أطفال الميزان في اليمن

  

أطفال الميزان - عمالة الأطفال في اليمن

الطفل اليمني حمود دبوان لم يتجاوز السابعة من العمر، لكنّه مع ذلك، يحمل ميزاناً أمام النصب التذكاري المصري في منطقة عصر في العاصمة اليمنية صنعاء، باحثاً عن زبائن يزنهم مقابل مبلغ مالي بسيط يساعده هو وأسرته في مواجهة شظف العيش الذي ازداد بسبب الحرب.

بدأ دبوان التنقل بين الأسواق والعمل بالميزان منذ أكثر من عام. يقول لـ”العربي الجديد”: “أعمل في أيام الدراسة بعد انتهاء الحصص بشكل شبه يومي، ومع بداية الإجازة الصيفية قبيل شهر رمضان بدأت العمل على فترتين صباحاً ومساء”. يشير إلى أنّ هذا العمل بسيط ولا يجهده جسدياً وإن كان يعرضه لبعض المضايقات. يجني دبوان يومياً ما بين 700 ريال يمني و1500 (6 دولارات أميركية) وهو مبلغ لا بأس به بالنسبة لأسرته إذ يساعدها في توفير الاحتياجات اليومية.

يتلقى دبوان المساعدة من الناس أينما ذهب: “يعرفون أنّ ظروف أهلي صعبة وأنّي أستحق المساعدة. ولهذا، دائماً هناك من يزيد المبلغ الذي يقدمه لي. أحياناً يقدم لي المارة خصوصاً النساء مبالغ من دون أن يزنوا أنفسهم”. وبالرغم من المنفعة التي يحصل عليها دبوان من خلال مداومته على هذا العمل، إلاّ أنه يتمنى تركه ليتفرغ للدراسة وللحفاظ على صحته كونه يتعرض لأشعة الشمس الحارقة طوال ساعات.

ينتشر أطفال بأعمار مختلفة في شوارع صنعاء العامة وأمام المطاعم والمحلات التجارية وهم يحملون موازين في أيديهم ليزنوا المارة مقابل مبالغ زهيدة لا تتجاوز عشرة ريالات. هذا العمل يعتبر مصدر دخل لكثير من الأسر لكنّه يعرض الكثير من الأطفال للخطر.

في هذا السياق، يتعرّض الطفل عبد الله البكير (8 سنوات) للمضايقة والتحرش أثناء مداومته أمام مطاعم بسوق منطقة التحرير وسط صنعاء. يقول: “يحاول بعض الأطفال الذين يكبرونني سناً الاعتداء عليّ وسرقة ما أحصل عليه لكن كثيراً ما أجد الدعم والحماية من قِبل المارة أو أصحاب المطاعم أو العاملين فيها”. يشير إلى أنّه يتعرّض للمضايقات بشكل شبه يومي لكنّ هذا لا يمنعه من الاستمرار في العمل: “في كثير من الأحيان يأتي شبان ليزنوا أنفسهم، لكنّهم يرفضون إعطائي الثمن، ولا أستطيع فعل شيء، بل أتركهم يذهبون بدلاً من ضربي، فأنا صغير ولا أستطيع مقاومتهم”.

يوضح البكير أنّ العمل في وزن الناس من أسهل الأعمال على الأطفال: “ليس فيه حمل أثقال ولا نتعرض لحوادث السيارات”. يضيف أنّه كان يعمل في السابق بائع مناديل جيب (كلينكس) عند شارات المرور، لكنّ هذا العمل خطير ويعرضه للموت كما حدث لأحد الأطفال كما يقول. وعن مصير المال الذي يجمعه كلّ يوم، يقول البكير إنّه يقدمه لوالدته بعد أن يأخذ منه ما يحتاج لشراء بعض الاحتياجات.

في هذا الإطار، تعتبر المتخصصة الاجتماعية هند ناصر، أنّ كثيراً من أطفال اليمن يتعرضون لانتهاكات مختلفة ناتجة عن ممارسة بعض الأعمال منذ وقت مبكر. تشير إلى أنّ عمل الأطفال في مجالات معينة ربما لا يضر بصحتهم لكنه يؤثر على تحصيلهم العلمي ويسلب منهم حق الشعور بطفولتهم.

تقول: “كلّ الأعمال غير مناسبة للأطفال، فهذه المرحلة خاصة فقط باكتساب المعرفة وفهم الواقع من خلال التعلم المباشر أو الترفيه”. تشير إلى عدم ايمان كثير من أولياء الأمور بهذه القاعدة “فهم يعتقدون أنّ عمل الأطفال يكسبهم الخبرات التي لا يكتسبونها في المنزل أو المدرسة”. تلفت إلى أنّهم يكتسبون خبرات في مجالات محددة، لكنّ الأهم أنّهم يحرمون، في المقابل، من كثير من الحقوق ويتعرضون لأشكال مختلفة من الأذى.

تضيف ناصر أنّ عمل أيّ طفل يكون على حساب صحته وتحصيله العلمي مهما اعتقد الآباء أنّ أطفالهم قادرون على التوفيق بين العمل والمدرسة. تواصل: “قدرة استيعاب وتحمّل الأطفال تحت سن العاشرة محددة ولا يمكنهم التوفيق بين التعليم والعمل في الوقت نفسه”.

يبلغ عدد الأطفال في سن التعليم (بين 5 أعوام و17 عاماً) في اليمن 7.7 ملايين طفل يمثلون 34 في المائة من إجمالي عدد السكان. وكانت دراسة عن عمالة الأطفال في الدول العربية تعود إلى عام 2015 قد أشارت إلى أنّ اليمن يتصدر القائمة بتسرب 1.8 مليون طفل من التعليم، والتحاق 1.6 مليون طفل بسوق العمل. أكدت الدراسة الصادرة عن منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، أنّ معظم هؤلاء الأطفال يجمعون ما بين الدراسة والعمل. وأشارت إلى أنّ معظم الأطفال الذين يجمعون ما بين التعليم والعمل يحصلون على درجات متدنية، بعكس أقرانهم غير العاملين.