مؤهلات مصر ينقصها الإسناد العربي!!

على مدى الفترة الماضية وتحديدا شهر أكتوبر الماضي تفاعلت جملة من القضايا المهمة والتطورات الشائكة في كل من منطقة حوض النيل، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، ذات الصلة المباشرة بالأمن القومي لمعظم الدول العربية..

وذات صلة غير مباشرة ببقية الدول، وعلى رأس الدول المعنية بما يحدث جمهورية مصر العربية، نظرا لتأثيرات هذه الأحداث بصورة كبيرة على أمنها القومي بأبعاده العربية والإفريقية لاسيما فيما يتعلق بالأوضاع الراهنة في دول حوض النيل، ودول القرن الأفريقي على ضوء زيارة “ليبرمان” -نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية إسرائيل..

لبعض من هذه الدول مؤخراً وفي المقدمة “أثيوبيا” بوصفها من أهم دول حوض النيل التي تدعو لتعديل اتفاقية توزيع مياه النيل فضلا عن أنها من أهم دول القرن الأفريقي وجارة كبرى لدولة إرتيريا التي تستخدمها أطراف إقليمية –بحسب معلومات صحفية وتحليلات سياسية- مثل إسرائيل ومثل إيران التي تتخذ علاقتها بها منطلقا لوجودها في البحر الأحمر، وهو ما يثر مخاوف المصريين وغيرهم من دول الجوار، ويعتبرونه تهديدا لأمنهم القومي.

مباحثات أديس أبابا

المعلومات المتوفرة حتى الآن أن مباحثات “ليبرمان” مع المسئولين الإثيوبيين في العاصمة أديس أبابا قد تركزت حول قضايا بعضها ذات صلة بمطالب إسرائيل بضرورة إعادة توزيع حصص مياه النيل على دول الحوض بما يؤدي إلى الحد من تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان، وبالتالي ضمان وصوله إلى إسرائيل بكميات كافية.

وبعضها الآخر ذات علاقة بمخاوف إسرائيل من قيام إيران بنقل جنود وصورايخ لإحدى قواعدها البحرية التي أقامتها على ساحل “عصب” على مقربة من الحدود الجيبوتية بالقرب من باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وبالتالي خوف إسرائيل من أن تقوم إيران باستخدام تلك القاعدة مستقبلاً في تهديد الأراضي الإسرائيلية عبر إطلاق الصواريخ منها، وخاصة وأن المسافة بين ميناء “عصب” وإسرائيل لا تزيد عن 2300كم تقريبا، وهو مدى مناسب للصواريخ التي تقوم إيران بتحديثها، إضافة إلى مخاوف إسرائيل من استخدام إيران لميناء “عصب” في نقل السلاح والوسائل القتالية إلى حماس وحزب الله فضلاً عن ما يعنيه حضورها في هذه المنطقة الحساسة من أهمية، لما لذلك من تأثير على المجال الاقتصادي والأمني والعسكري على حد سواء.

مصادر إثيوبية مطلعة تابعت سير المباحثات أكدت لبعض الوسائل الإعلامية أن مباحثات أديس أبابا أسفرت عن نتائج مهمة أهمها تعديل الاتفاقية (59) الخاصة بإعادة توزيع مياه النيل على النحو الذي تطالب به إسرائيل، إضافة إلى توافق ثنائي (إسرائيلي-إثيوبي) على ضرورة محاصرة التواجد الإيراني في منطقة القرن الأفريقي.

رغم أنه لم يصدر عن القاهرة رسمياً ما يؤكد حقيقة ما تمخضت عنه مباحثات “ليبرمان” في أديس، إلا أن تعاطي مجلس الوزراء المصري مع القضايا ذاتها وعقد جلسة طارئة للجنة العليا لمياه النيل بحضور وزير الدفاع المصري يؤكد حقيقة وصدق النتائج التي أسفرت عنها مباحثات أديس على النحو الذي أكدته المصادر الإثيوبية.

مصر تتحرك في المنطقة

بالنظر إلى القرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية، يمكن القول –بوضوح- بأن جلسة مجلس الوزراء المصري التي انعقدت في منتصف شهر أكتوبر الماضي قد خصصت فعلاً لبحث النتائج التي أسفرت عنها جولة “ليبرمان” سواء على صعيد الحضور الإسرائيلي في مياه حوض النيل، أو الحضور الإيراني في القرن الأفريقي ومياه البحر الأحمر، وبالتالي فقد حدد المجلس -فعلاً- السبل والإجراءات التي ستتبعها مصر لمواجهة هذه النتائج على الصعيدين بكل تداخلاتهما المتشابكة والمعقدة.

على صعيد الوضع في حوض النيل، اتخذ المجلس قراراً بإيفاد وزير التعاون الدولي ووزير الزراعة والري إلى إثيوبيا لبحث طبيعة العلاقة وأشكال التعاون المصري مع إثيوبيا، والإعداد لزيارة رئيس الوزراء المصري لإثيوبيا في 22 أكتوبر الماضي؛ إلا أن هذه الزيارة لم تتم جراء تصاعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا –بحسب بعض الأخبار- ما دفع مجلس الوزراء المصري لإصدار بيان يؤكد فيه على أهمية التواصل مع دول حوض النيل للاتفاق على الإطار القانوني والمؤسسي لحوض النيل، إضافة إلى دعوة اللجنة الوزارية العليا لمياه النيل للانعقاد، والتي سارعت –بدورها- إلى اجتماع فوري في مقر مجلس الوزراء بحضور وزيري الدفاع والخارجية، وتم خلال الاجتماع بحث تطورات ملف دول حوض النيل.

في اتجاه البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، اتخذ المجلس قراراً بإيفاد كل من وزير الخارجية “أحمد أبو الغيط”، ورئيس المخابرات “عمر سليمان” إلى إرتيريا، وقالت الأخبار إنهما يحملان رسالة من الرئيس “مبارك” إلى نظيره الإرتيري “أفورقي” متعلقة بالأوضاع في الصومال وقضية أمن البحر الأحمر ومياه النيل، وتفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين، وأنهما سيتوجهان بعد ذلك إلى صنعاء لنقل رسالة شفهية من الرئيس المصري “مبارك” إلى الرئيس “علي عبدالله صالح”، وربما حدث توافق في مواعيد الزيارتين بسبب القرب الجغرافي للبلدين وربما أن الزيارتين تتعلقان بقضايا مشتركة.

الأهم في هذا هو الإشارات التي تسربت حول إيفاد كل من “أبو الغيط” و”سليمان” إلى أسمرة حيث أرجعه البعض إلى مخاوف مصر من أن يمتد النفوذ الإيراني إلى هذه المنطقة التي تطل على البحر الأحمر وتقع على مقربة من باب المندب، خاصة وأن هذه المخاوف المصرية قد جاءت في الوقت الذي كان فيه “سامي الشهاب” المتهم الأول في قضية خلية حزب الله في مصر قد قال في اعترافه أمام القضاء المصري إنه أرسل عنصرين من الخلية إلى إرتيريا لتهريب أسلحة وذخائر، وهو ما حدا بالبعض للقول بأن هذه الزيارة تهدف إلى استبيان ما قيل عن تواجد إيراني في إريتيريا وعن وجود شبكة تهريب أسلحة إلى مصر عبر ميناء “عصب”.

الوضع الطبيعي لتوصيف هذه الزيارة وتفسير مقاصدها من وجهة نظر تحليلية هو أن تكون مصر قد سعت من خلال هذه الزيارة إلى استخدام القناة الإريتيرية للضغط على الحكومة الإثيوبية التي تقف في مقدمة الدول الداعية لتغيير الاتفاقية (59) الخاصة بتوزيع مياه النيل واضعة في اعتبارها الوضع المتأرجح الذي يحكم علاقة أديس أبابا بأسمرة ولاسيما وأن الأخيرة ليست من دول حوض النيل حتى تسعى مصر لضمان تأييدها في المباحثات بين دول الحوض، على أن تقوم مصر من جانبها -مقابل ذلك- بتفعيل العلاقات المصرية والعربية مع إرتيريا، والدفع بها إلى آفاق متقدمة، خاصة وأن الرئيس الإرتيري قد دعا في أوقات سابقة إلى تعاون استراتيجي بين الدول المطلة على البحر الأحمر بقيادة مصر والسعودية بوصفهما من أكبر الدول المطلة على البحر، لكن هذه الدعوة لم تلقَ اهتماماً كافياً في حينها رغم أهميتها.

الأمر الذي ينبغي الإشارة إليه في هذا العرض هو أن القيادة المصرية ومن خلال رصد وتحليل لبعض التصريحات الرسمية الصادرة عنها يتضح بأنها قد تعاملت مع هاتين القضيتين (البحر+الحوض) تعاملا يقوم على إدراكها بحساسية الموضوع وحساسية الظرف، والواضح أنها لا تتجه للتعامل مع ملفات هاتين القضيتين بمعزل عن التطورات والقضايا الأخرى التي تتفاعل في منطقة حوض النيل، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي.

الأهم من ذلك كله أن القيادة المصرية -كما يبدو للمتابع- حريصة على أن لا تكون العلاقات المصرية الأفريقية محكومة بردة الفعل تجاه النشاط الإسرائيلي في أفريقيا وخاصة في مثل هذه الظروف، على اعتبار أن العلاقات المصرية الأفريقية هي أقدم من ذلك بكثير. صحيح أن هناك جزء من هذه العلاقة متعلق بإسرائيل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك الجزء هو المحور الوحيد أو المحدد الأساسي لعلاقات مصر مع دول أفريقيا..

ويبدو أن القيادة المصرية قد فضلت في الوقت الحالي أن تجمع الكثير من المعلومات حول زيارة “ليبرمان” لبعض الدول الأفريقية، وحول اتفاقاته مع إثيوبيا، وما حققته هذه الزيارة، وما لم تحققه بدلاً من الانزلاق إلى مواقف معينة ضد بعض الدول الأفريقية دون داع طالما وأي تصرف من هذا النوع قد يدفع مثل هذه الدول إلى الاندفاع أكثر نحو إسرائيل، وهو الهدف الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه.

الأمر الواضح حتى الآن فيما يخص ملف مياه النيل هو أن القيادة المصرية قد حسمت أمرها في جمع قضايا دول حوض النيل في ملف واحد تمهيداً لطرحه للحوار الشامل بين جميع دول النيل وصولاً إلى إطلاق مبادرة للمشاركة بين دول الحوض تقوم على تحقيق التنمية الشاملة على مستوى كل دول الحوض.

قلق مصري من الحضور الإيراني

أما فيما يخص القلق المصري من التمدد الإيراني في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر فمبعثه ما تصوره وسائل الإعلام الإيراني على أنه في إطار مخاوف مصرية من مواجهة إيران مع إسرائيل، مستغلة بذلك الرفض الإسرائيلي لأي نفوذ إيراني في المنطقة، لتجعل–أي وسائل إعلام إيران- من هذا التوافق في خوف مصر وخوف إسرائيل من نفوذها في المنطقة، دليلا على علاقة أو تنسيق مصري إسرائيلي في مواجهتها، محاولة تسخير ذلك كمادة تساعد في تقديم نفسها وركائزها في المنطقة للرأي العام العربي والإسلامي كعدو أول لإسرائيل، أو بالأحرى كعدو حقيقي لإسرائيل، وهو ما يفهم منه التعريض السلبي بالدول الأخرى وأولها مصر.

والحقيقة التي لا تحتاج إلى أدلة هي أن مخاوف كل من مصر وإسرائيل إزاء محاولات النفوذ الإيراني، هي مخاوف قائمة على دواع مستقلة لدى كل منهما، ناهيك عن أن مصر لا تنظر إلى إيران كنقيض موضوعي لإسرائيل، وإنما تراها معادلا موضوعيا لها، ما يعني استبعاد مصر لاحتمال أي مواجهة حقيقية بين إيران وإسرائيل، وبالتالي لا يدور في ذهنها شيء من حسابات متعلقة بحدث غير وارد في توقعاتها أصلاً

الصراخ الإسرائيلي من النفوذ الإيراني في المنطقة ، تتخذ منه إيران عاملا مساندا لما تروج له ضد مصر، والحقيقة في الأمر هي غير ما تقوله إيران وتهدد به من احتمالات قرب المواجهة مع إسرائيل، وغير ما تتجاوب معه إسرائيل وتصرخ منه من احتمالات حدوث التهديد الإيراني لها، لأن تحركات الدولتين في المنطقة بإيقاعاتهما المتناغمة لا تشكل في حقيقة الأمر سوى تحدياً مباشراً للمصالح المصرية والعربية والأمن الإقليمي، فإيران تستخدم لغة المواجهة مع إسرائيل بهدف تعزيز تواجدها في بعض الممرات البحرية والبرية في البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الأفريقي، وغيرها من المنافذ القريبة من مناطق الأزمات لاسيما منطقة الصراع (الإسرائيلي -العربي).

وإسرائيل -من جهتها- تستثمر مخاوفها المبالغ فيها من التهديد الإيراني لمخادعة العالم سعياً منها للانفراد بترتيب الأوضاع في منطقة البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي بمعزل عن دول البحر والحوض.

مصر أيضاً تقلق من استخدام إيران لتواجدها بالقرب من مناطق الأزمات للدخول في صراع (وليس مواجهة) مع إسرائيل، بل وربما الغرب كله على النحو الذي يوفر لها ورقة ابتزاز تستطيع استخدامها للضغط في اتجاه تسوية أزمة ملفها النووي، وضمان نفوذها في المنطقة بالقدر الذي يتلاءم مع مركزها الإقليمي القوي.

بتعبير أوضح: إن قلق مصر في الأساس هو في أن تتحول هذه المنطقة إلى ساحة صراع بين إيران وإسرائيل ومعه الغرب باعتباره الصراع الذي يسبق التسوية بينهما واقتسام النفوذ على حساب المصالح العربية الاستراتيجية.

الأمر الأهم الذي يقلق مصر هو الخوف من أن تخوض إيران هذا الصراع بأدوات غير أدوات الدولة الإيرانية الرسمية، فرغم أن الوجود الإيراني في هذه المنطقة واضح ويخدم السياسة الإيرانية الخارجية؛ إلا أن أدوات هذا الوجود غير مرئية وبعضها من غير أدوات الدولة الرسمية ناهيك عن أن بعضها أدوات غير إيرانية، وهذا واحد من بواعث القلق المصري إذ يصعّب عليها التعامل معها رسمياً.

في كل الأحوال، لا شك أن أي قلق مصري من هذا النوع هو قلق معتبر ومبرر لأنه إذا لم تخش القاهرة من أن تصبح طهران هي مركز التفاعلات الإقليمية في حالة مقايضة عسكرة برنامجها النووي باعتراف أمريكي بدورها الرئيسي في المنطقة، فهذا يعني أنها لا تدرك ما يحدث حولها، ومع ذلك من المهم جداً أن تدرك القاهرة بأن المشكلة ليست كلها في حضور إيران في المنطقة، وإنما بعض منها في حضور إيران، وبعضها الآخر في تراجع حضور مصر، والحل هو أن تحضر مصر في هذه المنطقة الحيوية بكامل قوامها الاستراتيجي وعلى كافة الأطراف المعنية ذات التأثير بالمنطقة سواء كانت رسمية أو شعبية سياسية أو ثورية إسناد هذا الحضور، وهذا يفرض على بعض الدول المتعثرة في المنطقة الاستفادة من مساعدة مصر للخروج من دوامة أزماتها الداخلية المتفاعلة منها والعالقة عبر الحوار، ومن ثم الإسهام مع أي جهد عربي يؤدي إلى التحرك العربي الجمعي في هذه البحيرة الحمراء وقرنها الأسود من خلال الدول المطلة عليه، وهو الوضع الذي بإمكانه تطويق أي خطر يهدد الدول العربية سواء كان هذا الخطر قادما من إسرائيل أو من إيران أو من أي دولة أخرى.

وعلى هذا الأساس، يصبح حضور مصر حاجة عربية ماسة، ليس من منطلق أن دولة مصر ليس لها تعريف في قاموسنا -نحن العرب- سوى أنها الدولة القائدة للعرب والدولة الضامنة لمصالحهم، فهذه قضية لا يشترط ثباتها على الدوام، بل لأنها المؤهل الأكبر من بين الدول العربية للتعامل مع هذا الملف بما لديها من تجارب سابقة في الصراع الذي لعبت فيه هذه المنطقة الحساسة دورا كبيرا، وبما تمتاز به من رصيد وخبرة سياسية، إلى آخر ذلك من المؤهلات التي لا ينقصها إلا الإسناد العربي..

* كاتب ومحلل سياسي يمني كبير – خبير بشئون القرن الأفريقي

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية