نحو قراءة لخلفيات الدور المصري في الثورة اليمنية

لطفي فؤاد أحمد نعمان

اقترن ذكر مصر بثورة 26 سبتمبر 1962م في اليمن، منذ اندلاع الثورة ثم امتزاج أرواح ودماء أبناء مصر بدماء وأرواح الشهداء اليمنيين في معارك الدفاع عن الثورة اليمنية، إثر صدور قرار التدخل العسكري المصري لحماية الثورة اليمنية بدافع عروبي قومي وسياسي.

وحقيقة الأمر، أن هذا الامتزاج التاريخي، زاد روابط البلدين عمقا، وبقدر ما ازداد عمقها، تزايدت الشبهات حولها، وهو ما لا يقف عنده المعنيون بالعلاقات كثيراً، لهذا يتأمل الناس في الجانب النير من هذه العلاقات أكثر مما يعيرون الظلمات التفاتاً.

لم تكن الجمهورية العربية المتحدة، وقواتها العسكرية صاحبة البصمة الوحيدة في تاريخ اليمن المعاصر. بل إن مصر في مختلف مراحلها الليبرالية قبل يوليو 52م، الثورية والقومية، وأخيراً المنفتحة والمعتدلة، أعانت يمنيي القرن العشرين شمالاً وجنوباً على ارتياد آفاق التقدم ومواكبة العصر.

لا سيما في الجانب التنويري والتعليمي والثقافي الحديث الذي أبرز كثيراً من أعلام اليمن، سواءً من حط رحاله في مصر لتلقي العلم، أو من تزود بجديد مصر من المطبوعات المتنوعة كالكتب والمجلات والصحف، وحاكى ما احتوته بعد تشبعه وارتوائه من مناهلها الكاسرة لحاجز العزلة المفروضة أيام الإمام يحيى حميد الدين على الشمال المعتل، والرافضة لاستمرار الوجود البريطاني في الجنوب المحتل.

كانت مصر وما تزال، قبلة علم، ووجه حضارة، ومنارة سياسة، من الصعوبة بمكان تجاوزها، ولهذا تفردت في تاريخ اليمن المعاصر بجدل كبير كونها محطة ونقطة بارزة انتقل منها اليمنيون إلى رحاب العصر، محاولين إبراز ذاتهم وطابعهم الخاص، والتصدي خلال فترات حرجة وتحت ظروف حساسة لمن أرادوا إذابة اليمنيين وإلغاء خصوصيتهم.

فكان مسار العلاقات بين مصر واليمن عنوانه “من التنوير إلى التثوير”. وهو مسار يجب درسه وإعادة قراءته وفق المعطيات المتاحة من مذكرات ومراجع بالرجوع إليها لالتقاط الصورة الكاملة للتأثير والدور المصري في اليمن والعلاقات المشتركة خلال القرن العشرين، من عهد الإمام يحيى والملك فؤاد الأول حتى قيام الثورة اليمنية في سبتمبر 1962م.

ودعم مصر لمخطط تفجير الثورة بعد انفراط عقد التحالف بين العربية المتحدة والمملكة المتوكلية، وما تخلل فترة التحالف من مواقف، وقرّ من انطباعات مشتركة بين قادة البلدين. وما مثلته مصر 23 يوليو من أمل لأحرار اليمن، مدنيين وعسكريين، في إنقاذ الموقف أو تعديله وإصلاحه أو إصابة اليمن بعدوى التغيير، والتثوير بعدما نال اليمنيون في مصر نصيبهم الوافر من التنوير.