أزمة الوطنية لدى جماعات الدين السياسي

الوطن كمفهوم سياسي وقانوني من السهل تعريفه نظرياً، وبالقدر ذاته تتعقد تداعيات التعريف عند المضي إلى مستوى التعاطي العملي معه لدى الجماعات والتيارات العابرة للحدود، وفي نقطة " الحدود" هذه تتوارى الأزمة الوطنية لتلك الجماعات وتظهر بصورة أوضح مع ذات الطابع الديني السياسي منها.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر ظهرت الدولة القومية الحديثة وتبلورت في مفاهيم جغرافية وقانونية بيّنة عينت هويتها السياسية وما يرتبط بها من مفاهيم بينها "الوطن" و"المواطَنة"، وأصبحت الدولة كأرض حدوداً جغرافية تتسم بالثبات مقارنة بالسابق، وصارت كشعب منظومة من الحقوق والواجبات القانونية، وهو ما أدخل الكيانات الدينية السياسية في مشكلة هيكلية مع واقع وطبيعة الدولة الوطنية والسياسة الحديثة.
سلسلة متشابكة من المعتقدات الفكرية المؤثرة بشدة في السلوكيات تدفع جماعات الدين السياسي إلى موقع الاختلاف العميق مع روح الدولة المعاصرة.
تبدأ الأزمة انطلاقاً من فكرة الوكالة عن الله، وتسويق السياسة على أنها سجادة مبادئ وليست لعبة مصالح كما هي في الواقع، وعلى أنها سجال أخلاقي أكثر منها مباراة قوة ونفوذ، وما نجم عن ذلك من القفز بمصدر الشرعية فوق الشعب إلى الإله، جانباً عن القواعد المتكافئة للمنافسة والمساءلة، لتحتكر الجماعة تمثيل إرادة الله متحللة من التزاماتها للمواطنين وخضوعها لمحاسبتهم.
وعلى معتقد الوكالة الإلهية اتخذت كيانات الدين السياسي سبيلاً فكرياً وتربوياً حدياً لا يرى حركة الواقع سوى في ثنائية الحق والباطل، خارج المنظومة القانونية القائمة، وداخل تفسيراتها الخاصة للنص الديني، والنص في صرحها الفكري يتمدد من كونه إطارات أخلاقية عامة تستوعب متغيرات الواقع إلى نسيج تشريعي شامل يبيح لها الوصاية على الحياة العامة، والخاصة أيضاً، الدنيوية، والأخروية كذلك، والمعضلة الفكرية الأكبر رفعها شموليتها ونظريتها التشريعية من مجرد اجتهادات وتأويلات قابلة لاحتمالي الصواب والخطأ إلى مستوى قداسة النص الديني نفسه.
معتقدات ترمي صخوراً في طريق السياسة، وإدارة العلاقة بالدولة والآخر، وتؤدي إلى فكرة أخطر تتجلى في عقيدة "الولاء والبراء" الناسفة مفهوم الوطن والمواطنة من الجذور.
"الولاء والبراء" تتفاعل في اتجاهين متعاكسين لكنهما متضافران في تصفية وتفريغ الدولة من طبيعتها المعاصرة، من جهة تنقل منظومة الحقوق والواجبات من المجال العام إلى النطاق الخاص لطائفة أو تنظيم دون الدولة، وفي الحين ذاته، ومن جهة مقابلة، تتجاوز بهذه المنظومة الحدود الجغرافية للدولة، أي إلى أفق ما فوق الدولة. الوطن لديها ليس رقعة جغرافية معينة الحدود السياسية مستعيضة عنها بحدود ثقافية زئبقية لا معالم مكانية لها، والمواطن عندها ليس مواطن الدولة وشريك الوطن وإنما شريك الطائفة وعضو الجماعة في أي مكان، والحقوق والواجبات القانونية تتحول من تدابير مساواة إلى شبكة ولاء وبراء عقائدية وفقهية تنزع نحو التمايز، وتستبدل الولاء الوطني بشقوق طائفية متخندقة في مجتمع دولتها، متعدية على مجتمعات دول أخرى.
ما عدا الوكالة عن الإله، نشأت حركات سياسية حديثة عابرة للحدود تحت رايات قومية أو أممية تحمل نظريات شمولية وحدّية، وتؤمن بصيغ ما من الولاء والبراء، لكن ما يضعها في مفترق طريق عن حركات الدين السياسي ويقلل من فعلها طويل المدى، أنها تنبني على نظريات لا تدعي السمو والقداسة الإلهية ومن ثم تتقبل في بنيتها الفكرية مبدأ التعديل والتكيف مع الواقع، وإعادة تشكيل ثوابتها، خلافاً للجماعات الدينية واسعة الثوابت والأقل استجابة للتجارب، والأقوى التصاقاً بمتلازمة التطرف. كما أن هذا النوع العلماني من الجماعات السياسية لا يمتلك منظومات ذاتية، أخلاقية وتشريعية تفصيلية ومقدسة، ولا تتداخل مقولاتها السياسية المتغيرة مع مطويات اعتقادية وشعائرية تحفظ لها قوة التأثير وقدرة الاستمرارية، لذا عادة ما تأخذ فترات قصيرة نسبيا وتنهار مع أول سقوط، بعكس الجماعات الدينية السياسية التي لا يموت أساسها الأيديولوجي الديني، وتجيد تقنيات الكمون والتخفي حال الانكسار إلى حين سنوح الفرصة مجدداً.
نوع ثالث من الكيانات العابرة للحدود أبرزها المنظمات، والشركات بعد توقفها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن تجنيد جيوشها المسلحة الخاصة. وجميعها اليوم تعمل على هامش السياسة لا في صلبها، ومنشؤها بالأصل تبعي قانوني للدولة، والروابط بين أعضائها مهنية وقتية لا تترتب عليها التزامات أيديولوجية.
عملية التشبيك الواسع والغائر بين الدين والسياسة، نقلت الدين في بعده الاجتماعي من سمته كمسار أخلاقي عام يهذب السياسة إلى عامل تجميد لها، غارق في دهاليزها، وشدَته من عرشه المقدس وطبيعته الدعوية وروحانيته الشخصية، نحو قاع استغلاله كغلاف يضيف بريقاً شعبوياً على السياسة ويحرمها من قواعد لعبة عادلة، ساحتها "وطن" بمحيط جغرافي محدد، وقاعدتها "مواطَنة" ببوتقة قانونية متكافئة الحقوق.



