سُقطرى: متحف الطبيعة البِكر

  عادل الأحمدي

تمتد جزيرة سقطرى اليمنية على مساحة 3600 كيلومتر مربع، ويقطنها نحو 50 ألف نسمة، وتشتهر بشجرة دم الأخوين، الرمز القومي للجزيرة، إلى جانب نباتات أخرى أسماؤها عجيبة “فرحل، أمتة، كرتب، إكشا، قمحم”.

هذه القطعة المرمية في البحر هي أول طلائع الوطن العربي جنوباً في عرض المحيط الهندي، وذلك لكونها تقع بالقرب من خط الملاحة الدولي شرق خليج عدن، حيث نقطة التقاء المحيط الهندي ببحر العرب، وإلى الشرق من القرن الأفريقي، وتبعد حوالي 300 كيلومتر عن أقرب نقطة في الساحل اليمني و900 كيلومتر عن مدينة عدن. وهذا الموقع الاستراتيجي للجزيرة جعلها مطمعاً للغزاة في حقب عديدة.

ونتيجة تنوعها الحيوي النادر، اعتبرتها “قمة الأرض” المنعقدة في مدينة “ريو دي جانيرو” البرازيلية في 1992، ضمن “تسع مناطق عالمياً لا تزال بكراً”، ولم تصبها أي عمليات تشويه أو استخدام جائر ومفرط بمكتنزاتها وأحيائها. أما اليونسكو فقد أدرجتها منذ عام 2008 ضمن قائمة الإرث الإنساني.

وحسب اليونسكو فإن 73% من أنواع النباتات (من أصل 528 نوعاً) و90% من أنواع الزواحف و59% من أنواع الحلزونيات البرية المتواجدة في أرخبيل سقطرى، غير موجودة في أي مناطق أخرى من العالم. أما بالنسبة للعصافير، فالموقع يُؤوي أنواعاً هامة على المستوى العالمي (291 نوعاً، يتوالد 44 منها في الأرخبيل، فيما يهاجر 58 منها بانتظام)، ومن بينها أنواع مهددة بالانقراض. وتتميز الحياة البحرية في سقطرى بتنوع كبير، مع وجود 352 نوعاً من المرجان الباني للشُعَب، و730 نوعاً من الأسماك الساحلية، و300 نوع من السراطين والكركند والإربيان.

ويُحكى أن كبار المسؤولين في سلطات الاحتلال البريطاني المتعاقبة على جنوب اليمن قبل الاستقلال، كانوا يأخذون معشبات حدائقهم الخاصة في لندن من نباتات سقطرى النادرة. وقد لفت غير واحد من أبناء الجزيرة، التقاهم مراسل “العربي الجديد”، إلى ظاهرة جديدة تثير قلقهم وتتمثل في عملية تحطيب غير شرعي لبعض النباتات والأشجار العطرية ذات الرائحة الطيبة بغرض إحراق عيدانها وأخشابها وتحويلها إلى فحم يتم تصديره إلى دولة الإمارات، حيث يباع هناك بأسعار خيالية، لاستخدامه من قبل عشاق النارجيلة، جمراً للمعسّل.

والعجيب أن النبات السقطري ليس المصدر الوحيد للروائح الزكية، بل إن بعض حيوانات الجزيرة تتمتع أيضاً بهذه الميزة، ومنها “قطّ الزباد” المتوحش، الذي يعتاش بعض السكان على صيده واستخراج مادة منه تستخدم في صناعة مادة “الزبد” العطرية.

تعد سقطرى واحدة من أهم أربع جزر في العالم من ناحية التنوع الحيوي النباتي، وبحسب المركز الوطني للمعلومات في اليمن، فإن شهرة الجزيرة وأهميتها التاريخية ترجع إلى بداية ازدهار تجارة السلع المقدسة ونشاط الطريق التجاري القديم المسمى طريق اللبان، إذ كانت الجزيرة أحد الأماكن الرئيسة لإنتاجه في تلك العصور.

ويستوطن الجزيرة تسعة أنواع من اللبان من بين 25 نوعا في العالم كله، كما اشتهرت أيضا بإنتاج “الندّ” وهو صنف من أصناف البخور، وبالصبِر السقطري، ولهذا ذاع صيتها إلى شعوب حضارات العالم القديم التي كانت تنظر إلى السلع المقدسة مثل البخور والمر والصبر واللبان ومختلف الطيب نظرة تقديس. وسميت سقطرى عند قدماء اليونان والرومان بجزيرة السعادة، وبسبب صعوبة الوصول إليها في الماضي، نُسج حولها العديد من القصص والأساطير.

الجميل أيضاً، في سقطرى، هو أن أهلها يدركون جيداً قيمة ما تحويه أرضهم، ولهذا يشكّل السكان ما يشبه رقابة ذاتية تمنع محاولات العبث ببيئتها أو السطو عليها. ويمكن ملاحظة ذلك في صالة المغادرة بمطار “حديبو” عاصمة الأرخبيل، حيث التفتيش على قسمين؛ أمني وتتولاه السلطات الحكومية، وبيئي ويتولاه ممثلون عن جمعية أهلية لحماية البيئة يصادرون أية نباتات أو طيور أو حتى أحجار، يراد تهريبها إلى خارج الجزيرة.

وعلى ذكر المطار، يشكو أهالي سقطرى من ارتفاع أسعار التذاكر من وإلى الجزيرة التي تتوقف الملاحة البحرية فيها، لأربعة أشهر على الأقل، كل عام. وذلك بسبب موسم هبوب الرياح، ويصبح الجو هو المجال الوحيد للوصول إليها بما في ذلك وصول البضائع. يقول أحمد جمعان المذيع في إذاعة سقطرى، لـ “العربي الجديد”، إن تكلفة التذكرة من العاصمة صنعاء الى سقطرى عبر شركات الطيران الوطنية، تفوق سعر التذكرة من صنعاء إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأمر الذي يحرم الجزيرة من كثير من الزوار المحتمَلين من داخل اليمن، كما أنه يحد من تواصل سكان الجزيرة مع بقية المحافظات.

أبناء سقطرى عرب حميريون على مستوى عالٍ من الطيبة والكياسة، يتحدثون اللغة العربية إلى جانب لغة خاصة بهم تسمى اللغة السقطرية. كما أن لهم عادات فريدة في المناسبات الاجتماعية بعضها في طريقه إلى الاندثار، مثل عادة أن العروس لا تعرف هوية عريسها طوال فترة الخطوبة، ولا تعرف من يكون إلا حينما تصل إلى بيته.

شكّل أرخبيل سقطرى نظاماً إيكولوجياً بحرياً مستقلاً، وتتكون الجزيرة الأم من وديان وسهول مع هضبة شديدة التضرّس في الوسط، تحتوي على عدد من الكهوف والمغارات العميقة داخل الجبال، أكبرها مغارة “دي جب”. والزائر لأحد هذه الكهوف يجد نفسه على مدى كيلومتر، في كهف بالغ الجمال، مزدان بأعمدة كلسية معلقة من أعلى وأخرى صاعدة من القاع، منظر آسر باتساع مناسب يصلح استخدامه كاستديو طبيعي لإنتاج أفلام هوليودية رائعة.

يقول أحد السيّاح الألمان، التقتهم “العربي الجديد”، إنه زار أماكن فريدة في العالم من بينها جزر مشهورة بجمالها الطبيعي ولكنه “لم يجد مكاناً بجمال سقطرى وهدوء سقطرى وشواطئها الساحرة، والعائد من سقطرى يشعر وكأنه عاد من كوكب آخر وزمان آخر”. كلام السائح الألماني يعزز الشعور بأن للجزيرة مستقبلاً سياحياً باهراً يتوقف حدوثه على وجود حالة من الاستقرار السياسي والأمني في البلد، ووجود بنية خدمية لائقة في الجزيرة.

وتكبر الآمال في تحقيق ذلك بعدما أعلنت سقطرى في عام 2013، المحافظة رقم 22 في التقسيم الإداري اليمني، لكن الصادم حقاً، هي الأخبار التي تتحدث عن نيّة الولايات المتحدة إقامة معتقل في الجزيرة، بالتنسيق مع السلطات اليمنية، يكون فرعاً إقليمياً من معتقل “غوانتانامو” الرهيب!