الحركة الحوثية في اليمن .. النشأة والمواجهة

الحركة الحوثية في اليمن .. النشأة والمواجهة

كان اندفاع اليمنيين، أثناء وعقب ثورتهم على المشروع الإمامي، كفيلاً بجعل مثل هذا المشروع ذليلاً في نفوس البقية التي تضررت مصالحها بذهاب الحكم الإمامي المتوكلي. لكن عوامل جمّةً حالت دون أن يكتمل الدور الثقافي للثورة،

كما اكتمل الدور السياسي والعسكري، وكان السبب، وراء ذلك، انشغال اليمنيين في مشروع الوحدة، واحترابهم فيما بينهم بسبب بقاء الوضع التشطيري، رغم ذهاب المحتل البريطاني ورحيل آخر جندي من عدن في الثلاثين من نوفمبر1967، ثم المضاعفات التي أحدثتها الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي وكانت اليمن إحدى نقاط التَّماَس في هذه الحرب…

وفق ذلك كله، وتفاعلاً مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، عاود أصحاب المشروع الجارودي نشاطهم على أقل من المهل. وبدأ أولُ تحرُّكٍ مثمرٍ ومدروسٍ في العام 1982 على يد العلاّمة “صلاح أحمد فليتة” في محافظة صعدة، والذي أنشأ في العام 1986 “اتحاد الشباب” وكان من ضمن ما يتم تدريسه مادة عن الثورة الإيرانية ومبادئها يقوم بتدريسها “محمد بدرالدين الحوثي”.

وفي العام 1988 تجدّدَ النشاط بواسطة بعض الرموز الملكية التي نزحت إلى المملكة العربية السعودية عقب ثورة 1962 وعادوا بعد ذلك وكان من أبرزهم العلاّمة “مجدالدين المؤيدي” والعلاّمة “بدرالدين الحوثي”. ويعد الأخير هو الزعيم المؤسس للحركة الحوثية والأب الروحي لها, وليس ابنه حسين أو غيره سوى قيادات تنفيذية، فيما العلاّمة بدرالدين هو المرشد والمفتي والزعيم.

تحولت هذه الأنشطة إلى مشروع سياسي مع قيام الجمهورية اليمنية 22 مايو 1990 وإقرار مبدأ التعددية الذي دفع الأطراف السياسية اليمنية إلى الخروج من عباءة السر إلى واقع العلن، فقد أُعلن قيام ما يزيد عن 60 حزباً في اليمن تمثل أطياف التوجهات القومية واليسارية والإسلامية والليبرالية، فيما تمثلت الأحزاب الشيعية في “حزب الثورة الإسلامية، حزب الله، حزب الحق، اتحاد القوى الشعبية اليمنية”. وقد توارى الحزبان الأولان (حزب الثورة، حزب الله), فيما بقي في الساحة حزب الحق واتحاد القوى الشعبية. وكان أكبر مهرجان لحزب الحق في منطقة “الحمزات” تحت مسمى (مخيم الفتح) واستمر لمدة أسبوع ظهرت على هامشه الخلافات بين “حسين بدرالدين الحوثي” و”حسين يحيى الحوثي”.

منتدى الشباب المؤمن

وقد تشكلت نواته الأولى في العام 1992 على يد “محمد سالم عزان” و”محمد بدرالدين الحوثي” وآخرين(1)… ثم حدث انشقاق في صفوف هذا المنتدى، أو بالأصح، انقلاب أبيض، سيطر بموجبه “حسين بدرالدين الحوثي” على المنتدى ومعه “عبدالله عيضة الرزامي” و”عبدالرحيم الحمران” بالإضافة إلى “محمد بدرالدين الحوثي”..

في العام 1997 تم تحويل الاسم من مدلوله الثقافي الفكري، كمنتدى، إلى المدلول السياسي حيث أصبح “تنظيم الشباب المؤمن” وتفرّغ له حسين بدرالدين عازفاً عن الترشُّح في مجلس النواب، تاركاً المقعد، الذي كان يشغله، لأخيه يحيى بدرالدين الحوثي.. فيما برز والده بدرالدين الحوثي(2)كمرجعية عليا للتنظيم، وتم إقصاء “المؤيدي” و”فليتة”.

وحدثت على إثر ذلك خصومات واتهامات وتبرُّؤات بين كلا الطرفين اتَّهَمتْ فيها جماعةُ المؤيدي تنظيمَ الشباب المؤمن بالانقلاب على مبادئ الزّيدية، فيما كان الأخيرون يتهمون جماعة المؤيدي بالتحجُّر والجمود، وبالميل إلى الأفكار “الشوكانية”.

الخلاف مع الحزب

كانت تلك التحركات جزءاً من التسلسل الزمني لتشكُّل الشباب المؤمن، ويلاحظ أنها تزامنت في بدايتها مع انشغال النظام الحاكم في صنعاء بما عُرف بحركة التخريب في المناطق الوسطى الذي قامت به “الجبهة الوطنية الديمقراطية” المدعومة آنذاك من النظام الماركسي المناوئ له في عدن مطلع الثمانينات. تلك الجبهة التي كانت تشن على النظام حرب المناطق الوسطى من اليمن. وكان من بين أجِنْدتها الثقافية تشجيع قبائل الشمال على إحياء “الزيدية” بوصفها مذهباً ثورياً يجيز مبدأ الخروج على الحاكم، وذلك بغرض توليف عوامل التوتر على نظام صنعاء، ووجد مثل هذا التشجيع شيئاً من الحضور على مستوى بعض النخب المثقفة.

كان الهدف الأساسي الذي سعى وراءه أصحاب الفكر الإمامي الشيعي من حركة البعث تلك، الحفاظ على الفكرة من الاندثار والانقراض. وتطورت هذه الحركة بعد ذلك بسندٍ من الثورة الإيرانية لتغدو مشروعاً سياسياً عريضاً على يد “الحركة الحوثية”، تلك التي لا يمثل أتباع حسين بدرالدين الحوثي سوى جناح فكري وقبلي فيها.

في العام 1990 قامت الوحدة اليمنية بين شطري البلاد وتزامنت مع إقرار التعددية السياسية والحزبية حيث برزت القوى السياسية إلى السطح بعد أن كانت تزاول نشاطها سرياً تحت مظلة المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه الرئيس علي عبدالله صالح في 24 أغسطس 1982.

أصحاب المطلب الشيعي تكتلوا عبر تنظيمات عدة، كما أسلفنا، منها “حزب الحق” برئاسة مجدالدين المؤيدي ونيابة بدرالدين الحوثي، وأصدر علماء الحزب بياناً يقرون فيه بالتعددية السياسية وبحق جميع أبناء الشعب في الحكم دون تمييز. كان الحلم أيامها عريضاً في أخذ موقع متميز بين أطراف المعادلة السياسية وفق القواعد الجديدة للعبة..

لكن قواعد اللعبة الجديدة خيَّبت تلك الآمال، وأفرزت في أول انتخابات برلمانية في دولة الوحدة 27 إبريل 1993 تعزيزاً لموقع “المؤتمر الشعبي العام” و”الحزب الاشتراكي اليمني” (وهما محققا الوحدة) في حين حقق “الإخوان المسلمون” متمثلين ب”التجمع اليمني للإصلاح” موقعاً قوياً بحصدهم المركز الثاني، فيما لم يحصل “حزب الحق” إلا على مقعدين اثنين فقط من جملة 301 مقعد هي قوام البرلمان اليمني وكلا المقعدين من محافظة “صعدة “، أحدهما دائرة “حسين بدرالدين الحوثي”(3)، والآخر دائرة “عبدالله عيضة الرزامي”، وكلاهما لم تنته تلك الدورة البرلمانية إلا وقد قدما استقالتهما من حزب الحق.

(حصل حزب “الحق” على (18.659) صوتاً، أي (0.8%) من إجمالي الأصوات في انتخابات 1993م، وفاز اثنان فقط (من 65 مرشحا للحزب) بعضوية مجلس النواب عن محافظة صعدة. أما في انتخابات 1997 فقد تدنت حصيلة الأصوات التي حصل عليها مرشحو الحزب ال(26) حيث بلغت 5.587 صوتا أي ما نسبته (0.21%) في حين لم يصل أي واحد منهم إلى قبة البرلمان. وفي 2003 رشح الحزب 11 عضواً للانتخابات لم يفز منهم أحد. أما حزب “اتحاد القوى الشعبية” فقد حصل على (2.727) صوتاً، أي (0.2%) من إجمالي الأصوات في انتخابات 1993، ولم يفز أي من مرشحيه الـ26 بعضوية مجلس النواب. وفي عام 1997 قاطع الانتخابات. أما في عام 2003 رشح الحزب 15 عضوا للانتخابات لم يفز منهم أحد).

عوامل عدة أسهمت في استقالة الرجلين، منها ما يتعلق بأوضاع داخلية في الحزب، أهمها تتعلق بتنازع الصلاحيات وتضارب الرؤى بين كل من جناح المؤيدي رئيس الحزب وجناح نائبه بدرالدين الحوثي، وأخرى فكرية بين الجناحين نفسيهما، حيث اتخذ جناح الحوثي من نفسه مجدداً ومصلحاً للمذهب، مقدماً جملة من الأفكار والمعتقدات الاثني عشرية مع قيامه بشن حملات حادة ضد علماء الجناح المؤيدي تتهمهم بالتساهل في الحفاظ على “المذهب” وبالتراخي والقعود عن تبليغه ونشره.

ثالث تلك الخلافات، التي أدت إلى استقالة حسين بدرالدين الحوثي وعبدالله الرزامي، تتعلق -في اعتقادي- برؤاهم التي تشكلت جراء تعرُّفهم على حقيقة حجم القوى السياسية وحضورها، شعبيا،ً وفي البرلمان. ما يجعل من الاستمرار في المشروع السياسي عبر قناة “حزب الحق” أشبه “بالحرث في بحر”.. هذا الإحساس جاء مصداقاً لنظرية “بدرالدين الحوثي” الذي لا يرى طائلاً من المشاركة السياسية عبر التنافس التعددي. وهو شعور خامَرَ جزءاً لابأس به من أتباع الحزب، فانسلخ جزء كبير منهم وانضموا للحزب الحاكم، فيما انضم البقية إلى تنظيم الشباب المؤمن.

في بداية الأمر، كان الصعود المتنامي لتنظيم الشباب المؤمن بقيادة الحوثي، يتم على حساب الحجم السياسي والشعبي لحزب الحق بقيادة المؤيدي، ورجّح من كفة تيار الحوثي استغلاله الدعم الإيراني المخصص لتصدير الثورة إلى اليمن وكان في بداية الأمر دعماً فكرياً أكثر منه مادياً، ما أدى إلى معارك فكرية عدة بين الشباب والشيوخ أُصدرت خلالها بيانات التبرؤ من “تنظيم الشباب المؤمن”، ومن أطروحاتهم الرامية للانقلاب على المذهب(4).

لكن شوكة التنظيم ما فتئت أن قويت وغلب زخمُها على ماعداه، خصوصاً في ظل أحداث وعوامل تترى على صعيد اليمن وخارجها أصبح بموجبها “تنظيم الشباب المؤمن” ورقة هامة في يد التيار الحوثي يساوم بها الحزب (والدولة بعد ذلك) على مطالبه ورؤاه. نستشف ذلك من رسالة وجهها كل من حسين الحوثي وعبدالله الرزامي إلى أمين عام الحزب العلاّمة أحمد الشامي تتضمن مقترحات لإنعاش عمل الحزب، وعرضاً بأن يكون “الشباب المؤمن” في صف حزب الحق. بل تقترح الرسالة أسماء أعضاء اللجان المنبثقة عن الحزب وتضع التصورات للائحة المالية, لكن الحزب يبدو أنه لم يستجب لتلك المقترحات. فما كان من الرجلين إلا أن قدما استقالتهما مع آخرين بعد عشرين يوماً على تاريخ تلك الرسالة(5).

لعبة التوازنات

بمجرد قيام الوحدة اليمنية 1990 على يد كل من المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، سعى كل منهما إلى استمالة الأحزاب الأخرى إلى صفه سعياً من كل منهما إلى تقوية حضوره. ولما كان الاخوان المسلمون (التجمع اليمني للإصلاح) حليفاً تاريخياً للمؤتمر الشعبي وأداة تأثير فكرية ودينية استعملها المؤتمر منذ بداية الثمانينات ضد شريكه الحزب الاشتراكي، فإن الأخير سعى هو الآخر لكسب حليف فكري مضاد فقام بتشجيع حزب الحق وتقويته عملاً بمبدأ لعبة التوازنات المعروفة في تزاحمات الساسة، وكان الحزب قد استغل الحركة الحوثية ذاتها في صراعه مع شريك الوحدة (المؤتمر) في الفترة الانتقالية. وَتَفَعّلَتْ رابطةُ النسب العلوي لكل من “بدرالدين الحوثي” وزعيمي الاشتراكي “علي سالم البيض” و”حيدر أبوبكر العطاس” لتفضي إلى تأييدٍ حوثي للانفصال، وحدثت عقب حرب 94 مناوشات بسيطة في صعدة من قِبل أتباع الحوثي، وانتهى الأمر بحملة عقب الحرب دمّرت منزل بدرالدين الحوثي وخرج على إثرها إلى لبنان وإيران قبل دخول وساطة في الخط أعادت الرجل إلى اليمن في العام 1997.

بعد خروج الحزب الاشتراكي اليمني من السلطة بفعل حرب الانفصال مايو – يوليو 1994، انفرد حزبا المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح بالسلطة، وتفرغ كلٌّ منهما إلى توسعة حضوره وتقليص الآخر قدر المستطاع. وهي معركة تفوّقَ فيها المؤتمر إلى حد كبير جداً وأزاح شريكه تماماً من السلطة عبر انتخابات 1997 التي حاز فيها المؤتمر الأغلبية المريحة، فيما خسر الإصلاح قرابة 10 مقاعد وانضم إلى خانة المعارضة.. الشاهد في المسألة أن الرئيس على عبدالله صالح (رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الشعبي العام) بدا له استغلال الشباب المؤمن لضرب خصمين في وقت واحد: “حزب الحق” و”تجمع الإصلاح” ووصل الأمر حد اعتماده مبلغاً وقدره 400 ألف ريال لتنظيم الشباب المؤمن يصرف شهرياً من خزانة رئاسة الجمهورية.

لعبة التوازنات أمرٌ معروف في سياسة “الرئيس علي عبدالله صالح”، الذي سبق وأن استخدم “التجمع اليمني للإصلاح” في ضرب شريك الوحدة (الحزب الاشتراكي اليمني)، كما استخدم الحركة الحوثية والسلفيين وتيار الصوفية في ضرب “حزب الإصلاح”. ونجح، كذلك، في شق “الناصريين” ثلاثة أحزاب، و”البعث” حزبين، كما قام باستنساخ “مجلس وطني للمعارضة”.

هذه المرة، كما رأينا، طفحت إحدى القدور في لعبة التوازنات. وتبدى للرئيس أن هذه اللعبة ليست دائماً موفَّقَةً. خصوصاً مع حركة ذات مطلب سياسي بأثرٍ دينيٍ وراعٍ إقليمي وميليشيات مسلحة.

العوامل الخارجية

كان غزو العراق للكويت 2 أغسطس 1990، والحرب الدولية التي شنت ضده مطلع 91، ثم حالة الحصار والضربات الجوية المتواصلة عليه… كل ذلك التدهور في الوضع العراقي كان يقابله تقوٍّ من جانب إيران التي تبنت، ومنذ قيام ما عرف ب”الثورة الإسلامية”، مبدأ تصدير الثورة الشيعية إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي. “وإذا كان العراق مثل سدّاً منيعاً ضد التوسع الشيعي في منطقة الخليج.. فإن نظام إيران لم يتخل عن تواصله بالأقليات الشيعية في الخليج والجزيرة عموماً، بل سعى جاهداً إلى تصدير الفكر الشيعي إلى دول أخرى.

وقد شكلت الأرضية المذهبية (الهادوية) في اليمن محضناً خصباً لهذا التغلغل الشيعي خاصة بعد حرب الخليج الثانية وتدمير العراق. وبذلت الدبلوماسية والسفارة الإيرانية في صنعاء جهدا مكثفا لاستقطاب أتباع المذهب الزيدي منذ عام 1990م، حيث توجهت الأنظار إلى اليمن كلاعب إقليمي ناشئ ومؤثر. وكانت إيران مخيّرة بين دعمها حزب الحق ودعمها للشباب المؤمن، وكان الحظ حليف هذا الأخير كونه يتواءم، حسب اعتقادي، مع طبيعة سيناريو التغيير الذي سيطال المنطقة والذي بدأت تتكشف ملامحه بعد سقوط بغداد (مارس 2003)، وهو ما سنأتي عليه في الباب القادم، بإذن الله، بشيءٍ من العناية.

النقلة الكبرى في آلية عمل التنظيمات الشيعية في المنطقة تمت عقب هجمات 11سبتمبر 2001 وما أحدثته ردودُ الفعل الأمريكية إزاء تلك الهجمات من إقصاء للمنابر السلفية وبعض المنابر الإخوانية تحت فزّاعة الإرهاب وجوانتانامو… وكذا تأثيراتها من حيث موجة الاستياء والكراهية ضد أمريكا التي اتخذت من 11 سبتمبر “قميص عثمان” لتعزيز سيطرتها في الخليج والعالم أجمع. ومن ثمَّ، سعيها لإسقاط نظامي “طالبان” في أفغانستان و”صدام” في العراق.

على عاتق ذلك كله انتهزت التنظيمات الشيعية في الوطن العربي، ومنها تنظيم الشباب المؤمن، هذا الغياب المِنبريّ لأطراف العمل الإسلامي السلفي والإخواني. ورَفَعَ التنظيم ما عُرف بعد ذلك ب”الصرخة” وهي: “الله اكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام، اللعنة على اليهود”. وتحت هذا الشعار تم حشد الآلاف من الشباب الناقم على الجبروت الأمريكي المتغطرس. وانتقل عمل التنظيم من طابعه الفكري إلى طابعه السياسي. وتحت هذه اللافتة تم التجييش الداخلي للتنظيم والتعبئة المواكبة لقبائل في صعدة وما جاورها.

وبين عامي 1999 – 2004 بدأ نشاط “تنظيم الشباب المؤمن” يأخذ طابعاً عسكرياً إلى جانب تكثيف الدور الثقافي عبر المخيمات الصيفية. وخلال هذه الفترة توسع نشاط التنظيم في أرجاء محافظة صعدة، ثم افتتحت العديد من الفروع في محافظات الجمهورية؛ ففي صعدة وحدها 24 مركزاً، عمران 6 مراكز، المحويت 5 مراكز، حجة 12 مركزاً، الأمانة 5 مراكز، ذمار 7 مراكز، إب مركز واحد، وكذلك تعز، بينما في محافظة صنعاء 4 مراكز. إلى ذلك تم إنشاء الجمعيات الخيرية والتعاونية التي تصبُّ مواردها في دعم التنظيم وأنشطته. مضافاً إلى ذلك الموارد المالية من أطراف العمل الشيعي في الخارج، وكذا دعم مؤسسة الحسني بجدة التابعة لبيت حميدالدين، وسنأتي على ذلك في مكانه.

وفي الفترة ذاتها 1999 – 2004 حدثت أوسع عملية تغلغل في المرافق الحكومية وأجهزة الدولة المدنية ومنها العسكرية، مع تركيز موازٍ على المرافق التعليمية في محافظات صعدة، عمران، حجة، صنعاء و الجوف، وخصوصاً أثناء حركة الدمج بين المدارس الحكومية والمعاهد العلمية التي كان يشرف عليها حزب الإصلاح.

وتمثلت سمات هذه المرحلة بالتالي:

– التهيئة النفسية: وذلك من خلال التعبئة المستمرة بحتمية المعركة وبعمالة النظام، ولا شرعيته، وفي إبراز النموذج الخميني كنموذج للعزة والخلاص.. وفي هذا الإطار كان لحسين بدرالدين وحده 43 مَلزمة ما بين كتيب ومحاضرة، كان أهمها ” الصرخة في وجه المستكبرين، خطر دخول أمريكا اليمن، الإرهاب والسلام، لا عذر للجميع أمام الله، ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، حديث الولاية -كلمة في عيد الغدير 17 ذي الحجة 1423ه- مسؤولية أهل البيت، لتحذونَّ حذو بني إسرائيل… وغيرها”.

رافق ذلك تهيئةٌ نفسيةٌ في أنَّ “سيدي حسين” مستهدف من قبل أمريكا وإسرائيل، فكان يتخذ الحرس ويموّه أماكن تواجده.. إلى جانب ذلك كانت تُرفع أعلام “حزب الله” ويُردّد الشعار بدلاً عن النشيد الوطني في طوابير الصباح بالمدارس الخاضعة لإشراف الحوثي. وبمجهود مساوٍ نشطت مراكز الشباب المؤمن في العاصمة، وصدرت الكتب والتسجيلات وأقيمت اللقاءات ضمن حركة متنامية ومتناسقة تتضمن النقد الحاد للمذهب الزيدي والهجوم على رموزه، وتدريس المذهب الجعفري والترويج له ولأفكاره وشخوصه وهيئاته. علماً أن بعض من وقعوا تحت تأثير هذه الحملة يؤرخون العام 1997 كعامٍ للانتقال الفعلي من الهادوية الجارودية إلى الجعفرية الاثني عشرية(6).

– التهيئة القتالية: وتمثلت في ابراز مظاهر القوة والكثرة في أعياد عاشوراء والغدير. وكذا إلهاب الحماس الثوري والدعوة إلى شراء الأسلحة، حيث كان السلاح شرطاً في قبول العضو في التنظيم، وكذا تجميع الموالين القادرين على القتال من أبناء القبائل، وإقامة المناورات القتالية والتدريب على الرماية، وتنفيذ المناورات التي كانت تُخلِّفُ في بعض الأحيان جرحى يتم التستُّرُ عليهم. كما تم خلال هذا تكثيف الحراسات، والتفتيش، واتِّباعُ نظامٍ صارم في المُلايلة والمناوبة والمراسلة. وكذا بناء التحصينات والكهوف والأسوار والأفخاخ وشراء البزّات العسكرية، وصولاً إلى تقسيم “صعدة” إلى مناطق عسكرية توزعت فيها “المليشيات”.

وحسب بعض الوثائق التي تم العثور عليها مع أنصار الحوثي فإن صعدة تقسمت بحسب الخطة الحوثية إلى ثلاث مناطق قتال: الرزامات، آل شافعة، آل النمري. فيما كانت أهم مناطق التمركز هي: جبل القوازي, شِعب الوشل، الحصن، جبل حضيفة, ذات السبيل، جبل أيوب، جبل القدم، جبل أم عيسى… واحتوت هذه النقاط على 14 موقعاً. في كل موقع يتمترس ما بين 4-5 أشخاص.

من الناحية الإعلامية بدأ التصعيد بإرسال مجموعات إلى العاصمة بغرض ترديد “الصرخة” في “الجامع الكبير” والتأكيد للشباب الذين يذهبون لهذا الغرض، أنه سيتم اعتقالهم، والتشديد على ضرورة عدم كتابة تعهدات للسلطات حال الإفراج عنهم.

– المناوشات الأمنية: أمنياً تم رصد 45 اعتراضاً على الأطقم الأمنية فصَّلها تقرير وزير الداخلية(7) المقدم لمجلس النواب والذي فيه قيام الحوثيين بمهاجمة مرافق حكومية منها القصر الجمهوري بصعدة، وكان ذلك بعد أسبوع على قيام المواجهات المسلحة مع السلطات.

وكان أول ظهور لما عُرف ب”الصرخة” في يوم 17 يناير 2002 عقب محاضرة ألقاها حسين بدرالدين الحوثي في مدرسة الهادي بمنطقة مرَّان، بعنوان “الصرخة في وجه المستكبرين”. تطرّق خلالها إلى الطغيان الأمريكي والمنطقة والهوان الذي تعاني منه الشعوب العربية والإسلامية، وهاجم فيه تواطؤ الحكام، وأشاد بموقف إيران وحزب الله، مستعرضاً الأيات القرآنية الداعية إلى الجهاد، ومفضياً إلى ضرورة مواجهة الجبروت الأمريكي الإسرائيلي بترديد شعار “الله اكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”، وموجهاً الأتباع إلى ضرورة ترديده في المساجد, مشدداً على ضرورة ألا تتجاوز ردة فعلهم الجهادية ضد أمريكا مسألة ترديد الشعار.

أبانَ “الشباب المؤمن” عن نفسه من خلال ترديد الشعار في مساجد عدة في كل من صعدة وحجة وعمران والجوف وصنعاء، وصولاً إلى أمانة العاصمة، حيث تم ترديده في الجامع الكبير عقب كل جمعة بالتزامن مع حملة الادارة الأمريكية في مواجهة موجة الكراهية ضد الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى اعتقالات متتالية لمن يقومون بترديد الشعار في الجامع الكبير، حيث تذكر صحيفة “الأمة”، الناطقة باسم “حزب الحق”، في أحد أعدادها أن عدد المعتقلين بلغ ما يقارب 600 معتقل.

الرئيس وأثناء ذهابه لأداء فريضة الحج الموسم 1424ه وقف أمام الشعار وجهاً لوجه واستلفته الطريقة التي كان يردد فيها “والتي لا تخدم بأية حالٍ مضمون ذلك الشعار”. علماً أن الرئيس صالح أيامذاك كان هو الأخر يشن حملة إعلامية على الصلف الصهيوني والنظام الأمريكي الذي يكيل بمكيالين. واصفاً الارهاب الاسرائيلي “بأنه أكبر إرهاب في العالم وأن أمريكا تدعم ذلك الإرهاب”(8). وفي نفس الوقت كانت بقية مساجد اليمن (والمحسوبة جميعاً على التيار السني) ترفع القنوت في أغلب الصلوات، بما في ذلك صلاة العصر، جاهرةً بالدعاء على أعداء الأمة من الأمريكان والصهاينة، سائلةً من الله العون والثبات للمجاهدين في سبيل الله في كل مكان.

فتيل الأزمة

الأرجح أن النقطة الأولى في الأزمة تعود إلى أول ترديد للشعار (الصرخة) خارج محافظة صعدة وتحديداً في الجامع الكبير بأمانة العاصمة وما تبعه من اعتقالات. غير أن سماع الرئيس لطريقة ترديد الشعار أثناء صلاة الجمعة على طريق رحلته إلى أداء فريضة الحج 1424ه كان المحطة الأبرز في تطور الأزمة، حيث شعر الرئيس أن المسألة تتجاوز موقف إعلان الرفض للهيمنة إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث بدا وكأن أتباع الحوثي يريدون إيصال رسالة للرئيس أكثر منها للولايات المتحدة.

اللافت هو أنه لا توجد رواية حوثية متماسكة تشرح بدء الأزمة ومحطات تطورها. والمقصود عدم وجود رواية على غرار رواية الرئيس صالح التي شرحها أثناء لقائه بالعلماء 3/7/2004، حيث بدت أفكار الرئيس مرتبة ولمس من سمع ذلك الحديث أو قرأه قدراً عالياً من حرص الرئيس على إيراد الحقيقة. ليس ثمة رواية تفصيلية تناقض ما قاله الرئيس أو تلتقي معه في بعض النقاط وتختلف في البعض الآخر. الحوثيون بدورهم لا ينساقون حتى وراء مناقشة الحيثيات التي أوردها الرئيس، مؤكدين على نقطة واحدة في كل مرة: وهي أن الدولة تمنعهم من قول الشعار. وزاد الحوثي الأب في حواره الشهير مع صحيفة “الوسط” أن قال إن سبب المواجهات هو أن الرئيس يخاف من أن يأخذ عليه حسين الولاية العامة.

فتيل المواجهة

حسب كلام الرئيس فإن المواجهة اندلعت بعد مضي عام ونصف على اندلاع الأزمة. كما تخبرنا أيضاً بعض الأنباء المنشورة في مواقع خبرية الكترونية -“الصحوةنت” مثلاً- بأن مواجهات وصدامات حدثت في صعدة قُبيل الحملة العسكرية على مران 18/6/2004 بأشهر. وكانت لها علاقة بترديد الشعار والنزاع على المساجد والحوادث الأمنية المصاحبة للطقوس الاثني عشرية.

ومع تكرر تلك الصدامات وتكرر الاعتداء على أفراد من الأمن في بعض النقاط الأمنية في محافظة صعدة قررت السلطات المحلية استدعاء حسين بدرالدين الحوثي لاستفساره عن أسباب هذه الصدامات ولسماع أقواله حول علاقته بهذه الأحداث الأمنية من عدمها. وفي كل مرة كان يرفض الحوثي الحضور والامتثال لأمر السلطات المحلية، ما اضطر قيادة أمن المحافظة بالتواصل معه وباءت المحاولة بالفشل، ثم قام محافظ صعدة، سابقاً، العميد يحيى العمري بمحاولة باءت هي الأخرى بالفشل.. ترقّى الأمر حتى وصل إلى رئيس الجمهورية، الذي قام بإيفاد الرسل إلى حسين بدرالدين لإقناعه بلقاء الرئيس في صنعاء وله الرأي والأمان. ورد على ذلك بأنه سيفد إلى صنعاء بطريقته الخاصة تجنباً من استهداف أمريكا وإسرائيل له، فوافق الرئيس على ذلك. لكن اسابيع مضت من غير أن يفد الرجل إلى دار الرئاسة في نفس الوقت الذي تصاعدت فيه وتيرة الاعتداءات على أفراد الأمن في محافظة صعدة يواكبه نشاط متزايد في بناء التحصينات والكهوف وشراء الأسلحة.

وحسب ما روى شاهد عيان من قاطني مركز مديرية حيدان فإن السلطات المحلية قبضت على سيارة تابعة للحوثي وفيها بعض الذخائر والمؤن.. ويضيف: “ورزم من الدولارات في صناديق الأسلحة”. وكانت السيارة لاندكروزر سوداء بحراسة سيارة أخرى شبح. يومها كانت السلطات بصدد تجميع الأدلة التي تستجوب الحوثي على أساسها، فما كان منه إلا أن ظهر على الناس بعد حادثة القبض الأخيرة على سيارة الأسلحة مشدداً على أن يأخذ الأهالي حذرهم من عدوان أمريكي وشيك على قراهم، ما اضطر السلطات إلى إصدار أمر قبض قهري بواسطة بعض الأطقم العسكرية التي حدثت بينها وأتباع الحوثي بعض الأخذ والرد بلغة الذخيرة تلتها الحملة العسكرية الأولى وقوامها 500 جندي ولا أستبعد أن الحملة نفسها كانت بمعية أمر القبض القهري. لكن شاهد العيان يقول أنهم في مركز المديرية لم يشعروا أن المسألة تطورت من المناوشة إلى الحرب إلا بعد عملية القصف على سوق حيدان ومقر التجمع اليمني للإصلاح في حيدان. وشاهد العيان هو أحد جرحى ذلك القصف الذي أكدت المصادر الحكومية أنه تمّ عن طريق الخطأ.

مرةً أخرى أؤكد على غياب أية رواية حوثية مكتملة تصف بداية الأزمة مع السلطات الحكومية وتسرد كيفية بدء المواجهة، لكن الأمور، حسب اعتقادي، ماكان لها أن تصل إلى حدود المواجهة العسكرية لو أن حسين بدرالدين الحوثي قام بالتجاوب مع السلطات المحلية أو الوفود إلى صنعاء.

سيرورة المعارك وأطوار المواجهة

مرَّت المواجهات المسلحة بين السلطات اليمنية وأتباع الحركة الحوثية بطورين بارزين من المواجهات:

– المواجهات الأولى: من 18يونيو 2004 إلى 10 سبتمبر 2004. واتسمت المواجهات في هذا الطور بالحرب محدودة النطاق. دارت فيها المواجهات على سياق متصل، وانتهت بسيطرة القوات الحكومية على جبل سلمان، ومقتل زعيم التنظيم “حسين بدرالدين الحوثي” في 10/9/2004.

خطاب السلطة في هذه المرحلة اتسم بالاندفاع الكلي، بادئ الأمر، عبر الإذاعة والتلفزيون والصحافة الرسمية، وكان اندفاعاً تنقصه المعلومات الكافية وتنقصه الخطة، وينقصه التنبؤ السليم لنتائج المعركة، ما جعله يقع في سقطات عدة، خصوصاً في ظل حديثه المستمر عن قرب حسم المعركة، فيما العكس يحدث على أرض المواجهة، ما دفع الإعلام التلفزيوني والإذاعي الرسمي إلى التراجع والصمت، وتكفّلَ بالمهمة صحافة الحزب الحاكم، التي وقعت هي الآخرى في سقطات عدة بعضها صور المعركة وكأنها مواجهة طائفية، الأمر الذي استغلته الصحف المتعاطفة مع الحوثي وأهمها (“الشورى” و”البلاغ”) وتفننت فيه إلى حد كبير.

الخطاب الحوثي في هذه المرحلة اتسم بردة الفعل القائمة على دحض ونفي مزاعم الإعلام الرسمي، وتأكيد التزامهم بالنظام الجمهوري واحترامهم للدستور، وأن السلطات هي التي اعتدت عليهم(9). فيما انبرت أقلام في الصحف السالفة الذكر تصور المعركة على أنها خِيضت بعد أخذ الإذن من السلطات الأمريكية (أثناء مشاركة الرئيس صالح في قمة الدول الثمان مطلع 2004). كما شنت حملة نقد مركزة على محافظ محافظة صعدة (سابقاً) العميد يحيى العمري، وكذا قائد المواجهات العميد علي محسن الأحمر – قائد المنطقة الشمالية الغربية التي تقع مديرية حيدان في نطاقها.

شهد هذا الطور سلسلة من الاعتقالات طالت أعداداً كبيرة من المشتبه بانتمائهم للحركة الحوثية. وامتدت هذه الاعتقالات لتشمل أكثر من مكان في صعدة وعمران وحجة وصنعاء وأمانة العاصمة وذمار وحراز. وقد بررت السلطات ذلك بأنه إجراء احترازي منعاً لوصول المزيد من المقاتلين إلى صفوف الحوثي، وكذا تجنباً لأية نثرات مسلحة قد تندلع هنا أو هناك تأييداً للحوثي. وأردفت السلطات بأنه كان لدى الحوثيين مخطط تفجير واسع للوضع في أكثر من محافظة.

وعلى هامش ذلك، تم أيضاً، اعتقال عدد من الرموز والخطباء أهمهم: (محمد مفتاح، يحيى الديلمي، وكذا القاضي محمد لقمان) وخضع هؤلاء للمحاكمة بتهم متفاوتة حيث اتُّهم مفتاح والديلمي بتأييد التمرد وبالتخابر مع دولة أجنبية لإسقاط النظام ودعم تمرد الحوثي وحُكم على أحدهما بالإعدام، فيما خضع بقية المعتقلين لما عُرف بجلسات الحوار الفكري التي تولى مهمتها القاضي حمود الهتار ومجموعة من العلماء بهدف إثناء المعتقلين عن أفكارهم وإقناعهم بالوسطية والاعتدال وعدم الخروج على النظام.

في هذا الطور أيضاً شهدت الأحداث إغلاق صحيفة “الشورى” الناطقة باسم حزب “اتحاد القوى الشعبية” وتم القبض على رئيس تحريرها الزميل “عبد الكريم الخيواني” الذي حكم عليه بالسجن عاماً كاملاً بتهمة تأييد التمرد الحوثي والإساءة إلى رئيس الجمهورية، وخرج “الخيواني” بعد تمضيته نصف المدة المحكوم بها، وذلك عبر ما وصفته أجهزة الإعلام الرسمية ب”المكرمة الرئاسية”.. هذا وتعرّضت السلطات لضغط محلي وخارجي شديد بسبب حبس “الخيواني” الذي تُعدّ قضيته فصلاً مهماً من فصول أزمة الحركة الحوثية، حيث تركزت كثير من الاعتراضات على الطريقة التي تمّ بها اعتقال الصحفي “الخيواني” وكذا الأسلوب الذي اعتمدته السلطات في إسكات الصحيفة.

– المواجهات الثانية: اندلعت مواجهات هذا الطور منذ تاريخ 12/7/2005 (أي قُبيل نشر المقابلة التي أجرتها صحيفة “الوسط” بأربعة أيام), لكن الحادث هو أن بدرالدين غادر صنعاء فور إجرائه المقابلة, وقبل أن تُنشر على صفحات الصحيفة. وكان مبرر مغادرة الحوثي الأب، حسب ما أعلن عنه، هو مماطلة الرئيس في لقائه. ذلك اللقاء الذي كان يفترض أن يحسم فيه الطرفان مسألة الخسائر والمعتقلين، غير أن يحيى بدرالدين الحوثي أورد سبباً آخر للمغادرة بقوله: “عودة أبي إلى نشور بسبب الفساد والرذيلة المنتشرة في صنعاء”.. وفي اعتقادي، كان اللقاء صعباً بين رجل موتور بفقد أربعةٍ من أبنائه ويمتلك، نفسياً، كل مقومات التأثير على الطرف الآخر الذي يدرك هذا الأمر ويخشى من تقديم التنازلات. غير أن اللقاء، في كل الأحوال، كان سيتم لو أن قليلاً من الوقت سُمح له أن يمر.

واتسمت المواجهات الثانية بتغير ميدان المعركة واتساعه، مع حدوث بعض المناوشات والهجوم المباغت من قبل أتباع الحوثي على أهداف حكومية في مدينة صعدة، إلى جانب محاولات أخرى حدثت في بعض المناطق من محافظة الجوف المجاورة لصعدة من جهة الشرق. واتخذت المواجهات في هذا الطور طابعها السياسي الشيعي بصدور بيانيْ مناصرة من قبل الحوزات الإثني عشرية في كل من النجف وقُم.

خلية صنعاء
وخلال هذا الطور، أيضاً، اتسع نطاق المواجهة إلى العاصمة صنعاء من خلال جملة من التفجيرات قام بها ما عرف ب”خلية صنعاء” وحسب المصادر الأمنية، تم اعتقال أفراد الخلية وبحوزتهم العديد من الذخيرة والمتفجرات والصواريخ اليدوية؛ ففي تاريخ 29/3/2005، 7/5/2005 حدثت تفجيرات في أمانة العاصمة، أدت إلى إصابة عددٍ من الضباط وأفراد الأمن. وقد عُثر في منزل أحد أعضاء الخلية على 41 قنبلة، 4 صواريخ يدوية، وكتيب بالعمليات التي تم تنفيذها مع التواريخ. فيما عُثر في منزل عضو آخر على 3 صواريخ وذخائر أخرى، كما عُثر أيضاً لدى بعض أفراد الخلية على مخطط لاغتيال السفير الأمريكي بصنعاء، حسب ما أعلنته السلطات.

في هذا الطور، بدا واضحاً تصاعد نبرة المواجهات من قبل الحوثيين على الصعيد الإعلامي خصوصاً مع انتقال يحيى بدر الدين الحوثي إلى دول أوروبية وبذل مساعٍ حثيثة لتدويل الأزمة. وكذا بعد أن تقمصت الأزمة طابعها السياسي الشيعي بعد صدور بياني الحوزة الاثني عشرية في النجف وقم, كما أسلفنا. واللافت أنه كثيراً ما كانت هذه النبرة تتأثر صعوداً أو هبوطاً بدرجة الحرارة في تصريحات الإدارة الإيرانية الجديدة برئاسة “محمود أحمدي نجاد” الذي أعلن بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الإيرانية عزم بلاده على إحياء مبدأ تصدير الثورة. علماً أن الإيرانيين كانوا بذلوا جهوداً مضنية في ندوات التقريب بين السنة والشيعة لإثبات أن “مبدأ تصدير الثورة” لم يعد له وجود!

وتم أيضاً في هذا الطور بروز عدد من الأسماء والمسميات المكرِّسة للطابع السياسي الشيعي للحركة الحوثية حيث برز إلى السطح مسمى “المجلس الأعلى للزيدية في اليمن” وكذا تداولت الصحف اسم “آية الله عصام العماد” المقيم في إيران, وهو صاحب كتاب “رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية” وكان إماماً في جامع “الأسطى” بشارع الزبيري في أمانة العاصمة. إعلامياً، تصدّت صحيفة “البلاغ” الأسبوعية لتكون ناقلاً ذكياً لتصريحات الحركة الحوثية، مع تصعيد واضح في خطابها لمسألة “الحُسين، والغدير” بذات النسبة التي يتم بها تصعيد هذه الأمور على القنوات التابعة لإيران وحزب الله.

في 28 فبراير 2006 انتهت المواجهات الثانية (والأخيرة بإذن الله) بتوقيع صلح مثّله من جانب الحوثيين عبدالملك بدرالدين الحوثي، وعن الجانب الرسمي العميد “يحيى الشامي” محافظ صعدة الجديد والذي أعلن أنه وبموجب هذا الصلح انتهى التمرُّد و”إلى الأبد”.

المراجع:
_______________

(1) راجع مقابلة صحيفة “الوسط” مع محمد سالم عزان .

(2) هو: بدرالدين بن أميرالدين الحوثي. ولد في 17 جمادي الأول 1345ه بمدينة ” ضحيان ” ونشأ في ” صعدة “. تلقى العلم عن والده أميرالدين المتوفي سنة 1394ه. وعن الحسن بن الحسين الحوثي المتوفي 1388ه. أجازه عدد من العلماء ذكرهم في كتابه (مفتاح أسانيد الزيدية). أثنى عليه العلامة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي وقال في ترجمة له ” هو السيد العلامة رضيع العلم والدراسة، وربيب العلم والهداية، وهو من العلم والعمل بالمحل الأعلى، وله من الفكر الثاقب والنظر الصائب الحظ الأوفر وخيرة الخيرة وبقية البقية… الذي امتاز بالورع والزهد وكل فضيلة”. مؤلفاته: تفسير جزء تبارك وجزء عم. التيسير في التفسير طبع منه الفاتحة والبقرة وآل عمران في مجلد. تحرير الأفكار عن تقليد الأشرار، طبع سنة 1414ه. الإيجاز في الرد على فتاوى الحجاز (طبع). الزهري أحاديثه وسيرته (طبع). الغارة السريعة في الرد على الطليعة (طبع). شرح أمالي الإمام أحمد بن عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام (مخطوط). طرق تفسير القرآن الكريم. كشف الغمة في مسألة اختلاف الأمة (مخطوط). المجموعة الوافية في الفئة الباغية (مخطوط). الخافض القاضب لهامات النواصب (مخطوط). التحذير من الفُرقة (طبع). أحاديث مختارة في فضائل أهل البيت عليهم السلام.

(3) انظر موقع العربية نت
(4) هو: حسين بدر الدين الحوثي. مولده عام 1958م في قرية ” آل الصيفي ” من منطقة ” حيدان ” محافظة صعدة (240 كيلومتر شمال صنعاء). التحق بأحد المعاهد التابعة لرئاسة المعاهد العلمية الهادوية والتي تختلف عن هيئة المعاهد التي كانت تحت إدارة حركة الإخوان المسلمين التي تحولت بعدها إلى حزب الإصلاح، كما تلقى العلم على يد والده وعلماء المذهب الهادوي. وحصل على البكالوريوس في الشريعة والقانون من كلية الشريعة جامعة صنعاء.التحق بإحدى الجامعات السودانية وحصل على الماجستير في علوم القرآن، ومزَّق الشهادة عام 2000م لقناعته بأن الشهادات الدراسية هي تعطيل للعقول. يشهد له زملاؤه وأساتذته وأصدقاؤه بالذكاء والتفوق العلمي والتوسع في الدراسات الإسلامية والمذهبية، ويأخذون عليه تشدده لآرائه وأفكاره وتعصبه المذهبي.

(5) جانب من تلك المعارك الكلامية في باب الوثائق في كتاب “الزهر والحجر. ويمكنك الحصول على نسخة الكترونية منه في موقع “نشوان نيوز”

(6) الرسالة كاملة في باب الوثائق في كتاب “الزهر والحجر.

(7) نص تقرير وزير الداخلية في باب في كتاب “الزهر والحجر.

(8) راجع: “القصة الكاملة للحوثي والزيدية في اليمن”، تقرير لوكالة أنباء قدس برس.

(9) نماذج من البيانات التي كان يوزعها الحوثيون في باب الوثائق.

– – – – – – – – – – – – – – –
* عادل الأحمدي
• خاص ب”نشوان نيوز”
• من كتاب “الزهر والحجر التمرد الشيعي في اليمن”.. الصادر عن مركز “نشوان الحميري للدراسات والنشر” في العام 2006
• يرجى الإشارة إلى المصدر حال النقل أو الاقتباس