السؤال الكبير.. لماذا سقطت المخا؟

نقيب الصحفيين ووزير إعلام اليمن السابق نصر طه مصطفى يكتب في الجزيرة نت: السؤال الكبير.. لماذا سقطت المخا؟
يعيش اليمنيون أياما صعبة جدا بعد أن أنهت الحركة الحوثية هدنة عام 2022 التي امتدت أربع سنوات وقررت شن حرب مفتوحة على المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وكذلك على المملكة العربية السعودية بحجة مواجهة الحصار بالحصار، كما أعلن زعيمها عبد الملك الحوثي ذلك خلال الفترة الماضية.
وهو قرار جاء متزامنا مع الأزمة الإيرانية الأمريكية والمواجهة المفتوحة بينهما التي تحولت من أزمة سياسية بسبب المشروع النووي الإيراني إلى أزمة اقتصادية عالمية بسبب الخلاف حول السيطرة على مضيق هرمز الذي حولته إيران إلى ورقة تفاوضية معقدة كرد على الضغط الهائل الذي يمارسه ضدها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
نجحت إيران في توريط الإدارة الأمريكية في مواجهة طويلة مفتوحة عسكريا وسياسيا، وضيقت خيارات الرئيس الأمريكي؛ فلا هو نجح في حسم الأزمة عسكريا ولا توصل إلى تفاهم سياسي في ظل تعنت وتشدد قيادة الحرس الثوري التي تدير المشهد بالكامل من الجانب الإيراني.
ولذا يعمل ترمب على تجميد الأزمة حتى الانتهاء من الانتخابات النصفية التي ستجري أوائل نوفمبر/تشرين الثاني القادم، فيما تعمل إيران على الحيلولة دون ذلك؛ سعيا لإحداث تأثير سلبي على نتائج الانتخابات بإمكانية تصاعد حظوظ الحزب الديمقراطي لاستعادة أغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب أو أحدهما، وتحويل الرئيس إلى بطة عرجاء في النصف الثاني من ولايته.
ولم تقتصر إيران على تحركاتها السياسية والعسكرية فيما يخص السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، بل دفعت بحلفائها في المنطقة لتحريك أوراقهم المتنوعة، فحزب الله اللبناني يعمل على إنجاز تكتيكات وآليات جديدة لمواجهته المفتوحة مع إسرائيل، وتتشدد الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في رفضها تسليم السلاح بموجب خطة رئيس الوزراء علي الزيدي، إلى درجة تأجيل موعد نهاية سبتمبر/أيلول إلى أجل غير مسمى، والواضح أن ما تريده إيران في العراق هو الذي سيمضي خاصة بعد معاودة هذه الفصائل هجماتها مؤخرا على المنشآت النفطية السعودية.
وفي إطار نفس الإستراتيجية الإيرانية تحركت الحركة الحوثية باتجاه محافظة تعز وسط اليمن لفتح معركة عسكرية تستهدف استكمال السيطرة على ساحل اليمن الغربي وصولا إلى مضيق باب المندب، وهي بذلك تريد تحقيق عدة أهداف في مقدمتها دعم ومساندة الموقف الإيراني في صراعه مع الولايات المتحدة.
وثانيها تعزيز موقفها الميداني في التضييق على السفن السعودية وفق توجهات قائدها عبد الملك الحوثي المشار إليها قبل قليل.
وثالثها تعزيز الحصار على محافظة تعز وحرمانها من مينائها التاريخي، وآخرها ضرب قوات المقاومة الوطنية وحراس الجمهورية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني الفريق طارق صالح.
وهي بمجمل هذه الأهداف تحقق إنجازات داخلية مهمة تتمثل في زيادة مساحة الأراضي التي تسيطر عليها إلى جانب هدفين خارجيين يتمثلان -كما أشرنا قبل قليل- في دعم الموقف الإيراني، واستفزاز المملكة العربية السعودية والاعتداء عليها.
لم تكن معركة المخا العسكرية سهلة رغم كثافة الأعداد التي حشدتها مليشيا الحوثي إلى جانب الكثافة النيرانية من صواريخ باليستية ومدفعية وطيران مسير، فقد صمدت قوات المقاومة الوطنية لعدة أسابيع بمساندة وحدات من الجيش الوطني التابع لقيادة محور تعز قبل أن تتمكن المليشيا من ضرب قواتها في منطقة الوازعية التي تعتبر المدخل الرئيسي للساحل الغربي من جهة محافظة تعز، كما تحركت تعزيزات حكومية كبيرة من محافظتي عدن ولحج من قوات درع الوطن وقوات العمالقة لمساندة مديريتي حيس والخوخة الساحليتين وتقعان شمال مدينة وميناء المخا.
ومع عدم مبالاة الحركة الحوثية بحجم قتلاها المهول والذي يقال إنه تجاوز الألفين إلى جانب أضعافهم من الجرحى استمرت المعركة في إصرار غير مسبوق على إحداث اختراق يمكنها من الوصول لباب المندب حتى تمكنت من اقتحام معسكر خالد بن الوليد الذي يقع شرق المخا، وهو كما يفسر كثير من المحللين العسكريين كان بداية السيطرة على مديريات حيس والخوخة والمخا، حيث لم تحدث بعد ذلك أي معارك أو مواجهات؛ لأن القوات الموجودة في حيس والخوخة قررت الانسحاب جنوبا حتى لا يتم حصارها من قبل الحوثيين من جهتي الشمال والجنوب.
وهو ما أدى إلى اتخاذ قوات المقاومة الوطنية قرارا بالانسحاب من المخا باتجاه الجنوب؛ لأنها -أي قوات المقاومة الوطنية- لم تكن لتتمكن بمفردها من مواجهة الكثافة النيرانية والبشرية للمليشيات التي وجدت مدن الساحل الثلاث وما جنوبها، قد خلت من جميع المقاتلين، بل ومن كثير من السكان الذين قرروا النزوح جنوبا وشرقا باتجاه مناطق الحكومة اليمنية، وبذلك عادت مليشيا الحوثي للسيطرة مجددا على المخا منذ أن حررتها القوات الحكومية من سطوتها لأول مرة في (عملية الرمح الذهبي) في يناير/كانون الثاني 2017.
بالتأكيد لم تنته معركة المخا، وتبدو سيطرة الحوثيين عليها مؤقتة كسابقتها، خاصة أن إطلالتهم على باب المندب لن تكون محل قبول ورضا من المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي رغم كل رسائل الطمأنينة التي بعثها الحوثيون، وكان آخرها اجتماع ممثليهم المثير للجدل مع أعضاء السفارة الأمريكية في مبنى السفارة بالعاصمة العمانية مسقط والذي لم يتضح بعد الغرض منه.
والأرجح أن الإدارة الأمريكية لا تريد مزيدا من الصداع في ثاني أهم مضيق في المنطقة قبل الانتخابات النصفية، كما أنها ستجد نفسها محرجة أمام حلفائها الخليجيين وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية من استمرار موقفها السلبي عند شروع الحوثيين في تنفيذ التزاماتهم لحليفتهم إيران بالتضييق على حركة الملاحة في المضيق إن تطلب الأمر ذلك لتحقيق مكاسب إيرانية في أي مفاوضات متوقعة مع واشنطن، وكذلك موقفها السلبي حتى الآن من الهجمات الصاروخية التي يشنها الحوثيون على السعودية.
من المؤكد أن القوات الحكومية المنسحبة من الساحل الغربي تعيد ترتيب صفوفها استعدادا لشن هجوم عسكري لاستعادة السيطرة الحكومية على المضيق والمدن التي تقع شماله بدءا بالمخا وما بعدها، فالحكومة اليمنية وجدت نفسها وجها لوجه مع قرار الحركة الحوثية وزعيمها إنهاء هدنة عام 2022، وهو ما يتطلب أن يكون لديها استعدادات كبيرة لحرب ممتدة على مساحة العديد من محافظات الشمال اليمني التي يسيطر عليها الحوثيون منذ تمردهم المسلح عام 2014 وانقلابهم على الرئيس المنتخب بداية عام 2015، بغرض إنهاء هذا التمرد واستعادة الأمن والاستقرار في اليمن.
وبالتأكيد لا أحد من اليمنيين يريد الحرب مجددا، لكنهم في ذات الوقت لا يريدون السلام وفقا لرؤية الحركة الحوثية التي تعتقد أنها صاحبة الحق في حكم اليمن، ناهيك عن أنها تريد الاحتفاظ لزعيمها عبد الملك الحوثي بموقع القائد الأول للبلاد في ظل أي تسوية سياسية قد يعمل عليها الإقليم والمجتمع الدولي.
ومن ثم فهم -أي اليمنيون- يجدون أنفسهم بين خيارين صعبين، ومثلهم حكومتهم التي بذلت جهودا كبيرة في تسويق فكرة السلام ولا تزال متمسكة بها بموجب المرجعيات الوطنية والدولية، كما أنها قدمت تنازلات كبيرة في الفترات الماضية دون جدوى، بما فيها صرف مرتبات جميع موظفي الدولة بمن فيهم العاملون في مناطق سيطرة الحوثيين من عائدات النفط حال عودة تصديره.
تبدو كل مناطق التماس في كل الجبهات ملتهبة ما بين معارك جزئية أو التحامات محدودة، ولا يبدو في الأفق القريب أي مؤشرات لسلام أو هدنة، فالحركة الحوثية تبدو مندفعة لخوض معركة واسعة لاستكمال سيطرتها على باقي أنحاء البلاد، وبالمثل تبدو قوات الجيش اليمني في كامل جهوزيتها لمواجهة مثل هذه الاعتداءات وترى أنه آن الأوان لوضع حد لمرحلة اللاسلم واللاحرب التي لم تقرب وجهات النظر حول أي حل سلمي، بل اتخذها الحوثيون لمزيد من الاستعدادات العسكرية.
وعلى أرجح الاحتمالات فاليمن مقبل على مواجهات عسكرية كبيرة ومفتوحة خلال الفترة القريبة التالية سترسم شكل مستقبله لعقود طويلة قادمة.




