه مرة أخرى بالجينات الثقافية المتجذرة مع بزوغ الفجر البشري في الميل إلى تغليب مساحات الحرية والاعتدال على قيود الانضباط والتشدد، إذ تؤكد الشواهد أن أكثر حلقات الأيديولوجيا تشدداً هي أكثرها فشلاً وانفراطاً، ولنا في المجتمع الإيراني دليل حي، فعلى الرغم من تشييد الأيديولوجيا الخمينية السياسية على البنية الثقافية الشيعية، وعبر عزل اجتماعي أمام أي خيارات ثقافية وإعلامية مخالفة أو خارجية، إلا أننا نجد جيلين تمت تنشئتهما حصرا على هذه الأيديولوجية انتفضا وكسرا تقاليدها بمجرد الانفتاح النسبي على مجتمعات أخرى، سواء بالتلامس المباشر أو من خلال الإعلام الفضائي ومنصات التواصل الاجتماعي.

ذات المسار ينطبق على الحالة الحوثية بصورة أزيد فاعلية، فبينما كانت المجتمعات الشيوعية والفاشية والخمينية مغلقة وتوفِر بيئة مواتية في الحالة الخمينية، ترعرعت الحوثية وسيطرت في كنف انفتاح إعلامي وتواصلي، وفي ظل مقاومة هوياتية تتركز داخل وسائل السوشيال والوحدات الأسرية والمجتمعية الواقعة في النطاق الجغرافي للهيمنة الحوثية. بجانب المستوى الأعلى للاعتدالية في المجتمع اليمني المكتسب من الطبيعة الثقافية الإنسانية المتأصلة مضاف إليها ما أتاحه الموقع الجغرافي لليمن وإطلالته البحرية من احتكاكات عبر آلاف السنين بثقافات أخرى حتمت على مجتمعه بالضرورة أن يكون معتدلا يرفض الولوج في قوقعة الانغلاق والتشدد، فكان على مدى تاريخه متعايشا مع الأديان الداخلية والوافدة، ومع الإسلام تقبل المذهبين الشافعي السني والزيدي الشيعي المعتدلين نسبيا في كلا التيارين المذهبيين الأساسيين، وفي مجتمع مثل هذا تخيب محاولات جره إلى خنادق العسكرة الأيديولوجية المتنطعة.