زواج القاصرات… الحرب تعيده بقوة في اليمن

زواج القاصرات… الحرب تعيده بقوة في اليمن

عُرِف اليمن بالزواج المبكر، لكنّ الحرب هناك نسفت كلّ المبادرات التي كانت تستهدف محاربته وأعادته بقوة، لأسباب عديدة، بالرغم من خطورته على الفتيات ومواليدهن.

في منطقة مسور بمحافظة عمران (شمال)، زف أبو يسرا طفلته (14 سنة)، لأحد شباب القرية. أبو يسرا وعائلته ليسوا من القرية بل نزحوا إليها من محافظة صعدة بسبب الحرب وأقاموا خيمة على أرضها منذ بداية غارات التحالف الجوية.

يقول والد يسرا إنّه اضطر لإخراج ابنته من مدرسة المنطقة لتزويجها بعد عجزه عن الوفاء باحتياجات أسرته في البقاء على قيد الحياة بعد نزوحها مرات عديدة خلال عدة حروب. فبهذه الطريقة يتخلص أبو يسرا من تحمل متطلبات معيشة ابنته، ويضمن تحسن حياتها مع زوجها الأفضل حالاً، إلى جانب حصوله على مهرها بمبلغ 850 ألف ريال يمني (4 آلاف دولار أميركي)، ليدعم به أسرته أشهراً، ولا ينفق منه سوى القليل لشراء الذهب اللازم لزفافها.
يضيف: “في نهاية المطاف، ستتزوج ابنتي وليس لها إلّا منزل زوجها فلماذا تأخير الزيجة؟”. يقول إنّه يحرص على “سترها في هذه المرحلة الصعبة”. ويتابع: “أخاف أن تؤذينا الحرب أكثر ولا أتمكن من توفير حياة كريمة لها، فلا يوجد لدينا منزل ولا أعمال نقتات منها، كما توقفت المنظمات والجهات الرسمية عن تقديم الدعم للنازحين”.
لا يعتبر والد يسرا نفسه مخطئاً هنا، “فالدين شرّع المسألة في زواج الرسول وبعض الصحابة بفتيات بسنّ يسرا وأصغر”، بحسب قوله.
ومع ازدياد أعداد حالات الزواج المبكر، تختلف طبيعة الأهداف من ورائها. فقد بات الزواج يختصر مرحلة الطفولة والمراهقة ليجلب مرحلة النضج سريعاً، ومعها العمل وزيادة الإنتاج الاقتصادي في كثير من الأسر. ففي قرية الخضراء بمحافظة تعز (270 كلم جنوب صنعاء)، تزوج الطفل محمد مهيوب (13 عاماً)، من ابنة خاله (12 عاماً)، ليتوجه بعد “شهر عسل” قصير إلى أحد أسواق العاصمة اليمنية صنعاء فيبيع الجبن البلدي المصنّع في قريته. يقول مهيوب إنّه سرعان ما استجاب لطلب والدته بالزواج بعد أن “ساءت الأحوال المعيشية في القرية بشكل غير مسبوق”.

ويتابع مهيوب: “ما زالت مصادر الدخل في صنعاء أفضل منها في تعز التي انعدمت فيها الفرص بسبب الحرب. عروسي بدأت بمساعدة أمي في فلاحة الأرض ورعي الماشية التي نملكها. كما تتعلم صنع الجبن البلدي”. ويلفت إلى أنه اضطر كغيره من الأطفال إلى ترك الدراسة بسبب الحرب.

 

عوامل تقليدية
ويعد الزواج المبكر عادة شائعة في الكثير من القرى اليمنية بالذات. ويدعم هذه الظاهرة ترديد الناس لأحاديث وأحداث دينية تعزّز هذه الثقافة. والملاحظ أنّ الكثير من المنظمات الحقوقية التي واجهت الظاهرة وحققت إنجازات قبل الحرب من خلال نشر الوعي وتفاعل الناس، تراجعت بسبب الحرب التي أوقفت عملها، ما دفع الظاهرة للنمو بشكل أكبر اليوم.

وهناك الكثير من العوامل التقليدية لظاهرة الزواج المبكر تتشابه في اليمن مع دول عربية أخرى. فكثيرون يرددون المثل “تزوج بنت الثمان (سنوات) وعليَّ الضمان”.. فهم يعتبرون الفتاة الصغيرة كعجينة طيّعة تمكّن الزوج من تشكيل شخصيتها وثقافتها واحترامها له ولأهله وطريقة عيشهم.

في السياق، تحرص بعض الأسر على تزويج اثنين أو ثلاثة من أبنائها أو بناتها دفعة واحدة من أجل تجنّب دفع تكاليف إقامة الأفراح كلّ مرة وإنقاذ مدخراتها من انهيار أكبر نظراً لارتفاع هذه التكاليف. فالأعراس بحسب العادات القبلية، واجبة ولا ترحم الأسرة أو تسمح لها بإقامة أعراس بسيطة خصوصاً في الريف.

مع ذلك، يشهد الريف اليمني تحسناً نسبياً في تخفيض عدد حالات الزواج المبكر في السنوات الأخيرة بفعل جهود منظمات المجتمع المدني. لكن الحرب في معظم مناطق البلاد أجّلت تلك الجهود، وأعادت الوضع إلى حال أسوأ مما كانت عليه. فالحرب توسع ظاهرة الزواج المبكر لأسباب اقتصادية، كشفت عنها دراسة لمنظمة “أوكسفام” البريطانية. فقد أفادت بأنّ الظاهرة تتسع في تجمعات النازحين، خصوصاً في محافظة حجة (شمال)، بعد أن كانت محافظتا الحديدة (غرب) وحضرموت (شرق) الأكثر تأثراً بها قبل الحرب.

 

الحمل المبكر
عادت سلوى ز. (14 عاماً)، إلى منزل والدها بعد سنة من زواجها لتبقى بين إخوتها السبعة رافضة العودة رغم مراجعات زوجها المتكررة. فهي تشعر بالخوف من أسرته التي عاملتها بقسوة وكلفتها بأعمال شاقة تفوق قدرتها البدنية، بحسب والدتها التي بدأت تشعر بالندم لمشاركتها في الضغط على ابنتها في الزواج.

تقول الوالدة: “وصلت سلوى إلى منزل زوجها وهي طفلة لا تعرف مهارة إلا إعداد الشاي وغسل الصحون واللعب مع الأطفال، ولهذا واجهت صعوبات، لكنّ أهل زوجها لم يتفهموا ذلك”. وتضيف: “تغيرت سلوى وباتت لغتها عدائية وترفض التدخل في حياتها، ولهذا ترفض العودة رغم ضغوط والدها المستمرة عليها”.

من جهته، يقول طبيب الصحة الإنجابية رامي المقطري، إنّ سن الزواج يرتبط باكتمال نضوج جسم الفتاة وصحته بشكل عام والصحة الجنسية لها على وجه الخصوص. ويعتبر الزواج المبكر سبباً مباشرا للحمل المبكر الذي تنعكس آثاره الصحية الخطيرة على الفتاة وتكون سبباً في فقدانها حياتها أو حياة جنينها. وتتعاظم هذه المخاطر في ظروف الحرب الراهنة السيئة بشكل أكثر.

يضيف المقطري: “يعاني مواليد هذه الأمهات من نقص الوزن بشكل عام وسوء التغذية، وعادة ما يزن الطفل أقل من 2.5 كيلوغرام”. ويشير إلى أنّ هذه المشكلة تنتج عن عدم النضج البدني لجسم الأم وجهلها بالممارسات السليمة والتغذية المطلوبة لنفسها ولوليدها أثناء الحمل وبعد الولادة.

ويلفت إلى أنّ الزواج المبكر “من أهم أسباب ارتفاع وفيات المواليد والأمهات أثناء وبعد الولادة في اليمن”. ويؤكد ل “العربي الجديد”، أنّ هذا الزواج يزيد من احتمالات الانهيار الصحي للأم صغيرة السن أثناء الحرب “نتيجة انعدام الرعاية الصحية بعد إغلاق الكثير من المرافق الصحية وشح المياه الضرورية للنظافة وانعدام الدعم التشغيلي والدوائي للمستشفيات”.

 

برامج غير كافية
من جهته، يوضح العامل الاجتماعي محمد الماوري، الذي يعمل في مراقبة وتقييم أثر المشاريع التنموية، أنّ حالات الزواج المبكر في اليمن “زادت خلال فترة الحروب كواحدة من وسائل تكيّف المجتمعات المتضررة مع الأوضاع المعيشية الصعبة التي تستمر في التدهور مع طول فترة الحروب والنزوح، واستمرار الأسر في فقدان الخدمات الأساسية العامة والأصول الإنتاجية المختلفة، مثل المدخرات والحلي والسيارات والماشية وغيرها”.

ويضيف الماوري لـ”العربي الجديد”، أنّ عدداً من منظمات الإغاثة العاملة في اليمن “عدّلت بعض برامجها أخيراً لتأخير أو منع زواج القاصرات من خلال إيجاد منهجيات اقتصادية جديدة، منها توفير فرص عمل ذات أجور للأسر التي تنوي تزويج صغارها، من أجل تحسين ظروفها المعيشية، وإيجاد مصادر دخل أو خدمة مستدامة تعين الأهالي على تحسين حياتهم مستقبلاً”. ومع ذلك، فإنّ تلك البرامج غير كافية أبداً لمعالجة هذه الظاهرة بسبب تأثير الحرب على عمل المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية والمحلية.

جدير بالذكر أنّ تقريراً صادراً عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن (أوتشا)، أكد أنّ النزاع والنزوح أديا إلى زيادة مخاطر العنف ضد المرأة، لا سيما العنف الجنسي، والعنف الأسري والزواج المبكر. ويشير التقرير إلى أنّ 52 ألف امرأة من المحتمل أن يكن عانين من العنف الجنسي ويحتجن إلى الرعاية الطبية المنقذة للحياة والدعم النفسي والاجتماعي.

وكان زواج الصغيرات أحد أهم القضايا الاجتماعية المثارة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي اختتمه اليمنيون قبل أكثر من عامين. وفيه تم اعتماد سنّ 17 عاماً كأدنى سن قانوني للزواج. لكنّ المسعى فشل بعد الفوضى التي حلت في اليمن والحرب التي تلتها.

وتبقى الإشارة إلى أنّ البرلمان اليمني فشل قبل بضع سنوات في سنّ قانون يحدد سن الزواج بـ17 عاماً فما فوق. فقد لاقى المقترح يومها معارضة شديدة من القوى الدينية التي رأت في القرار “تحريماً لما أحلّه الله”.