يا حكومة الشرعية: آن أوان المبادرة

محمد الشعبي يكتب: يا حكومة الشرعية: آن أوان المبادرة!
الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بلا مواربة هي أن الحوثيين ليسوا طرفًا سياسيًا عاديًا يختلف مع الحكومة حول برنامج أو موازنة أو توزيع سلطة. نحن أمام مليشيا انقلابية مسلحة، ذات ارتباط واضح بالمشروع الإيراني، اختطفت مؤسسات الدولة، وصادرت قرار اليمن، وحوّلت أبناءه إلى وقود لحرب داخلية وإقليمية لا تنتهي. وما تفعله هذه الجماعة ليس دفاعًا عن اليمن ولا عن كرامته؛ بل استخدام لليمن، أرضًا وإنسانًا، في خدمة ولاء عقائدي عابر للحدود.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يتردد في كل بيت يمني، وفي كل جبهة، وفي كل مدينة أنهكتها الحرب: لماذا تظل الحكومة الشرعية في موقع رد الفعل؟ ولماذا لا تنتقل، وهي اليوم أكثر توحدًا وقدرة، إلى موقع المبادرة؟
تعز تكشف المشكلة وتفرض السؤال
في التصعيد الذي شهدته جبهات تعز والساحل الغربي في 3 سبتمبر/أيلول 2026، أفادت مصادر عسكرية يمنية بأن الحوثيين أطلقوا أربعة عشر صاروخًا باليستيًا بالتزامن مع هجمات بالطائرات المسيّرة، وأن المواجهات امتدت إلى الكدحة ومقبنة وموزع. وأفادت المصادر كذلك بأن القوات الحكومية أسقطت ثلاث مسيّرات، وصدت الهجمات، وأحبطت محاولات التسلل، ثم نفذت هجومًا مضادًا استعادت به مواقع قيل إن الحوثيين سيطروا عليها في الساعات الأولى.
هذه الوقائع تؤكد أمرين في آن واحد: الأول أن المليشيا ما زالت تختار توقيت التصعيد وتحاول فرض إيقاع المعركة؛ والثاني أن القوات الحكومية قادرة على الصمود والرد واستعادة زمام المبادرة متى صدر القرار وتكاملت الجهود. ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل يملك الجيش اليمني القدرة؟ بل أصبح: لماذا لا تتحول القدرة الموجودة إلى استراتيجية دولة؟
لقد تعودنا، طوال سنوات، على أن يهاجم الحوثي فتدافع الشرعية، ويتقدم الحوثي فتستعيد الشرعية، ويقصف الحوثي فتكتفي الشرعية بامتصاص القصف. وهذا الوضع لا يجوز أن يستمر. فالدفاع حق مشروع عندما يكون جزءًا من خطة وطنية، لكنه يتحول إلى عجز سياسي حين يصبح غايةً بحد ذاته. الدولة لا تُبنى على إطفاء الحرائق إلى الأبد، ولا تستعيد عافيتها وهي تنتظر من خصمها أن يقرر متى تبدأ المعركة وأين تنتهي.
لقد توحدت مؤسسات الدولة؛ فماذا ننتظر؟
كان من الممكن في مراحل سابقة أن تُفسَّر حالة التردد بتعدد مراكز القرار، وباختلاف القوى، وبغياب الانسجام الكامل بين التشكيلات المناهضة للحوثيين. أما اليوم، وبعد التعديلات الأخيرة في الحكومة، وبعد توحيد مؤسسات الدولة والقوات المسلحة ووضع مختلف الأطراف في بوتقة وطنية واحدة، فإن استمرار الخطاب القديم لم يعد مقبولًا.
لقد قطعت الشرعية خطوة سياسية ومؤسسية مهمة. جرى جمع الصف، وتوحيد مؤسسات الدولة، وإعادة تأكيد المرجعية الوطنية للقوات المسلحة، وأصبح من حق اليمنيين أن يروا أثر هذا التوحيد في الميدان. لا يكفي أن تكون المؤسسات موحدة على الورق، ولا أن تكون القوات المسلحة مجتمعة في البيانات والمراسيم؛ المطلوب أن يظهر هذا التوحيد في قرار حازم، وخطة واضحة، وحضور ميداني يفرض على الحوثيين أن يحسبوا حساب الدولة بدل أن تظل الدولة تحسب حساب تصعيدهم.
إن اكتمال وحدة القرار يزيل واحدة من أكبر ذرائع الانتظار. وإذا كانت المرحلة الماضية قد فرضت على الشرعية أن تراعي حساسيات متعددة، فإن المرحلة الجديدة يجب أن تفرض على الجميع الانضباط تحت راية الجمهورية. لم يعد مقبولًا أن تتحول التعددية السياسية إلى تعطيل للقرار الوطني، أو أن يُستخدم الحذر من الخلافات ذريعةً لإبقاء الجيش في وضع دفاعي دائم.
فالجيش اليمني يملك العقيدة والحق
الجيش الوطني اليمني ليس جيش جماعة، ولا جيش منطقة، ولا جيش مشروع خارجي. إنه جيش الجمهورية، وعقيدته يمنية خالصة، وولاؤه للدولة والدستور والوطن. ورجاله يعرفون جيدًا أنهم لا يخوضون حربًا على مذهب أو منطقة أو قبيلة، بل يقاتلون مشروعًا يريد مصادرة اليمنيين من حقهم في المواطنة المتساوية، وإعادة البلاد إلى حكم الامتياز السلالي.
كما أن الغالبية الساحقة من اليمنيين تقف مع الدولة والجمهورية، حتى لو اختلفت مع أداء الحكومة أو انتقدت بعض قراراتها. وهذا التفاف لا ينبغي أن يُهدر. فالمواطن اليمني يريد دولة تحميه، وجيشًا يرفع عنه الخوف، وحكومة تقول له بوضوح إن الجمهورية ليست قضية مؤجلة، وإن الانقلاب ليس قدرًا أبديًا.
وتشير مختلف التحليلات إلى أن الحوثيين استفادوا من الانقسام السياسي والعسكري في المعسكر المناهض لهم في السابق، وإلى أن ضعف المؤسسات وتعدد الأجندات أَطالا أمد الأزمة.
لكن هذه الحقيقة، بعد توحيد المؤسسات والقوات بحسب المعطيات الجديدة، ينبغي أن تتحول من تفسير للتأخر إلى حافز لتجاوزه. لقد انتفت الحجة؛ فليبدأ الفعل.
المبادرة ليست تهورًا، بل حق الدولة
حين نطالب الحكومة بالمبادرة، لا نطالبها بإلقاء الجنود في معارك عمياء، ولا بفتح جبهات بلا حساب، ولا بإهدار دماء اليمنيين في انتصارات إعلامية مؤقتة. نحن نطالبها بأن تدير الحرب بعقل الدولة لا بعقل رد الفعل، وأن تجعل للحوثيين أكثر من جبهة ضغط، وأكثر من سؤال، وأكثر من حساب.
إدارة معارك متفرقة لا تعني الفوضى أو تشتيت القوات. معناها السياسي أن تتوقف الحكومة عن السماح للحوثي باختيار الجبهة والوقت والهدف في كل مرة. ومعناها الوطني أن تبادر الشرعية، في جبهات مختلفة وبصورة منسقة، إلى استعادة مواقعها، وتثبيت حضورها، وإرباك قدرة المليشيا على نقل الضغط من مكان إلى آخر. أما تفاصيل التنفيذ، فهي شأن القيادة العسكرية المختصة، لا شأن المنابر العامة.
المطلوب استراتيجية مبادرة تقوم على وحدة القرار، وترتيب الأولويات، واستثمار التفوق المعنوي للشعب والجيش، وربط كل تحرك عسكري بهدف سياسي واضح. لا نريد حربًا بلا نهاية، بل نريد قوةً تجعل السلام ممكنًا وعادلًا. فالسلام الذي يأتي بعد ردع الانقلاب ليس كالسلام الذي يُبنى على خوف الدولة من مواجهة المعتدي.




