البحرية اليمنية.. إمكانيات محدودة ومعركة نيابة عن العالم!

رغم أن القوات البحرية اليمنية ما تزال في طور إعادة البناء والتأسيس، ورغم صغر حجمها مقارنة بطول الساحل اليمني الممتد على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وبالنظر إلى ضخامة المهام الملقاة على عاتقها، وتعدد التهديدات التي تواجه اليمن والمنطقة والعالم، فإن هذه القوات الصغيرة أثبتت أنها تخوض اليوم واحدة من أكثر المعارك البحرية شراسة وأهمية.
فالمسألة لم تعد مجرد حماية شريط ساحلي أو تأمين مياه إقليمية، بل أصبحت مواجهة مباشرة مع مشروع إيراني يسعى إلى تحويل البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى مساحة للتهديد والابتزاز وتهريب السلاح والخبراء والمعدات، واستخدام الأراضي والمياه اليمنية كمنصة لاستهداف الملاحة التجارية وتهديد أمن الإقليم.
وفي هذا المشهد، تعمل القوات البحرية اليمنية على قطع مسارات التهريب، وإحباط عمليات نقل الأسلحة والمعدات، والتعامل مع الزوارق المعادية، واكتشاف الألغام والتهديدات البحرية، ومنع تحويل الساحل اليمني إلى بوابة مفتوحة للمشروع الحوثي الإيراني، وقد حققت نجاحات أشبه بالإعجازية عطفاً على إمكاناتها وحجم التهديدات والمخاطر وضخامة المهام الملقاة على عاتقها.
وهذه ليست مهام تخص اليمن أو سهلة.
إنها معركة دفاع عن أمن اليمن، وفي الوقت نفسه مساهمة مباشرة في حماية أمن الملاحة الدولية.
والأهم أن القوات البحرية اليمنية لا تتحرك في فراغ؛ فهي تعمل في بيئة بحرية شديدة التعقيد، وعلى امتداد ساحل طويل، وفي مواجهة تهديدات غير تقليدية تتغير باستمرار، من التهريب إلى الزوارق المفخخة والألغام والتهديدات الموجهة ضد السفن التجارية.
وهنا تكمن قيمة ما تحققه هذه القوة الناشئة.
فالقوة العسكرية لا تُقاس دائماً بعدد القطع البحرية التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على أداء المهمة، والاستمرار في الاشتباك والمناورة، وحرمان العدو من تحقيق أهدافه.
ومن هذه الزاوية، فإن ما تقوم به القوات البحرية اليمنية يستحق التوقف أمامه باهتمام كبير.
لقد تحولت هذه القوات، رغم محدودية إمكاناتها، إلى جزء أساسي من منظومة الدفاع عن الساحل اليمني والممرات البحرية، وأثبتت أن إعادة بناء القوات المسلحة لا تعني بالضرورة انتظار اكتمال تشكيلاتها وإمكاناتها حتى تبدأ العمل؛ بل يمكن للقوة الناشئة أن تقاتل وتتعلم وتتطور في الوقت نفسه.
وإذا كانت بعض القوى البحرية الدولية، وهي لدول كثيرة، ومنها دول عظمى، والموجودة في المنطقة، قد انشغلت بدرجة أكبر بمهام الحماية والمرافقة، وتحولت إلى مهام دفاعية وتلقي الضربات، فإن القوات البحرية اليمنية تواجه التهديد على تماس مباشر مع مصدره، وتتحمل جزءاً من العبء الأصعب في هذه المعركة، وقد تفوقت على كل تلك القوات المتواجدة في البحار اليمنية، من حارس الازدهار إلى أسبيدس وغيرها من التشكيلات البحرية.
إنها معركة لا تقل أهمية عن أي معركة برية أو جوية.
فمن يسيطر على البحر يستطيع أن يحمي الساحل، ويقطع خطوط الإمداد، ويمنع التهريب، ويحرم الخصم من استخدام الجغرافيا البحرية لصالحه.
ولهذا، فإن إعادة بناء القوات البحرية اليمنية وتطوير قدراتها، ورفع كفاءتها، وربطها بمنظومة القيادة والسيطرة والاستطلاع والاستخبارات وبقية أفرع القوات المسلحة، يجب أن تكون من الأولويات الاستراتيجية للدولة اليمنية، وأن تحظى بدعم الإقليم والعالم، وبشكل عاجل.
فاليمن ليس دولة ذات ساحل طويل فحسب؛ اليمن دولة تقف على واحد من أهم مفاتيح الأمن البحري في العالم.
ومن هنا، فإن كل جهد يبذل في بناء القوات البحرية اليمنية هو استثمار مباشر في أمن اليمن، وأمن البحر الأحمر، وباب المندب، وأمن الملاحة الدولية.
تحية تقدير وفخر لرجال القوات البحرية اليمنية، الذين يخوضون معركة شرسة بإمكانات محدودة، ويثبتون كل يوم أن حجم القوة لا يحدد وحده حجم الإنجاز.
كل الشكر والتقدير لهؤلاء الرجال، وكل التحية لكل من يعمل بصمت في البحر لحماية اليمن، وتأمين سواحله، وقطع الطريق أمام المشروع الحوثي الإيراني.
العميد الركن / محمد عبدالله الكميم



