الصومال بين جحيم الاقتتال الداخلي والصمت الدولي

الصومال بين جحيم الاقتتال الداخلي والصمت الدولي

في ذكرى استقلال الصومال التي توافق الأول من يوليو ها هو الصومال بعد 49 عاما يزداد الوضع فيه تعقيداً كلما تبدلت محاور الصراع، فالمواجهات المسلحة دائما ما يكون الشعب الصومالي وقودها.

بدأ الاقتتال الداخلي عقب سقوط الدول المركزية ونظام الرئيس محمد سياد بري في 1992، وهو ما دعا القوات الأميركية والدولية للتدخل؛ لكنها لم تر إلا الجحيم هناك.

منذ ذلك التاريخ أصبحت الصومال ساحة صراع دولي وإقليمي وتصفية حسابات انعكست على شكل مواجهات داخلية بين أمراء الحرب الذين تشكلوا عقب سقوط أجهزة الدولة العسكرية والمدنية.

جاءت المحاكم الإسلامية لتحسم صراع النفوذ بعد 14 عاما على سقوط النظام، بيد أن التدخل الأثيوبي أنهي سيطرة المحاكم.

مطلع 2009، عاد قائد المحاكم شيخ شريف شيخ أحمد رئيسا انتقاليا للبلاد، لكن ما إن وصل مقديشو حتى ألهب رفاقه وبقية الحركات الجهادية الأرض من تحت أقدامه ليتركه المجتمع الدولي، وقبل ذلك العربي، وحيدا في ساحة زج به إليها عن قناعة أنه القادر على تحقيق الأمن والاستقرار.

اليوم، وبعد ما يقارب 18 عاما من سقوط الدولة الصومالية لم يشعر الصوماليون بأي دور للأمم المتحدة والجامعة العربية.

لقد كُتب على الصوماليين أن يستمر نزيف جرحهم، فمع كل يوم يصحو الناس في مقديشو وبقية المُدن والقرى الصومالية على قتلى وجرحى ونازحين بالعشرات، وأصبح جميعهم (الصوماليون) بين عذاب الفقر والبطالة وقهر اللجوء ورعب الهجرة عبر البحار والموت جوعا أو بالرصاص داخل بلادهم.

اللاجئون الصومال في اليمن.. يا عرب أنقذوا بلادنا

كما الصوماليون في بلادهم يشعرون باستياء كبير من تخاذل المجتمعين العربي والدولي، يشعر الصوماليون في اليمن بنفس الشعور، وهم بين متفائل من الوضع ومتشائم، لكنهم يجمعون على أن كل يوم يمر والحرب الأهلية في بلادهم مستمرة يعني مزيدا من التعقيدات ومزيدا من إزهاق الأرواح ومزيدا من خيبة الأمل في إيجاد فرص حلول.

يقول الدكتور محمد موسى مبارك (طبيب بيطري): “الصوماليون تفاءلون كثيرا بحكومة شريف في أن تنجح في فرض سيطرتها وإحلال السلام، لكن لأن العرب تناسوا إخوانهم الصوماليين وتخلوا عنهم منذ ما يقارب عشرين عاما، يحصل ما يحصل الآن”.

ويؤكد أن “الحكومة الحالية محتاجة لدعم ومساندة المجتمع الدولي وبالذات الجامعة العربية لإحلال الأمن والاستقرار”.

ويشير إلى أنه “في حالة حصول حكومة شريف على دعم دولي سيحل الاستقرار في الصومال خلال العامين القادمين”.

ويقول: “نحن أعضاء في الجامعة العربية، وعليها مساعدتنا، وأميركا والغرب يريدون السيطرة على المياه الإقليمية الصومالية والاستيلاء على ثرواتها”.

ويدلل الطبيب الصومالي بالقول: “لو يخصصون المبالغ التي ينفقونها على سفنهم في تلك المياه للحكومة الصومالية لاستطاعت القضاء على القراصنة ومكافحتها”.

يشيد هذا اللاجئ بدور اليمن تجاه الشعب الصومالي:”بمساعيها لإحلال السلام واحتضانها للصوماليين الفارين من الحروب؛ كونها الدولة الوحيدة التي تسمح لهم الدخول وتمنحهم الحريّة”.

أما طالب الدراسات العُليا في جامعة صنعاء، عبد الرحمن عبدالله ميدي، فيرى أن “الفرصة الوحيدة لاستقرار الصومال تكمن في ظل رئاسة شريف شيخ أحمد”.

ويستدرك: “لكنه يحتاج لدعم المجتمع الدولي والعرب لفرض سيطرته، خاصة وأن شريف له شعبية كبيرة في الصومال”.

ويعتقد ميدي أن الصومال تحتاج لتكون دولة مستقرة إلى “نيّة وإرادة صادقة لدى حكومة شريف بالأخذ بمصلحة الشعب وتحقيق الأمن والاستقرار”.

ويرى طالب الدراسات العليا بجامعة صنعاء، عبدالله شيخ مبارك، أن الأمل في إيجاد الأمن والاستقرار في ظل حكومة شريف “قد يتحقق في حال حصولها على الدعم الخارجي”.
ويؤكد أن غياب دور الجامعة العربية “سبب فيما تعيشه الصومال حاليا من حروب ودمار”.

ويقول “الدور العربي غائب ليس في الصومال فقط بل في مياه البحر الأحمر الذي أصبح مسرحا للقوات الدولية”.

ويضيف: “وفي ظل عدم تكاتف العرب لحل المشكلة الصومالية ستتحول إلى كارثة لدول المنطقة”.

أما رئيس الجالية الصومالية في اليمن، إبراهيم عيديد محمد، فرؤيته أكثر تشاؤما تجاه بلده الذي عانى ويلات الحروب الأهلية منذ ما يقارب عشرين عاما، ويقول: “الوضع الحالي في الصومال أسوأ من السابق بسبب أنه كان سابقا فصائل داخل الصومال، أما الآن فصائل داخلية وخارجية يتحاربون”.

ويؤكد أن مهمة شيخ شريف ستكون صعبة جدا أكثر من سابقيه “خاصة وأن المتطرفين الإسلاميين يهاجمونه بعدة وسائل مستندين على الدين”.

ويضيف رئيس الجالية الصومالية في اليمن “المشكلة في الصومال صراعات قبلية، وعمل المصالحة خارج الصومال لن يحل المشكلة ويعيد الاستقرار”.

ويقترح هنا “أن تكون هناك مصالحة داخل البلاد لتبدأ بجمع القبائل وحل الخلافات بينهم”.

ويعتبر عيديد تدهور الوضع الصومالي بسبب ” توسع جماعة الشباب المجاهدين، وتقلص سيطرة حكومة شريف “.

ويقول إن المشكلة تزداد “لأن أبناء الصومال الذين ولدوا خلال فترة انهيار الدولة لا يعرفون شيئا سوى لغة السلاح بدلا عن لغة الحوار، ونجدهم يحصلون على قوتهم من السلاح لدرجة أن معظمهم لا يعرفون آباءهم وأمهاتهم”.

ويضيف “جيل كامل أميّ لا يوجد تعليم ولا خدمات صحيّة، يخرج هذا الجيل للحياة ضائعا في حين آباؤهم وأمهاتهم لا يملكون شيئا لهم سوى الفرار من جحيم ونيران الحروب”.

ويؤكد أن هذه المشكلة “لن يحلها سوى دول الجوار ومن بينها اليمن وجيبوتي والجامعة العربية”.

ويعبّر عن انزعاجه من الجامعة العربية، ويقول: “العرب لم يقدموا شيئا للصوماليين لا دعما ماليا ولا معنويا، باستثناء اليمن التي قامت بما لم تقم به الدولة العربية مجتمعة، فالمواطن الصومالي صار في اليمن مواطنا يمنيا تجده اليوم الأول يدخل بحرا واليوم الثاني في العاصمة صنعاء يعامل كمواطن يمني”.

ويقول: “لو كانت الدول العربية تتعامل مع مشكلة الصومال مثل اليمن لحلتها بسرعة، واليمن تحتاج إلى الدعم والمساندة الدولية والعربية للمشاركة في حل القضية الصومالية”.

ويشبّه رئيس جالية الصومال في اليمن استمرار الوضع في بلاده دون تدخل عربي ودولي “بالمرض الذي بعد سنوات سوف ينتشر في الجسم”، ويقول: “ما يحدث في بلادي سينتشر في المنطقة العربية، وتتحول إلى خراب ودمار، وما عملية القرصنة سوى دليل على أن الفقر والحاجة جعل شعبنا يتوجه إلى البحر للحصول على المال ولقمة العيش”.

ويتهم هنا الدول الكبرى بدعم القراصنة، حتى يتمكنوا “من السيطرة على البحر الأحمر والمياه الإقليمية دون مانع من أحد”.

ويشير إلى أن دول المنطقة ساهمت بانهيار الصومال “بتركها دون التفاتة ودعم”، ويقول: “دول الخليج كانت قادرة على حل مشكلة الصومال، لكنهم يترددون، واليمن وجيبوتي قادرتان على حل المشكلة الصومالية إذا تم دعمهما من العرب، وخاصة دول الخليج”.

*باحث في أمن الصومال: يوجد حوالي 400 مقاتل أجنبي ضد الحكومة
الباحث الصومالي المتخصص في إعادة إنشاء وتنظيم القوات الأمنية في بلدان ما بعد الصراع، الدكتور عبدالغفار ياسين فرح، يؤكد أن الحكومة الصومالية تواجه صعوبات وتحديات أمنية واقتصادية وسياسية.

ويقول: “التحدي الأول سياسي: هو فرض سيطرة الحكومة على البلد كاملا، والثاني اقتصادي: فالحكومة ليس لديها موارد لتفرض سيطرتها، والثالث أمني: فالحكومة يرأسها شخص ينتمي إلى جماعة أصبحت متحاربة فيما بينها، هو شيخ شريف، وهو إسلامي معتدل له رؤية ناضجة وصادقة لإحلال السلام، لكن هناك من رفاقه في السابق من يعتقد أن الحكومة الحالية عميلة للأميركيين”.

ويشير إلى أن المؤتمر الأخير الذي عقد في بروكسل “يشدد على أنه سيدعم الحكومة ماديا لتتمكن من فرض سيطرتها على المنطقة”.

ويحذر الدكتور فرح من “سيطرة الجماعة المتشددة على الصومال”، لما سينتج عن ذلك “عواقب كبيرة ليس على الصومال وحدها بل على المنطقة برمتها”.

ويقول “حركة الشاب تمتلك السلاح، وهناك مجاهدون من تنظيم القاعدة ما بين 300-400 مقاتل أجنبي موجودون في الأراضي الصومالية، وهم يريدون تحويل البلد إلى معسكرات جهادية تهدد المنطقة في المستقبل وترفض إيجاد حكومة ودولة”.

ويدلل على ذلك بأنهم “يرفضون أي اتفاقية مع الحكومة حتى ولو تم تشكيل حكومة وطنية تضم عناصر منهم”.

ويضيف “ولذا قررت الحكومة أن تحاربهم، والقضاء عليهم في وقت قصير يعيد الأمن والاستقرار للصومال”.

ويكشف الباحث الصومالي أن هناك “جماعات من أميركا وأوربا وعدد من الدول تقاتل مع جماعة الشباب ضد الحكومة الحالية”.
ويشير إلى أن تلك الجماعات “مدعومة من ارتريا بالسلاح والمال ولديها مقرات في أسمرة”.

ويعتبر الإدارة الأميركية “مساهمة بما تمر به الصومال، فهي تتفرج من خارج الحدود على ما يدور في الصومال من قتال بين الحكومة والمعارضة دون تدخل”، ويقول “يبدو أنها تريد الخلاص من الطرفين”.

ويشير إلى وجود أيادٍ خارجية وراء الفوضى التي تمر بها الصومال، ويقول “هناك أيادٍ خارجية وراء انهيار الصومال وجعله بلدا غير مستقر”. معتبرا “حل مشكلة الصومال من الداخل بيد الصوماليين أنفسهم في حال وافق المتشددون على الحوار مع الحكومة الحالية”.

ويتوقع فرح أن تنتهي الحرب وتسيطر الحكومة على الأراضي الصومالية خلال هذا العام في حال تلقت الدعم الدولي الكافي، ويقول “الشعب الصومالي متعب جدا من الحرب ويريد العيش بسلام”. ويشيد بدور اليمن في إحلال السلام والاستقرار في الصومال، ويقول “اليمن من الدول القلّة التي تدعم أي توجه يدعو إلى السلام والاستقرار، لكني أستغرب من غياب دور الجامعة العربية”.

* وزير السياحة الصومالي: ما يحصل في الصومال يهدد أمن واستقرار المنطقة

وزير السياحة والحياة البرية لجمهورية الصومال، محمد حسين سعيد، يتهم، هنا، دولة إريتريا بدعم معارضي حكومة شيخ شريف، ويحذّر المجتمع الدولي من تحوّل الصومال إلى بؤرة للإرهابيين إذا لم يتم مساعدة حكومته.

* في ظل المواجهات المسلحة الدائرة في الصومال بين حكومة شريف وحركة الشباب المجاهدين كيف تنظر للوضع هناك؟
– الملحوظ أن الأوضاع في الصومال تغيّرت من المرحلة الأولى لمرحلة جديدة، عند ما تشكلت الحكومة الجديدة التي توجهت إلى مقديشو بكامل مؤسساتها سواء البرلمان أو مجلس الوزراء أو الرئاسة، وبدأت في خطوات مهمة جدا لإعادة الاستقرار والأمن، ويساعدها عوامل مهمة أبرزها: أن الشعب الصومالي قد ملّ من الحرب، ولم يعد يرغب في حروب أخرى، وأصبح من أوليات الحكومة في المرحلة القادمة خلق فرص عمل لعدد كبير من الشباب العاطلين عن العمل، ونعتقد أن هذا سيساعد في موضوع إحلال السلام والاستقرار.

* لكن الموجهات بين الحكومة والشباب المجاهدين تصاعدت؟
– نعتقد أن الحرب الدائرة مع المعارضة هي حرب بالوكالة، وهناك جهات أجنبية تريد أن تعرقل مساعي الحكومة الصومالية، وتسعى إلى تدمير هذه الحكومة..

* هل بإمكانك توضيح من هي تلك الجهات؟
– يمكن أن نشير إلى دولة اريتريا، وهذا شيء غير مخفي في أن اريتريا لها دور كبير جدا في دعم المعارضة وزعزعة الاستقرار والأمن في الصومال.
وهناك تقارير تؤكد أن إريتريا المصدر الرئيسي لسلاح المعارضة، وقد أدينت من الأمم المتحدة ومنظمة ال”إيقاد”.

* ألا تعتقد أن عدم استقرار الصومال يؤثّر على المنطقة برمتها ومنها اريتريا؟
– بالتأكيد إذا أستمر الوضع على ما هو عليه في الصومال فإن الآثار السلبية قد تتجاوز الحدود الصومالية، وهذا شيء ملموس، فهناك مشكلة القرصنة وانتشار السلاح وتهريبه، وكل هذه الأمور تنصب في إطار زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

* إذن، ما هي الأسباب التي جعلت الجارة اريتريا تتخذ مثل هذه المواقف؟
– الحقيقة نحن دعمنا الأخوة الاريتريين في وقت نضالهم، وكان المسؤولون الاريتريون يتحركون بجوازات صومالية، وبدعم سياسي وشعبي، ولكن لا نستطيع فهم الآن لماذا اريتريا بالذات تقوم بالدور السلبي تجاه الصومال والمنطقة، ولا ننسى أنها خاضت حروبا مع اليمن والسودان وجيبوتي، لقد أصبحت بؤرة للإزعاج ومصدر قلق سياسي في المنطقة.

* كيف تقيّم دور المجتمع الدولي تجاه ما يحدث في الصومال؟
– المجتمع الدولي يبدو أن لديه توجها لدعم استقرار الصومال، ومؤتمر المانحين الذي اجتمعت فيه عدّة دول أوربية لدعم الصومال، نتج عنه نتائج مهمّة، كما أن مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الدوحة كان له دور ملموس في دعم الصومال، وأعتقد أن المجتمع الدولي أصبح أكثر جديّة في موضوع إحلال السلام والاستقرار في الصومال، فهناك قوات الأمم الأفريقية موجودة وتلعب دورا هاما، ونتوقع في المرحلة القادمة أن يكون هناك دعم ملموس دولي وعربي.

* هناك تشاؤم من استمرار حكومة شيخ شريف في ظل التدهور المستمر للأوضاع في الصومال، ما رأيك؟
– الحكومة لديها قوة وتستمد قوتها من الشعب، وما تقوم به المعارضة هو حرب عصابات، والحكومة لا تريد معارك أو حروبا يُضرب فيها الشعب، وبالتالي أعتقد أنها تخطو خطوات إستراتيجية ومهمة لإزاحة المشكلة.

* المراقبون يشيرون إلى أن تنظيم القاعدة يجد في الصومال بيئة مناسبة؟
– يوجد تواجد لأجانب في الصومال، ولا ندري ما هي حقيقة المقاصد والأهداف التي يحاربون من أجلها، ولاشك أنه إذا لم يكن هناك دعم دولي لاستعادة الأمن والاستقرار في الصومال، فإنها قد تتحول إلى بؤرة للإرهابيين.

* والجامعة العربية.. هل لها دور في دعم استقرار الصومال؟
– للجامعة العربية دور ملموس، وهي ما زالت تدعم الجهود الداعية لاستقرار الصومال، لكن نتمنى أن يكون لها دور أكبر في مساندة الحكومة الحالية لفرض سيطرتها وإحلال السلام.
* هل هناك مطلب أساسي للمجتمع العربي والدولي في دعم الصومال الآن؟
– يجب التركيز على موضوع الأمن وتدريب القوة الصومالية، حيث تواجه الحكومة الراهنة تحديا كبيرا جدا، وإذا تمكّنت من تثبيت الأمن فسيكون هناك دور كبير للإعمار وإعادة اللاجئين.

* هل حكومة شيخ شريف لديها استراتيجية لحل مشكلة القرصنة التي أصبحت تهدد العالم، وليس الصومال فحسب؟
– موضوع القرصنة لم يعد موضوعا يهم الصومال وحده، بل أصبحت مشكلة عالمية، ونحن -المعنيين بالأمر- قد بدأنا بوضع خطة لإنشاء قوة خاصة لمحاربة القراصنة، وهذه القوة تحتاج إلى الدعم من ناحية تدريب القوات الصومالية والتجهيزات الفنية، ونحن في الصومال نعرف حقيقة مشكلة القرصنة ويمكن محاربتها من داخل البر، وهو ما يمكن أن تقوم به الحكومة الحالية.

*هناك من يقول إن القرصنة ليست سوى محاولة تبرر للدول الكبرى السيطرة على السواحل الصومالية والاستيلاء على ثرواتها وخيراتها؟
– قد يكون هناك أكثر من سبب لهذه الظاهرة، ولكن المهم معالجة الموضوع؛ لأنه سواء كان السبب لأجل السيطرة على موارد وخيرات الصومال أم غير ذلك، فهذه المشكلة أصبحت الآن مصدر إزعاج للعالم كله ومعالجتها ضرورية، ونحن لدينا خطوات جادة في هذا الموضوع، ولكن نحتاج إلى دعم لتحقيق ذلك النجاح.

* هل تعتقد أن اليمن لها دور في تحقيق الأمن في الصومال؟
– حقيقة لليمن دور كبير ومشهود، وليس مختصرا على الوضع الراهن، وإنما كان هناك دور تاريخي لها، حيث ساهمت في موضوع المصالحة الصومالية وجمع الفرقاء الصوماليين، ولمّ الشّمل منذ حدوث الأزمة الصومالية، وما زالت اليمن تلعب هذا الدور ونعتقد أن دورها حيوي وبصماتها موجودة في الصومال، والشعب الصومالي كله يثق في الحكومة اليمنية.

* السفير اليمني في مقديشو : حل مشكلة الصومال مرتبط بدعم المجتمع الدولي لحكومة شريف

يطالب، هنا، السفير اليمني لدى جمهورية الصومال، أحمد حميد عمر، المجتمع الدولي بدعم ومساندة الرئيس الصومالي الحالي شريف شيخ أحمد في إحلال السلام والاستقرار.

ويؤكد على أن تزايد عملية القرصنة في المياه الدولية “انعكاس لغياب الدولة الصومالية”، وأن حل مشكلة الصومال “يبدأ من البر”.
ويشير السفير اليمني في حوار معه إلى أن صنعاء سعت لتقريب وجهات النظر بين الصوماليين منذ بداية الصراع في تسعينيات القرن الماضي.

* كيف تنظر للأوضاع في الصومال على مدار 18 عاما؟

– مر الصومال بمرحلة عصيبة على مدة ثمانية عشر عاماً نتيجة الصراعات السياسية والقبيلة، خلفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى ونزح مئات الآلاف إلى خارج الصومال بحثاً عن مكان آمن، وبالرغم من تعدد المؤتمرات واللقاءات في عديد من عواصم الدول العربية والإفريقية، إلا أنها لم تحقق النتائج المرجوّة نتيجة عدم مشاركة جميع القوى السياسية الصومالية في هذا أو ذاك المؤتمر، وشكّل مؤتمر المصالحة “بعرتا” في جيبوتي 2000، وكذا مؤتمر “نيروبي” عام 2004، بداية صحيّة، حيث تم تحييد دور أمراء الحرب من خلال إخراجهم من مقديشو من قبل المحاكم الإسلامية، التي دخلت في حوار مع الحكومة الانتقالية الصومالية، وتوقف الحوار بينهما بعد أن تدخلت إثيوبيا عسكرياً لدعم الحكومة الانتقالية، وتبع ذلك استئناف المفاوضات بين الحكومة الانتقالية الفدرالية الصومالية، وتحالف إعادة تحرير الصومال في جيبوتي، والذي نتج عنه توسيع البرلمان الصومالي وانتخاب رئيس جديد للصومال هو شريف شيخ أحمد، الذي قد يؤسس لمرحلة جديدة في الصومال.

* كيف يمكن لشريف أن يحل الأمن والاستقرار؟
– الرئيس الصومالي الجديد، ومنذ أن تم انتخابه في الثلاثين من يناير الماضي 2009، دعا القوى السياسية التي لم تشارك في مفاوضات جيبوتي إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، بل إنه وافق على كل الوساطات والمبادرات بين حكومته والقوى الإسلامية الأخرى لرأب الصدع والتوصل إلى حلول مُرضية لوقف نزيف الدم الصومالي، واعتقد أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قد يساعد على تسوية الخلافات بين رفاق الأمس.

* هل المجتمع الدولي، وعلى رأسه أميركا، سيساند شيخ شريف؟
– ساهم المجتمع الدولي مساهمة فاعلة في المفاوضات التي جرت بين الحكومة الانتقالية الفدرالية الصومالية وتحالف إعادة تحرير الصومال في جيبوتي، ولعب المبعوث الأممي إلى الصومال، أحمدو ولد عبدالله، دوراً متميزاً لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الصوماليين، تُوِّج بانتخاب شريف شيخ أحمد رئيسا للصومال، واعتقد أنه آن الأوان لالتفاف الأسرة الدولية لدعم الحكومة الصومالية الجديدة لتتمكن من فرض السيطرة الأمنية، وإعادة تطبيع الحياة العامة، وتقديم المساعدات للنازحين داخلياً، الذين تضرروا جراء الحرب الأخيرة، والمساهمة في إعادة اللاجئين الصوماليين من الخارج إلى وطنهم.

* لكن شيخ شريف ينتمي للتيار الإسلامي، وهو ما يجعله يفشل في حكم البلد لعدم قدرته على استيعاب كافة الفصائل الصومالية؟
– الرئيس الصومالي شيخ شريف خرج من رحم الجماعات الإسلامية، وعند ما كان رئيساً لتحالف إعادة تحرير الصومال استطاع إدارة الصراع مع الحكومة الانتقالية الصومالية بحنكة بالغة، ولم يصل إلى هذا الموقع إلا لقناعة الصوماليين والأطراف الدولية والإقليمية به؛ كونه رجل المرحلة، وهناك تحديات تواجهه، تتمثل في مدى قدرته في إجراء مصالحة شاملة مع الحزب الإسلامي وحركة الشباب، ومدى جديّة المجتمع الدولي لدعم حكومته مالياً وفنياً، وإعادة الإعمار.

* لكن هناك تخاذلا واضحا من قبل المجتمع الدولي.. فإذا استمر ما ذا تتوقع أن يحدث؟
– فخامة الرئيس على عبدالله صالح، رئيس الجمهورية، ظل ينادي عبر المنابر الدولية والإقليمية منذ وقت مبكر بضرورة تقديم الدعم للحكومة الصومالية لتتمكن من انتشال الوضع الداخلي، وهنا نؤكد أن الأسرة الدولية وخصوصاً الدول العربية والإسلامية معنيّة اليوم قبل أي وقت مضى بتقديم الدعم للحكومة الحالية، وبدون تقديم دعم مالي وفني فإن الوضع سيكون صعباً وستواجه الحكومة نفس ما وجهته الحكومات السابقة.

هل تعتقد أن استقرار الصومال مهم لمكافحة القرصنة ؟
– استقرار الصومال هو عامل استقرار للمنطقة، وأعمال القرصنة هي انعكاس لغياب الدولة الصومالية، وحل تلك المشكلة هو مساعدة الحكومة الانتقالية الصومالية لتتمكن من إعادة الأمن والاستقرار في البر والبحر، وبدء حل المشكلة من البر يجب أن يعطى الأولوية، كما أشار إليه الرئيس الصومالي.

* وما تأثير استقرار الصومال على دول الخليج خاصة؟
– عودة الأمن والاستقرار إلى الصومال -كما تحدثنا سابقاً- هو عامل استقرار للمنطقة والدول العربية ودول الخليج جزء من دول المنطقة.

فلننظر كيف أثرت عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية وخليج عدن على الملاحة والتجارة الدولية حيث ارتفعت التأمينات على السفن والبضائع التي تمر عبر خليج عدن، بل إن العديد من الشركات عزفت عن استخدام هذا الممر المائي الحيوي، واتجهت نحو الرجاء الصالح، غير أن ذلك قد رفع تكلفة الشحن وغيرها من المصاريف الأخرى.

* ما دور اليمن في إحلال السلام بالصومال؟
– ظلت حكومة بلادنا ممثلة بفخامة الرئيس على عبدالله صالح تتابع عن كثب تطورات الأوضاع في الصومال، والمتتبع لنشاط الدبلوماسية اليمينية يرى أن بلادنا استضافت العديد من القيادات الصومالية منذ بداية الصراع أوائل تسعينيات القرن الماضي حتى الآن من أجل تقريب وجهات النظر، ولم تدّخر جهداًً لدعم كل المؤتمرات والمفاوضات التي تعقد هنا وهناك، ومن بينها دعم الجهود التي قام بها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الصومال في جيبوتي سعياً لتحقيق المصالحة بين الفرقاء الصوماليين.

وقد طالب فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح الأسرة الدولية الالتفاف حول الحكومة الصومالية الجديدة برئاسة الرئيس الصومالي، وتقديم الدعم لحكومته، خصوصاً في مجال تدريب القوات الصومالية لضمان الأمن والاستقرار.

* الأميركان يستمتعون باقتتال الفصائل الإسلامية في الصومال

الوضع في الصومال الآن أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ باعتبار أن الصراع يدور بين تيارات إسلامية، وثانيا أن جزءا من هذا الصراع تشارك فيه وتغذيه تنظيمات إسلامية متطرفة كالقاعدة، وثالثاً أن المشاركين في هذا الصراع ليسوا صوماليين فقط، بل هناك عرب وأجانب أصبحوا الآن منذ انهيار الدولة، يسيرون في شوارع مقديشو وبوضوح، ويوزعون أشرطة كاسيت تحرِّض على الجهاد ومحاربة التواجد الأجنبي والإصرار على إنشاء ما يسمى “الإمارة الإسلامية” في الصومال.

ومن جانب آخر أصبحت الأموال تتدفق بكثرة إلى داخل الصومال، وهذا يزيد من فتيل الوضع الداخلي ويلعب في هذا الجانب المغتربون، فتحويلاتهم المالية ليست من أجل استقرار الصومال بل تحويلات عشائرية تزيد من الصراع بين الأطراف الصومالية.
منذ انهيار الدولة الصومالية حتى الآن نشاء جيل جديد عمره بين 20 و25 سنة لم يعرف الدولة في الصومال، ويعتبر أهم مشكلة، حيث لا يتلقي التعليم، وهذا الجيل هو مسدس الإيجار الذي تستخدمه جميع الأطراف المتحاربة في الصومال، إضافة إلى أنه يحارب مع اريتريا ضد أثيوبيا والعكس، ويستخدم كمليشيات حراسة للقيادة العُليا لتنظيم القاعدة الصومالية.

خلال 19 سنة منذ الانهيار نشأت عصابات للاتجار بالأسلحة والمخدرات والبشر، وأصبحت الثروة الصومالية في البر والبحر مجالا للنهب، مثلما أصبحت ممتلكات الدولة المنهارة ملكية شخصية لأمراء حرب صوماليين، أصبحوا يملكون أحياء متكاملة، ويأجرونها على سكان صوماليين، وكذلك الموانئ والمطارات تستخدم لهذه الأغراض كملكية شخصية، الأمر الذي جعل هناك رؤوس أموال ضخمة لدى هؤلاء المتنفذين.

أصبح من الطبيعي استمرار هذه المصالح، والدفاع عنها يجعلهم يشترون السلاح باستمرار ويجندون المليشيات لحماية مصالحهم، ولهذا أصبح أي منصب لهؤلاء المؤثرين في الصومال سواء رئيس جمهورية أو وزير، باعتبار الأمر يوزّع محاصصة بين القبائل غير مجدٍ، لأن قيام دولة يؤثر على مصالحهم، وهذه الدولة التي ستقوم لا يمكن أن تمنحه الامتيازات التي يحصل عليها في عهد الفوضى والحرب.

إنه وبسبب المجاعة والفقر وغياب التعليم وانهيار المنظومة الصحيّة أصبح في الشارع الصومالي مناظر غريبة، فهناك يستأجرون أطفالا لإلقاء قنابل على أسواق وأماكن عامة مقابل الحصول على المال.

لقد أدى غياب إستراتيجية عربية في الصومال في استمرار المشاكل، وزادت سوءا، فالصومال عضو في الجامعة العربية منذ السبعينيات، والدور العربي غير الجاد في الصومال جعل أداء الجامعة ميتا سريرياً.

كما أن شركات عالمية وإقليمية جعلت الثروة السمكية الصومالية مجالا للنهب، فقيام دولة صومالية يؤثر على مصالح هذه الدول، وبسبب الحظر الدولي على توريد الأسلحة إلى الصومال تضاعفت المشكلة، إذ أنه تم إيقاف توريد السلاح للحكومة الصومالية، فيما تُرك الباب مفتوحا برا وجوا وبحرا لدخول الأسلحة إلى المليشيات وأمراء الحروب، وهذا الوضع ينعكس سلبا إلى جانب غياب الدور العربي في الصومال، وأيضا غياب إرادة دولية لحل المشكلة الصومالية.

إن السيناريو الحاصل الآن هو أن الدور الأميركي الاستمتاع بمنظر الاقتتال بين الفصائل الإسلامية، وهي تعتقد أن هذا يحقق رغبتها في القضاء على التيارات الأصولية دون تدخل وخسائر لها.
إن الوضع الصومالي الداخلي انعكاس لصراع قوى إقليمية ودولية وعربية، أوجد المبررات الكافية للتواجد الأجنبي في البحر، وخطورة هذا التواجد تزداد يوما بعد آخر.

معروف في الجغرافيا السياسية أن أي تواجد على البحر لا ينهي مشكلة القرصنة، بمعنى أنه لا توجد نية لحلها داخليا.
كما أن هذا يخلق صراعا بين هذه الدول على كيفية التواجد، ولذلك تزداد مطالب الأطراف للتواجد في الأماكن القريبة من منطقة الصراع، والنتيجة صراع روسي – أميركي – فرنسي متعدد الأقطاب لدول كُبرى للجلوس على أرض بلدان أخرى. وهذا التواجد الدولي حتى الآن لم يستطع حل قضية القرصنة، إضافة إلى أن العالم لم يتفق بعد على كيفية محاكمة من يقومون بعملية القرصنة، وما هي المحاكم؟ ومن الدول الإقليمية؟ وهذا التواجد جعل المخاوف تزداد مع معلومات تتحدث عن دفن نفايات مختلفة ستؤثر على دول إقليمية، مثلما أثرت على عملية الصيد، وكان هناك عديد من الصيادين ضحايا نيران قوات دولية ومنهم صيادون يمنيون.

ما لم يكن هناك إرادة حقيقية لحل مشكلة الصومال فإن المشكلة لن تنتهي؛ لأن الحل يبدأ من داخل الصومال، وإنهاء مشاكله الداخلية، وليس من البحر والجو، وعلى الأميركان أن يعوا أن النظر إلى الصومال من الجو والبحر دون حل مشاكله الداخلية يعني منح الإرهابيين والمتطرفين في الصومال الإشارة الخضراء للنمو والتوسّع ليس في الصومال بل في المنطقة والعالم. وما لوحظ أن المجتمع الدولي يبدأ جادا بنية قيام حكومة صومالية، لكن عند ما تشكّل هذه الحكومة يرفع يده ودعمه عن هذه الحكومة، ويجعلها ضحيّة لنيران المسلحين والمليشيات.

لاشك أن الدول العربية جميعها، وخصوصاً الدول الغنية، معنيّة بحل المشكلة الصومالية، وتحديداً السعودية المؤهلة للعب دور في الصومال، وذلك لتوفر الإمكانات المادية لديها، وكونها ليس طرفا في المشكلة الصومالية. ثانياً: لديها ثقل مادي ودبلوماسي قادر على لعب دور في الصومال، ثالثاً: إنها كبلد يمثل حامل راية الإسلام يعطى الصوماليين ثقة باعتبار نزعتهم الدينية الواضحة، فجميعهم سنيون على مذهب واحد، رابعاً: إن الدول القريبة من الصومال تحديداً اليمن ستكون عاملا مساعدا للسعودية في حل هذه المشكلات، خامساً: سبق لها أن نجحت في التوسط بين الجماعات الصومالية في السابق، وهناك رغبة صومالية في التدخل السعودي لحل الخلافات. إضافة إلى أن بقية دول الخليج التي يمكن أن تساهم بشكل فاعل للعب في الصومال من خلال دعم الحكومة الصومالية بالمال حتى تتمكن من بسط سيطرتها على الأرض، وإنشاء جيش صومالي، وعمل جهاز إداري قادر على دفع مرتباتهم، وحتى سحبه أو شرائه من المليشيات التي تمتلكه.

*بين صمت دولي واقتتال داخلي.. الصومال يحترق

لا أعتقد أن رئيس مكتب “نيويورك تايمز” في شرق أفريقيا جيفري غيلتمان أخطأ عند ما وصف الصومال بأنها أخطر بلد في العالم، فالصومال -حسب غيلتمان- “دولة لا تحكمها سوى الفوضى؛ وبسبب إخفاقات السياسات الخارجية لم يشهد هذا البلد طوال العشرين سنة الماضية سوى ستة أشهر من السلام. والآن فيما تهدد الفوضى اللامتناهية السائدة في البلد بالإنتشار في المنطقة بأسرها يكتفي العالم من جديد بمشاهدته يحترق”.

صمت مطبق

الواقع أن ما يدعو إلى القلق والإستغراب في آن هو حالة العجز والشلل التام التي أصابت المجتمع الدولي والإقليمي إزاء الوضع المأساوي في الصومال، فالكل يدعو إلى دعم ومساندة السلطة الإنتقالية بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد، الذي انتخب رئيساً للصومال مطلع يناير الماضي، في مواجهة القوى الإسلامية المتطرفة، ولكن لا أحد يتحرك على الأرض، وهذا ما دفع شيخ شريف مؤخراً إلى إبداء امتعاضه وصدمته من عدم تجاوب دول الجوار الإقليمي مع طلب رئيس البرلمان الصومالي منها إرسال قوات عسكرية بشكل عاجل إلى الصومال، وذلك للحيلولة دون سقوط السلطة الإنتقالية بيد الجماعات الإسلامية المتطرفة.

وفي المقابل، حذّرت الفصائل الصومالية المعارضة دول الجوار من مغبة التدخل في الشأن الصومالي، مهددة بنقل المعارك إلى عواصم الدول المجاورة في حال تدخلت هذه الدول في الشأن الصومالي الداخلي.

وفي هذا الصدد أعلنت الحكومة الصومالية فرض حالة الطوارئ والأحكام العُرفية في البلاد؛ نظراً لتدهور الوضع الأمني، وقد بررت الحكومة هذا القرار بأن سيادة البلد باتت في خطر، وأن الإرهاب والتطرّف بلغا حدّهما، مما يستدعي اتخاذ خطوات حاسمة لمنع سيطرة فصائل المعارضة على البلد، خصوصاً وأن المعارك بين القوات الحكومية المدعومة بقوات حفظ السلام الإفريقية، وبين الفصائل المعارضة تدور على مقربة بضعة كيلومترات من القصر الرئاسي.

صراع لا ينتهي

على خلفية اتفاق جيبوتي الذي وقعته الحكومة الإنتقالية السابقة، وتحالف إعادة تحرير الصومال المعارض (جناح جيبوتي) مع القوات الأثيوبية منتصف العام الماضي، والذي بموجبه تم خروج القوات الأثيوبية من الصومال أواخر ديسمبر الماضي، دب الخلاف بين صفوف المقاومة الإسلامية وانقسمت بين جناحي أسمرة وجيبوتي، فالجناح الأول بقيادة الشيخ حسن طاهر أويس، رئيس الحزب الإسلامي المعارض، يرى أن اتفاق جيبوتي وقتها قدم طوق نجاة للقوات الأثيوبية التي كانت غارقة في المستنقع الصومالي، كما أن الاتفاق -حسب أويس- حمل إشارات ضمنية تُدين المقاومة، فضلاً عن أنه لا يؤمن أصلاً بالتوافق مع الحكومة التي استدعت قوات أجنبية لاحتلال الصومال، كما أن الاتفاق لا يجوز سياسياً ووطنياً -بحسب أويس- فتحرير الصومال لا يتم إلا بالمقاومة.

ومن جهة أخرى، يعتقد أويس أن الصومال هو ساحة مواجهة للنفوذ الأثيوبي والغربي الأميركي في المنطقة، و الصومال يجب أن يُحكم وفق رؤية إسلامية، ولا نهاية للحرب إلا بتأسيس سلطة إسلامية.

وفي المقابل، فإن جناح جيبوتي بقيادة شيخ شريف كانت لديه رؤية تختلف عن جناح أسمرة فيما يتعلق بالاحتلال الأثيوبي، وهذه الرؤية تقوم على أساس اعتماد استراتيجية تقوم على فكرة تكوين إجماع وطني واسع التمثيل لتحرير الصومال، وبأقل قدر من الخسائر، وأيضاً تجنّب الدخول في معارك طويلة تطيل أمد المعركة، بالإضافة إلى النأي بالصومال عن دوامة الصراع الأثيوبي – الإريتري قدر الإمكان، كما أن العداء للولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة ليس من مصلحة الصومال.

وإزاء هذا الانقسام الحاد في الرؤى والمواقف بين أطراف المقاومة الإسلامية كان متوقعاً بعد انسحاب القوات الأثيوبية أن يشهد الصومال مرحلة جديدة من الصراع الدامي بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم.

المستنقع الصومالي

الذي يعرف الداخل الصومالي تماماً ويعرف طبيعة المجتمع هناك، سيدرك أن الصوماليين حساسون جداً حيال أي تدخل خارجي في شؤونهم الداخلية.

فالمجتمع الصومالي عادة ما ينقسم على نفسه لكنه سرعان ما يتوحّد عند مواجهة أي عدو خارجي، وقد أكدت التجارب التاريخية للتدخل الخارجي في الصومال صعوبة المهمّة، فالمستنقع الصومالي -على ما يبدو- أكثر ضحالة مما ظنته بعض الأطراف الإقليمية والدولية، والفشل كان الحليف الأول لكل الأطراف التي حاولت التدخل في الشأن الصومالي سواء في الماضي البعيد أو القريب، ومن المعلوم أن الولايات المتحدة الأميركية كانت أول المقدمين على التدخل في الشأن الصومالي، وكان ذلك عقب انهيار الدولة المركزية في العام 1992، وحينها حاول الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب إرسال الآلاف من مشاة البحرية الأميركية لحماية شحنات الأغذية المقدّمة من قبل الأمم المتحدة للصومال، وكان ذلك الوقت بداية حقبة ما سُمي بالنظام العالمي الجديد عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى دون منافس، ولكن تبيّن فيما بعد أن الصومال كانت الاختيار الأسوأ لهذا التدخل.

في الواقع لم يحسن الرئيس بوش ومستشاريه فهم طبيعة العشائر الصومالية، وأن الصوماليين مهما انقسموا يظلون أوفياء لقادة عشائرهم.

وقد تعلّمت الولايات المتحدة الأميركية هذا الدرس القاسي عند ما حاولت إلقاء القبض على أهم زعيم حربي في ذلك الوقت، الجنرال (محمد فرح عيديد)، والنتيجة كانت الأحداث التي جرت في أكتوبر 1993، وحينها تدفق آلاف المسلحين الصوماليين إلى الشوارع حاملين قذائف صاروخية وأسقطوا طائرتين من طراز “بلاك هو” وقتلوا 18جندياً أميركياً وسحبوا جثثهم في شوارع مقديشو.

التدخل الثاني في الشأن الصومالي كان إقليميا من قبل أثيوبيا العدو التقليدي والتاريخي للصومال، وكان ذلك أواخر ديسمبر الماضي، فبحجة مساندة حكومة الرئيس الصومالي السابق عبد الله يوسف في مواجهة قوات تحالف المحاكم الإسلامية التي نجحت في فرض نوع من الأمن والاستقرار خلال ستة أشهر، هي كل فترة حكمها للصومال، دخلت القوات الأثيوبية إلى الصومال، وتمكّنت مع بداية المعارك من إلحاق هزيمة عسكرية بقوات المحاكم العسكرية، وفي أقل من أسبوعين كانت القوات الأثيوبية متواجدة في العاصمة الصومالية مقديشو.

والواقع أن التدخل العسكري الأثيوبي في الصومال جاء بعد بروز المحاكم الإسلامية منتصف العام 2006 كقوة رئيسية مهيمنة على الساحة الصومالية، ما شكّل تهديداً جسيما للحكومة الصومالية الموالية لأثيوبيا، بل إن الإثيوبيين رأوا في سيطرة المحاكم الإسلامية على الصومال خطرا لا يهدد فقط نفوذهم داخل الصومال، وإنما يثير كذلك مخاوف سياسية وتهديدات تصل إلى الداخل الأثيوبي من جهة دعم جماعات إسلامية أثيوبية مناهضة لنظام أديس أبابا، كما أن وجود حكومة قويّة في مقديشو قد يفتح الكثير من الملفات الشائكة بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بالخلافات الحدودية حول إقليم “أوجادين” المحتل من قبل إثيوبيا.

غير أن نشوة النصر السريع الذي حققته القوات الأثيوبية على المحاكم الإسلامية لم تستمر طويلاً، فسرعان ما استعادت المقاومة الإسلامية تجميع قواتها واندلعت المعارك مجدداً مع القوات الأثيوبية، ولكن هذه المرة كانت أشرس، وذلك بسبب انخراط طيف واسع من الصوماليين في مواجهة القوات الإثيوبية، فإلى جانب مقاتلي المحاكم انضم مقاتلون من مختلف العشائر الصومالية للمقاومة، وآخرون يمثلون قوى إسلامية لم تكن منضوية تحت لواء المحاكم، فضلا عن قوى جديدة ومختلفة تشكّلت وتجمّعت لمقاتلة الإثيوبيين، وتحت الضربات الموجعة والمتوالية التي تعرّضت لها القوات الأثيوبية من قبل المقاومة الصومالية اضطرت هذه القوات للخروج من الصومال أواخر ديسمبر الماضي.

مثلث الرعب

في ظل التردد الدولي والإقليمي بالتدخل في الشأن الصومالي وعدم قدرة الصوماليين أنفسهم على تحقيق مصالحة تاريخية حقيقية تخرج البلد من حالة التيه والحروب الأهلية والصراعات العشائرية التي سادت طوال العقدين الماضيين، يبدوا أن الوضع في الصومال مرشح للمزيد من التدهور، ولكن هذه المرة من غير المتوقع أن تقف الآثار السلبية والخطيرة لهذا التدهور في الداخل الصومالي أو عند الحدود الإقليمية للصومال. فالخطر الحقيقي اليوم هو أن يتحول الصومال إلى مقر جديد لتنظيم القاعدة، ومن ثم الانطلاق من الصومال لتهديد كل المنطقة بما فيها حركة الملاحة الدولية في خليج عدن والمحيط الهندي.

وفي هذا الإطار تحدثت بعض التقارير الاستخبارية عن أن الصومال بات ملاذاًَ آمناً لتنظيم القاعدة، وبعض هذه الوقائع نشرتها جريدة “نيويورك تايمز” الأميركية في تقرير مطوّل أعده صحفيان متخصصان في شؤون الإرهاب، ويشير التقرير إلى أنه مع تصاعد الأعمال القتالية في الصومال وبروز حركة شباب المجاهدين كأقوى فصيل جهادي مسلّح في الصومال بدأت القاعدة توجه أفرادها إلى الذهاب مباشرة إلى الصومال. وبحسب التقرير فإن أدلة مبدئية تؤكد نية تنظيم القاعدة للتوجه نحو الصومال كملاذ آمن ومستقر لقياداته الأولى والمتوسطة.

وفي هذا السياق، أكد السيد مصطفى أبو اليزيد، الرجل الثالث في تنظيم القاعدة في حديث أذيع مؤخراً، وجود توافق بين تنظيم القاعدة وحركة الشباب المجاهدين في الصومال، وكشف أن القيادي في تنظيم القاعدة أبو طلحة السوداني الذي أستشهد العام الماضي أشرف على تدريب الكثير من المجاهدين في الصومال.

ومن المعروف أن بعض القيادات البارزة في التنظيم حرصت أكثر من مرة على تقديم النصح للشباب المجاهدين، وذلك عبر أشرطة مسجلة لقياديين في التنظيم من أمثال أبو يحيى الليبي، وكذا أيمن الظواهري الرجل الثاني في التنظيم.

والحال أن هذا التطوّر اللافت في مجرى الأحداث في الصومال ودخول القاعدة -إذا ما صحت هذه التقارير- على خط الصراع الساخن في الصومال، ربما يؤشر إلى تطور نوعي في الصراع القائم هناك، وتحول هذا البلد إلى ساحة جديدة ومفتوحة للصراع بين تنظيم القاعدة والجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

وبطبيعة الحال، فإن خطورة الوضع ستزداد في حال حدوث تحالف خفي أو مُعلن بين الجماعات الإسلامية المتطرفة وبين قراصنة البحر الصوماليين، خصوصاً وأن تطورا ًجديداً حصل مؤخراً أشارت إليه مجلة “المشاهد السياسي” في العدد 648، وهو أن حركة الشباب الإسلامية المتشددة في الصومال أعلنت وقوفها ودعمها للقراصنة؛ لأنها تنكر على السفن الأجنبية الدخول في المياه الإقليمية للصومال، وهذا ربما يفسّر الطفرة النوعية في عمليات القرصنة منذ مطلع العام الجاري.

إذاً، من الواضح أن الصومال اليوم يمثل بؤرة حيوية لزعماء الحرب، والقراصنة، والمتطرفين الإسلاميين، إنه مثلث الرعب الذي بات القوة الفعلية في الصومال، وفي حال استمر العجز والتقاعس الإقليمي والدولي عن التدخل الإيجابي في الشأن الصومالي والقيام بمحاولة جادة من أجل إخراج هذا البلد من معضلة الحرب الأهلية والتناحر الداخلي فإن مثلث الرعب هذا لن يكون القوة الفعلية في الصومال وحدها وإنما في المنطقة برمتها.