رحلة السلفية من الجمود إلى الانفتاح هل ستستمر أم لا؟

المتأمل و المتابع يرى أن هناك قضايا لازمت الدعوة السلفية منذ نشأتها ولقد كانت تُستحضر في الذهن بشكل ارتباطي كلما ذكر مصطلح (السلفية)، فأيُّ قارئ أو سامع لمصطلح (السلفية) يستدعي فورا وبدون سابق إنذار تلك القضايا والمسائل التي شغلت الناس ردحا من الزمن، مع العلم أن الدعوة السلفية نفع الله بها كثيرا خاصة في الجانب العقدي و تحرير العقل، وفي هذه الكلمات اللاحقة يظن الكاتب أنها تحاول أن تنقذ المنهج السلفي من الوقوع فيما جاء للتحذير منه وهو مصادرة العقل و إعلان التبعية العمياء.

هذه القضايا حصل لها من التعبئة في أوساط المنتسبين للدعوة السلفية في منابر الجمعة و المحاضرات المسجدية والمواد الوعظية في أشرطة الكاسيت والكتب والكتيبات المحملة بالفتاوى التي استصدرت من قبل هيئات علمية محددة وعلماء محددين مسبقاً ونتيجة لهذه التعبئة المشحونة والتي رافقها أسلوب الترغيب والترهيب ودغدغة العواطف وصل القائمون على الدعوة السلفية في فترة من الفترات إلى أن هذه القضايا قد أشبعت بحثا وتنقيحا وأُغلقت كل المنافذ التي ينفذ منها المشككون وأن الإجماع قد حصل بذلك وبهذا تكون الأحكام قطعية فلا يقبل فيها استدراك ولا نظر ولا مراجعة ومن قال بغير ذلك يرمى بالتمييع للدين والأخلاق والقيم وخرق إجماع الأمة و الإرجاف في المجتمع ونقص الدين من أطرافة وفتح باب الضلالة على الأمة و..و….

ومن سار على الرأي الذي ارتأوه فهو حامي بيضة الإسلام و أسد الله في أرضه و الذابُّ عن سنة نبيه .

هذه القضايا لو أعدناها إلى كتب الفقه لرأينا أن الخلاف الذي حدث فيها خلاف سائغ اتسع القول فيها للطرفين فالفقهاء القدماء والمحدثون تحدثوا فيها ولم يحدث إجماع بينهم البتة حتى يقام على أساسه التأثيم وطالما أنه لم يحدث إجماع فلا إنكار في الخلاف الحاصل مادام هذا الخلاف له حض من الشرع ولا يصطدم مع مقاصد الدين ، من هذه القضايا على سبيل المثال لا الحصر :

* حلق اللحية.
* الرسم والتصوير.
* الانتخابات البرلمانية و العملية الديمقراطية.
* الحزبية والعمل السياسي.
* المرأة و العمل السياسي.
* قضايا تتعلق باللباس (الإسبال في الإزار، لبس البنطال، لبس ربطة العنق).
* كل أشكال العمل الاحتجاجي(المظاهرات، الاعتصامات، الإضرابات،….)
* تلبس الجني بالإنسي أو ما يسمى بالمس الشيطاني.

لقد كان الغالب في الصف السلفي في هذه القضايا هو مصادرة أي رأي يقول بغير قولهم وأغلق الكثير من معلمي ودعاة وعلماء ووعاظ السلفية باب النظر في خلاف ذلك في كتب الفقه والتراث الإسلامي آخذين بقاعدة سد الذرائع .

لكن الأمر لم يستتب لهم ولم يكن على ما كانوا يريدون فقد تفاجؤا أن ما كانوا يغفلونه عن أتباعهم ومريديهم صار اليوم يطرح بشكل أوسع على الصحف والفضائيات من قبل علماء متخصصين أو من قبل بعض المثيرين بغية البحث والمراجعة .

ولنا أن نسأل هذا السؤال الملحّ:

لماذا يُنكر الخلاف في هذه القضايا ويرسَّخُ في أذهان الأتباع أن الحكم فيها هو حكم واحد، وأن أيّ حكم آخر فهو من باب الشذوذ ؟

الجواب من وجهة نظري والله أعلم أن الدعوة السلفية جاءت على حين فساد في الجانب الاعتقادي والاجتماعي و القيمي والسياسي فقامت بثورة إصلاحية و رأت أن الإصلاح والتغيير في المجتمع أنما يأتي على طريقة سد الذرائع مطلقاً فسدوا كل باب يمكن أن يكون وسيلة للفساد، أولاختلال منظومة العقائد والقيم والأخلاق وذلك لأنهم رأوا أن الأمور السالفة الذكر كانت من ضمن الذرائع التي امتطاها المفسدون والتي سوغت للناس الفساد في الأرض.

فالعقيدة أُفسدت بسبب الرسومات و التصاوير و التي كانت تتواجد في أماكن العبادة وهي لأناس صالحين أو زعماء أدى ذلك إلى تعظيمهم ومن ثم عبادتهم ففسدت عقيدة الناس بسبب ذلك.

و الأخلاق كان من سبب فسادها هو من ظاهر لبس الإنسان الذي هو انعكاس على ما في باطنه وذلك كالإسبال في الإزار، وغير ذلك، وظهور الرذيلة في المجتمع هو بسبب آلات الطرب والموسيقى.

و ذوبان الشخصية الإسلامية والانسلاخ من الهوية يعود إلى التشبه بالكفرة في لبس الزي الإفرنجي (البنطال والكرفته) وحلق اللحية.

وانحلال المنظومة القيمية و الاجتماعية بسبب كشف المرأة لوجهها وقيادتها للسيارة و حضورها مع الرجل في الأندية العلمية والتعليمية والثقافية والدينية .

فلما كانت هذه هي وسائل الفساد صارت الموسيقى رقية الزنى ولبس البنطال هو دخول جحر التقليد والتبعية للغرب وحلق اللحية إعلان للتنازل عن رجولة الإنسان المسلم والتي لم يبق من رموزها كما يقولون إلا الشارب المنهي عن إطالته والظاهر أنه قد لحق باللحية حلقا في بعض المجتمعات و قد استوى الوجهان في النعومة واكتفوا بالتفريق بين الجنسين على علامات فسيولوجية لا ترى بالعين .

وكانت الديمقراطية أحد الأصنام العصرية والأوثان الكفرية وما رسوا تلك الدعاية الرهيبة في التحذير منها إلى أن حكموا عليها بالطاغوتية المطلقة، وهذا يذكرني بما كان يمارسه الإمام أحمد يحي حميد الدين في التحذير منها فقد كان يقول للشعب اليمني محذرا إياه من الديمقراطية بأنها (قحبة من تركيا عاتجي تفتل في اليمن ).

ورأينا تلك الكتب والأشرطة تنهال علينا بأحكام استباقية فمن استمع إلى موسيقى فهو ساقط المروءة وترد شهادته، و من حلق لحيته فهو مخنث، وهناك الكثير مما هو حبيس تلك الكتيبات و اللفائف الصغيرة من الأحكام الاختزالية الضيقة ومن ثم نزلت هذه الأحكام إلى السوق كمنتج إجباري يلزم الأمة شراؤه وليس لها الخيار – حسب الرؤية الضيقة- أن تستبدله بمنتج آخر لأن ذلك يعتبر ردا ومشاقةً على الله وعلى رسوله فهذه أحكام قد صدر فيها إجماع لا مجال لنقضة ومن حاول التشكيك فيها أو مجرد مناقشتها ففيه ضرب من السفة والجنون أو مس من الجان.

ماقرأته آنفاًأخي القارئ الكريم هو توصيف للعنفوان السلفي الذي كنا عليه إبان البداية المحمومة أو قل هي مرحلة غليان فكري انفعالي مررنا بها نحن السلفيين وهذه الحالة غير الناضجة كان آخرها في العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين، أما في بداية القرن الواحد والعشرين وبالذات بعد أحداث 11 سبتمبر فقد تغير الوضع وبدأ تيار ينشط في أوساط السلفية بالمراجعة.

فقد أخذ يفتح ملفات كانت بالأمس خطيرة وتعتبر من الثوابت التي لا تمس وأي اقتراب منها يعرض الإنسان للفسوق والعصيان و يكون موضع قاب قوسين أو أدنى من الكفر في بعض الأحيان، لكن الأمر اختلف اليوم فالمعايش والراصد للسلفية يرى نقاشا حادا حول القضايا السالفة الذكر، فالفكر السلفي اليوم أوساطه حبلى بالمزيد من التفجير للقضايا ذات الخطوط الحمراء يوشك أن ترى النور قريبا، وهذا إذا دل فإنما يدل على حيوية هذا الفكر و عدم جموده.

فالموسيقى قضية خلافية ولا إنكار في الخلاف الدائر فيها ولكل طرف قوله المعتبر به، والديمقراطية فيها جانب كبير من الشورى الإسلامية ويمكن الاستفادة منها وليس صحيحا أن كل ما جاء من الغرب في الجانب الفكري شر مطلق.

وصرت ترى صور علماء الدعوة السلفية تملأ الجرائد بعد أن كانت محرمة بالأمس وبعد أن كان فاعلها ملعونا.

ولم يصر غريبا ان ترى سلفيا تتربع صورته في إحدى الصحف وهو لابس للبدلة الإفرنجية (وبالذات ربطة العنق والتي تثير حساسية عند بعض المتشددين).

ولم يعد أيضا من الغريب ان ترى لبعض السلفين رأيا إيجابيا في قضية المرأة والعمل السياسي كما رأينا المفكر الإسلامي والسلفي الأستاذ جمال سلطان يصرح بذلك في مقابلته مع صحيفة الناس الأسبوعية وذلك بأنه من غير المستبعد أن يدفع السلفيون إلى العمل السياسي إذا اقتضت الضرورة.

بل قبل ذلك كله صرح السلفيون ( و أنا حريص على أن أذكِّر القاريء الكريم أنني منهم) على لسان بعض قادتهم بأن فكرة تكوين حزب سياسي أمر لا غبار عليه شرعا ولا عقلا ولا قانونا بعد أن كانت الحزبية في الماضي حراما، و لعل الملتقى السلفي العام خير شاهد على التفكير في العمل السياسي سواء على المتن أو الهامش.

كل هذا يجعلنا لا نرى السلفيين لونا واحد أو موقفا واحدا فهناك مايسمى بالسلفية التقليدية الكلاسيكية(وهي التي تهتم بالعلم الشرعي فقط وبالطرق التقليدية البدائية) وهناك السلفية النارية الجهادية (والتي تمثلها جماعة الجهاد وتنظيم القاعدة والتي قرأت نصوص السلف بفهم متطرف) وهناك السلفية الدعوية ( وهذه تأخذ بكثير من وسائل عصرها وتعمل على النظام المؤسسي وتمارس دور الإغاثة الإنسانية و يمثلها في اليمن جمعيتي الحكمة والإحسان) ولا زال في الأفق مبشر بنوع من السلفية يمكن أن يطلق عليه (السلفية التنويرية) أو (السلفية التجديدية) وتحت هذا المسمى هناك تيار يعمل في أوساط الدعوة السلفية على تأصيل لفكرة الاعتدال ويقوم بعملية مراجعات فكرية للفكر السلفي باعتباره نتاج إنساني يخضع أغلبه للاجتهاد و تتعدد فيه وجهات النظر مستثنيا من ذلك أصول أهل السنة المحصورة بأصابع اليد، وهو يقوم بهذه المهمة نظرا للخلط البشع بين الثوابت التي لا يجوز الاختلاف فيها و لايُقبل تعدد النظر حولها وبين المتغيرات التي تخضع للاجتهاد ويسعى هذا التيار من خلال ذلك إلى إيجاد تعايش مع الذين نتفق معهم في الثوابت و نختلف معهم في المتغيرات، وحتى مع الذين نختلف معهم في الدين و المعتقد لأن هذا التيار يحرص على العمل في إطار المصلحة العامة.

وهذا التيار ينتظر المناخ الملائم لإعلان استرتيجيته المنطلقة من فكرة إعادة كل شيء إلى نصابه والأخذ بعين الاعتبار بمتغيرات الواقع بما لا يتصادم مع روح منهج أهل السنة والجماعة والمشاركةُ مع كل أطياف المجتمع بما يعود على الدين و الوطن بالخير والدعوة إلى الحوار البناء واعتماده وسيلة وحيدة لحل كل مشكلاتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية بدلا من الزعيق في المنابر واستخدام لغة التجريح و التفسيق والتبديع ، ويدعو إلى تفعيل فقه المناعة وليس فقه المنع.

كما يمكن لهذا التيار أن يعيد النظر في مصطلح (السلفية) وله الحق أن يرتضي تسمية أخرى ك(الإحياء والتجديد) أو (التجديد) استنادا إلى حديث مفاده إن الله تع إلى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ، فتغيير المصطلح لا يضير في الأمر شيئا ما دام المنهج في الثوابت هو منهج أهل السنة والجماعة على فهم الصحابة رضوان الله عليهم .

كما يمكنه أن يصحح مفهوم قاعدة (سدّ الذرائع ) والتي كانت هي دائما حجة السلفية التقليدية في المنع حتى طالت أشياءً هي في الأصل مباحة فقد تكون هذه القاعدة عند هذا التيار هي قاعدة نسبية وليست مطلقة.

فإذا كان التصوير والرسم حرام لأنه ذريعة إلى الشرك بالله فقد يكون حلالا إذا انتفت الذريعة وذلك إذا وجدت ثقافة شرعية في جانب التوحيد والعقيدة إذ العلم الشرعي هو الضامن الوحيد للمناعة ضد الشرك والخرافة.

قد يكون كلامي هذا غريب على البعض الذي تسيطر عليه لوثة الهالة التي ترسبت في عقله في فترة من الفترات والتي كانت قد تكونت في عزلة من متغيرات الواقع بل وحاولت تجاهله.

لكن الأيام تثبت أن كثيرا من الأفكار السلفية في جانب المتغيرات تشهد مأزقا حادا يكاد في بعض الأحيان أن يصل بها إلى الاغتراب عن الواقع والبقاء في (كانتونات) تعزلها عن الحراك الذي يشهده الواقع ، وإن ظهور مثل هذا نتيجة حتمية وطبيعية بل وتفاعلية عادية مع الواقع منضبطة بالشرع وليس كما يظن البعض الذي لازال يصر على الفكر الأحادي ويرفض الآخر مع أنه يتفق معه في الثوابت.

وفي الأخير نتمنى أن يكون هذا الموضوع هو بداية للبحث في مثل هذه القضايا ونبذ الحساسية عند مناقشتها ونؤكد بأن هناك من سيثري وسيفيد في مثل هذا الموضوع أكثر مما أثراه وأفاده الكاتب

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية