كيف تحولت المناهج إلى كبسولات تعبوية في مناطق الحوثيين؟

عبدالرحمن بالبيد يكتب: من التعليم إلى التعبئة... كيف تحولت المناهج إلى كبسولات تعبوية في مناطق الحوثيين؟
نص في كتاب مدرسي يذكر أن أول سؤال يسأله الله يوم القيامة، هل تحب آل البيت؟ إنه نموذج واحد من دراسة تحليلية أجراها مركز اليمن للسياسات بعد تحليله 57 كتابا مدرسياً في مناطق سيطرة الحوثيين، ولعله مثال يصف حجم خطورة الأيديولوجية التي تسعى المليشيا لغرسها في عقول الأطفال عبر مناهجها المدرسية.
بطبيعة الحال، يفترض أن تكون المدرسة بصفوفها وساحاتها ومناهجها هي المساحة الأكثر أماناً وفائدةً للطفل، لكن هذه القاعدة تصطدم بواقع مغاير مع حال التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، حيث تحولت المدارس والمرافق التعليمية إلى إحدى أهم كبسولات التعبئة الفكرية والطائفية التي تتبناها المليشيا، فحين يعاد صياغة التاريخ، وتنتقى شخصياته، وتكرس المفاهيم، ويستغل الدين بما يلائم أهداف الجماعة و أجندتها، يصبح التعليم أداة للتفخيخ لا لنقل المعرفة.
وما يفاقم الأمر خطورةً أننا في بلد يرزح أصلاً وسط أزمة تعليمية عميقة، حيث يواجه نحو 11 مليون طفل في سن الدراسة في اليمن مخاطر انقطاع التعليم بحسب اليونيسف، وبينما يفترض أن تتحول المدرسة لمن يحصل على مقعد دراسي ساحة لبناء معرفته، يجد في مناطق الجماعة ما يهدم وعيه وينخر في معتقداته.
منذ سيطرة المليشيا على صنعاء، بدأت في 2016 محاولاتها الممنهجة لتعديل المناهج الدراسية، خاصةً بعد تعيين يحيى بدر الدين الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، وزيراً للتربية والتعليم، كما أفاد تحقيق نشره موقع العربي الجديد في يوليو 2017، وهي خطوة مماثلة لما درجت عليه إيران، حين غيّر أتباع آية الله الخميني المناهج الدراسية في ثورتهم في السبعينيات كوسيلة لتشكيل الجيل القادم. ومحاولات المليشيا هذه واجهت مقاومة من كوادر ومسؤولين تربويين، ما حدّ من حجم التعديلات التي تمكنت من تمريرها في تلك المرحلة، لكنها سعت في السنوات التالية الى تغيير وعزل عدد من مديري المدارس واستبدالهم بموالين لها؛ لضمان تنفيذ استراتيجياتها والسيطرة على قطاع التعليم بشكل كامل. وحسب تقرير فريق خبراء تابع للأمم المتحدة نشر في 2020 برقم A/HRC/45/7 فإنه وثق استنادًا لمقابلات أجراها مع معلمين عملوا في مناطق سيطرة الحوثيين، أن ما لا يقل عن ثلاثة منهم تعرضوا للاعتقال أو اضطروا إلى الفرار بعد رفضهم تدريس المناهج الحوثية والتعاون في حملة الجماعة المستمرة لتجنيد الأطفال، كما أفاد أحدهم بأنه طُلب منه حشد الشباب عبر زيارة المنازل وإلقاء محاضرات لتعاليم الحوثيين.
وبحلول العام الدراسي 2021–2022، أصبح الأمر أكثر اتساعًا ووضوحًا؛ إذ أصدرت وزارة التربية والتعليم التابعة للجماعة مناهج معدلة في مواد التربية الإسلامية والقرآن الكريم والعلوم الاجتماعية للمراحل الابتدائية، وتضمنت إضافة دروس جديدة، وحذف وتعديل موضوعات تتعلق بالحقوق المدنية ودور المرأة وشخصيات مؤثرة في تاريخ اليمن.
وأظهرت دراسة مركز اليمن للسياسات الآنفة للذكر والمنشورة عام 2023، بعد تحليل 57 كتاباً من الصف الأول إلى التاسع، اتساع نطاق التحولات الأيديولوجية والسياسية والعسكرية في الكتب المدرسية بمناطق سيطرة الحوثيين، وحضور موضوعات عدة تتعلق بالجهاد والولاية والدفاع عن الوطن.
ووفق الدراسة، تضمّن كتاب اللغة العربية للصف السادس، وحدة تتكون من خمسة دروس تناقش "أعظم شهيد"، وهي قصة عن جندي طفل ولد في صعدة وتمكن من تدمير هدف بقنبلة انتحارية، الأمر الذي غيّر مسار المعركة في النهاية، وتضمنت نسخة الصف الخامس من الكتاب صورة لأب مع ابنيه وهم يطلقون النار، في سياق فسّرته الدراسة بأنه يقدّم القتال باعتباره القدوة والواجب المتوارث، ورصدت حضوراً متزايداً لمفردات الحرب والسلاح والشهادة والقتال، مقابل تراجع حضور مفاهيم الأمن والسلام والتفاوض والتعددية.
كما فرضت الجماعة الاحتفال بـ16 مناسبة دينية وسياسية في المدارس، كيوم الغدير والمولد النبوي، وإخضاع مديريها لدورات تتضمن خطابات سيدهم. ووصفت منظمة كارنيجي للسلام الدولي أقوال ومحاضرات مؤسس الحركة حسين الحوثي بأنها رأس الأدبيات الأساسية للحركة، حيث تُدرّس وتُعاد صياغتها في ملخصات ومقررات ومراكز صيفية باعتبارها مادة تأسيسية لفهم العالم والخصم والواجب الديني.
ومن التعبئة الدينية إلى التاريخ، حيث مُسّت أحداثه وانتُقيت شخصياته بما يخدم مشروعه السلالي، وحسب مركز صنعاء للدراسات؛ أزيلت في بعض المناهج دروس عن ثورة سبتمبر، قاهرة الحكم الإمامي، فيما قُدّم انقلاب 21 سبتمبر 2014 في إطار ثوري، واستبدلت شخصيات جمهورية كالزبيري وعبد المغني بأئمة زيديين كالإمام القاسم والمنصور، وابنه يحيى حميد الدين، يُذكر علي بن أبي طالب وفاطمةمرارا، بينما تحذف شخصيات إسلامية أخرى أو تُهمش أدوارها؛ كعائشة زوجة النبي وعمر بن الخطاب وغيرهم ممن لا تستهوي الجماعةَ عقائدُهم. والمعضلة أن الطفل الذي يتلقى تاريخاً يأتي من سردية مؤدلجة، وعقيدة مغلَّفة بالولاء والتبعية؛ فهو لا يتلقى سوى سرد مصمم لخلق ولاء سياسي ليس إلا.
حين يُلقن الطفل أن الجماعة وحدها حامية الوطن، وأن خصومها جزء من “تحالف أمريكي صهيوني”، فإن الأمر تدريجياً يُنمّي في داخله نزوع العنف وشيطنة الآخر، وهو الأمر الذي تستمر المليشيا في زرعه، إذ وثّق مركز صنعاء للدراسات في مناهج التربية الوطنية أمثلة تصف التحالف الذي تقوده السعودية بأنه جزء من “تحالف أمريكي صهيوني”، وتقدم الحوثيين باعتبارها حماة اليمن.
وهنا يصبح المعلم والمشرف الثقافي أدوات لتجنيد ناعم، حيث لا يبدأ الأمر بالسلاح، وإنما بإعادة تعريف مفاهيم البطولة والخيانة. وقد خلص فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة ضمن تقرير مفوضية حقوق الإنسان نشر في سبتمبر 2020 برقم A/HRC/45/6، إلى أن الحوثيين استخدموا التعليم بصورة استراتيجية في جهود تجنيد الأطفال، ووثّق حالات في 34 مدرسة بست محافظات، شملت أنشطة تعبئة وخطباً وعروضاً عسكرية.
قد لا تظهر مخاطر هذه السياسات جليّةً اليوم، لكنها قطعاً ستنتج رأس مال بشري مثقل بالاستقطاب، أكثر صعوبة في الاندماج داخل دولة مدنية جامعة بعد انتهاء الحرب، فالطفل الذي تتراكم في عقله محاولات تعبوية تمتد سنوات؛ ستنشأ في عقله خريطة ذهنية وطنها أضيق، وخصمها أوسع، والديمقراطية فيها موضع شك، والعنف قابلٌ لأن يتحول إلى قيمة أخلاقية، وكله تحت غطاء الدين والدفاع عن الوطن، ولذا فإن المشكلة لا تتعلق بالحاضر وحده، بل بالمستقبل وما بعد الحرب.
ولا أعني أن جميع الأطفال في مناطق المليشيا ضحايا لهذا التفخيخ، فالأسرة والمجتمع عاملان فارقان في استجابة الطفل للمشكلة أو رفضها، صحيح أن الأسرة ليس بمقدورها تغيير الكتاب المدرسي، لكنها تستطيع منعه من أن يصبح المصدر الوحيد للحقيقة.
يبدأ الأمر بتبنّي استراتيجية الحوار مع الطفل، ومتابعة ما يتعلمه يومياً، ومصدر المعلومات، وكيف قُدّمت له، ومن ثم تصويب المؤدلج منها، ومحاولة تدريب الطفل على التفكير النقدي وعدم التسليم التام لكل ما يتلقاه، وكذا غرس العقائد الدينية والسِّيَر المسندة والصحيحة، وتشجيعه على القراءة والمقارنة بدلاً من التلقين والحفظ. يبقى هذا الدور الأسري على أهميته إسعافاً فردياً لمشكلة يتطلّب علاجها تحرّكاً على مستوى الدولة والمنظومة الدولية.
لم تعد القضية اليوم شأناً داخلياً مبهماً، بل انتهاكاً واضحاً يتطلب نقله من رفوف التقارير إلى ساحة الإجراءات، ومواجهته تتطلب موقفاً دولياً جاداً، وكذا تعزيز الجهود الحكومية لاستعادة قطاع التعليم، وإعادة بناء مناهج وطنية جامعة تخلو من التحريض والأدلجة، وهي مهمة اليوم دون الغد؛ تمهيدا لإعادة بناء جيل يُعلي الدولة ويُحجّم السلالة.
إن أطفال طهران، من رفعوا صور الخميني في مدارسهم قبل عقود، هم اليوم ضمن قيادات الحرس الثوري، ولنا في الأمر عبرة، فمن يُلقَّن اليوم "أعظم شهيد" سيكون غداً فرداً من جيش يصعب ردعه، واعتبروا يا أولي الأبصار.




