عبد الله لملس: وزارة التربية تعاني بسبب حرب اليمن.. حوار

حاوره: همدان العليي   

أدّت الحرب التي تجتاح اليمن منذ أكثر من عام ونصف العام إلى انقسام انعكست آثاره بصورة مباشرة على التعليم في البلاد لتخلّف واقعاً متدهوراً غير مسبوق. يتناول وزير التربية والتعليم عبد الله لملس هذه المشاكل في حوار.

 

بعد أكثر من شهر على انطلاق العام الدراسي الجديد، كيف يمكن وصف واقع التعليم في اليمن؟

تعاني العملية التعليمية من مشكلات مختلفة، بعضها قديم من قبل الحرب، وبعضها ناتج عن اضطراب الوضع الاقتصادي والأمني والسياسي كنتيجة طبيعية للحرب المستمرّة منذ نحو سنتَين. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حكومة الشرعية ومذ غادرت اليمن بعد الانقلاب، تناست التعليم تماماً. ثمّة ثلاث وزارات تعليمية هي وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة التدريب الفني والتعليم المهني، لكنّها غائبة عن المشهد كلياً ومن دون تمثيل في الحكومة لمدّة سنة كاملة. وقد تنبّهت القيادة السياسية لذلك أخيراً، ونحاول اليوم إعادة العمل المؤسسي في وزارتنا وفق المعطيات الحديثة وبناء على متطلبات الدولة الاتحادية المتفق عليها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

وكنت قد أصدرت تعميماً على كل المحافظات حتى تلك التي يسيطر عليها الانقلابيون، يوضح متى تبدأ العملية التعليمية ومتى تنتهي. وفعليا بدأ العام الدراسي 2016 – 2017 كما كان مخططاً له، على الرغم من التحديات، في 25 سبتمبر/ أيلول الماضي، مباشرة بعد عيد الأضحى. للأسف، رفض الحوثيون التعاطي مع تعميمنا، وحددوا موعداً مختلفاً لبداية العام الدراسي وأرجأوه أكثر من مرة. حاولنا مراراً إبعاد العملية التعليمية عن الخلافات السياسية، وكنّا نتمنى أن تبدأ الدراسة في كلّ مدارس اليمن في وقت واحد.

 

ما هي المشكلات التي يواجهها التعليم في البلد، وهل من خطط لحلها؟

مشكلات التربية والتعليم في اليمن لا تنتهي. العام الدراسي بدأ وطريقنا ليس مملوءاً بالورود، بل العكس. سوف أذكر بعض المشكلات التي نعدّها ذات أولوية في الحلّ. أبرز المشكلات التي نواجهها هذه الأيام هي عدم توفّر الكتاب المدرسي، والمدارس التي دمّرت تماماً في الحرب، والمدارس التي يسكن فيها نازحون، والمدارس التي يسيطر عليها الانقلابيون. لهذا، ارتفع عدد التلاميذ بصورة كبيرة، الأمر الذي تسبّب في ازدحام في المدارس. وقد وصل العدد في الفصل الواحد إلى مائة تلميذ، بعدما كان الحدّ الأقصى 40 أو 50 تلميذاً. وهذا الأمر يمثّل عبئاً على المدرّس وإدارة المدرسة وكذلك الوزارة. ويعود هذا الازدحام إلى اليمنيين النازحين من مناطق تشهد مواجهات عسكرية شديدة، مثل تعز وجبن ودمت ومريس والبيضاء. ولأنّ حلول أكثر المشكلات الطارئة التي نواجهها مرتبطة بالجانب المالي، نعمل حالياً على التواصل مع المنظمات الدولية العاملة في مجال التعليم ومنها مركز الملك سلمان وهيئات الإغاثة الخليجية من أجل حلّ بعض المشكلات سريعاً، من قبيل ترميم المدارس وطباعة الكتاب المدرسي.

واليوم، نعمل على إعادة التعليم إلى ما كان عليه قبل الحرب، كخطوة أولى. بعدها نعمل على تطوير العملية التعليمية. على اليمنيين أن يعرفوا بأنّ سنتَين تقريباً من الحرب جاءتا لتدمّرا عمل نحو 15 سنة من البناء في التعليم الأساسي.

 

كيف يكون تعويض هذه الخسارة وإصلاح ما دُمّر؟

لا يمكننا في وزارة التربية والتعليم أن نواجه التحديات الخاصة بالتعليم بمفردنا. لا بدّ من أن يكون ثمّة قرار سياسي ومشاركة مجتمعية ودعم دولي، لنتمكن من تجاوز هذه المرحلة الصعبة. وكما نجحنا في تسيير العام الدراسي الماضي والامتحانات على الرغم من التحديات وفي مقدمتها شحّ الإمكانات، كذلك سوف ننجح في الأيام المقبلة إن شاء الله.

 

– واجهتم صعوبة في تنظيم امتحانات العام الدراسي الماضي. هل أثّر ذلك على التلاميذ؟

عندما حان موعد الامتحانات، لم نكن نملك ميزانية لها ولا بنية تحتية. فالمحافظات المحرّرة تعتمد في الامتحانات على ما يأتي من صنعاء، لهذا اضطررنا إلى جمع مساعدات من جهات مختلفة. وأستطيع القول إنّ وزارة التربية والتعليم اليمنيّة تعتمد على المساعدات. أنشأنا مركز حاسوب آلي جديداً في عدن يُعنى بتنظيم العملية التعليمية والاختبارية. وللأمانة، لولا مساعدة محافظ عدن اللواء عيدروس الزبيدي ومحافظ حضرموت اللواء أحمد سعيد بن بريك لكانت الامتحانات فشلت في المحافظات المحررة. كانت الامتحانات تكلفنا عملياً 300 مليون ريال يمني (نحو مليون و200 ألف و500 دولار أميركي)، لكنّنا أعددناها بثلاثين مليون ريال (نحو 120 ألفاً و50 دولاراً). وفي عملية تصحيح امتحانات الثانوية العامة التي خضع لها 54 ألف تلميذ وتلميذة في المحافظات المحررة، وهي عملية تحتاج إلى إمكانات كبيرة، أنشأنا لأوّل مرة في تاريخ هذه المناطق كنترول (مركزاً) للتصحيح في عدن وآخر في حضرموت، لأنّ اليمن كان يملك كنترول واحداً فقط في صنعاء.

 

– بالنسبة إلى المدرّسين، هل الشغور كبير؟

بالتأكيد نعاني من نقص شديد في توفّر المدرّسين. فعدد كبير منهم التحقوا بجبهات القتال في عدن والمناطق المجاورة. وثمّة مدرّسون كثر ما زالوا حتى اليوم يقاتلون مع المقاومة. لذا عملنا مع السلطات المحلية ومنظمات مجتمع مدني محلية على تغطية هذا النقص. على سبيل المثال، في محافظة حضرموت، تعاقدت “مؤسسة العون للتنمية” مع مدرّسين من خرّيجي كلية التربية لتغطية النقص في أعداد المدرّسين هناك. أمّا في عدن، فنجد شبه اكتمال في عدد المدرّسين. في شبوة وأبين والضالع وتعز، ثمّة نقص، لكنّ المبادرات التطوعية تساعدنا في معالجة المشكلة مؤقتاً.

 

حذّرت منظمة يونيسف من أنّ التعليم في اليمن دخل مرحلة الطوارئ، ماذا يعني ذلك؟

للأسف، اليونيسف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) منقطعة بصورة كاملة عن التعامل معنا. هي مصرّة على عدم التعامل معنا كوزارة، بل تتعامل مع مكاتب المحافظات مباشرة. إذا كانت اليونيسف التابعة للأمم المتحدة معنيّة باليمن، عليها إذاً الاعتراف بالشرعية، وبالتالي التعامل رسمياً مع الوزارة. هذا بالنسبة إلى الهدنة. أمّا بالنسبة إلى مرحلة دخول اليمن مرحلة الطوارئ، فدعني أوضح الأمر. كان لدينا “برنامج الشراكة العالمية لدعم التعليم في اليمن” وكانت اليونيسف مسؤولة عن إدارة هذا البرنامج. بعد اندلاع الحرب، عقد اجتماع في الأردن، دعيت إليه سلطة الأمر الواقع في صنعاء وجرى تجاهل قيادة وزارة التربية والتعليم الشرعية في عدن. عندها، تحوّل برنامج الشراكة إلى برنامج طوارئ. تجدر الإشارة إلى أنّ برنامج الشراكة العالمية كان يعمل على تطوير العملية التعليمية من خلال بناء المدارس وتحديث التعليم وتأهيل المدرّسين واستكمال نهج القراءة وأعمال كثيرة أخرى. وقد حوّلت كلّ الإمكانات إلى برنامج طوارئ.

 

يسيطر الحوثيون على العملية التعليمية في نحو عشر محافظات. ما هي تأثيرات هذا الانقسام؟

لا نعارض كلّ ما يخدم العملية التعليمية، لكنّ إخواننا في المحافظات الأخرى لا يلتزمون بقرارات الوزارة. نحن نتفهم دوافع مكاتب التربية والتعليم في هذه المحافظات بسبب الضغوط التي يمارسها الحوثيون عليهم. ونتمنى من الله أن يحلّ هذا الأمر وتتوحّد مهام وأعمال العملية التعليمية. هذا الانقسام يؤثّر على كل المستويات، مثل المالية والمناهج. كذلك نحن نختلف جذرياً في مسألة تعديل المناهج، بالإضافة إلى مشكلات أخرى يسبّبها الانقسام.

 

ما هي قيمة الموازنة المرصودة للتعليم هذا العام، وهل هي متوفّرة وكافية؟

حتى يومنا، لا يُخصص فلس واحد للوزارة، مثلنا مثل الوزارات الأخرى، بسبب الظروف التي تعيشها البلاد. فنعمل بما نحصل عليه من مساعدات.

 

– ما هو عدد التلاميذ الذين يتابعون دراستهم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية؟ وكم عدد المدارس التي تضررت من الحرب؟

حتى الساعة، لم توافنا بعض مكاتب التربية والتعليم في المحافظات بالإحصاءات الدقيقة المؤكدة. وخلال هذا الشهر، نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، سوف نعدّ إحصاءاتنا. لكن يمكننا الحديث عن عدد تقديري للتلاميذ الملتحقين بالصف الأول أساسي وهو 540 ألف تلميذ وتلميذة. أمّا الإجمالي العام للتلاميذ والتلميذات الملتحقين بالدراسة لهذا العام فهو نحو خمسة ملايين و600 ألف تلميذ وتلميذة. إلى ذلك، ثمّة 1600 مدرسة مدمرة بالكامل أو جزئياً في عموم الجمهورية، في حين لا يتجاوز عدد المدارس التي يشغلها النازحون 34 مدرسة. وحالياً نعمد إلى نصب خيم متنقلة، للتعويض عن المدارس المدمرة. وسوف نبدأ بمحافظتَي مأرب وأبين.

 

ماذا عن الكتاب المدرسي؟

أكثر المشكلات تعقيداً اليوم هي عدم قدرتنا على توفير الكتاب المدرسي. هذه مشكلة في حاجة إلى حلّ عاجل. قبل الحرب، كانت وزارة التعليم تخصص له أكثر من 11 مليار ريال (نحو 44 مليوناً و13 ألف دولار). لكن مع سيطرة الانقلابيين على البنك المركزي، راحوا يطبعون 50 في المائة من حاجة البلد إلى الكتاب المدرسي فقط، وصادروا المخصصات الباقية لما سمّوه “المجهود الحربي”. إلى ذلك، أجرى الحوثيون تعديلات على الكتب المطبوعة. فعمدنا إلى إلغاء بعض الكتب المعدّلة، بالتالي نحن في حاجة إلى طباعة 50 في المائة ممّا نحتاجه.

 

ما هو الحل الأنسب لهذه المشكلة التي تؤثّر بالتأكيد على تحصيل التلاميذ العلمي؟

خاطبنا مركز الملك سلمان للإغاثة، ووضعنا مقترحَين. لدينا مطبعتان في عدن وحضرموت في إمكانهما طباعة الكتب المدرسية لليمن كله. نحن في حاجة فقط إلى مواد خام (ورق وحبر) بالإضافة إلى آلتَين لتصميم الكتاب المدرسي. نحن نطلب التمويل لشراء هذه المتطلبات، أو تزويدنا بها. لا أعتقد أنّ أحداً يستطيع إنقاذنا خلال الفصل الدراسي الأول، لكنّنا نحاول الاعتماد على حلول من قبيل أن يتابع كل تلميذَين في كتاب واحد إلى حين حلّ المشكلة.