ماذا لو فكرت أمريكا بغزو اليمن؟!

ماذا لو فكرت أمريكا بغزو اليمن؟!

بين الفينة والأخرى يعمد تنظيم “القاعدة” إلى استفزاز الولايات المتحدة الأميركية، ومعها عواصم ومدن ومطارات العالم، وذلك من خلال عمليات قد تبدو “فاشلة” أحياناً

لكنها تثير حالة من الفزع وحرب أعصاب تستنفر معها جهود الأجهزة الأمنية ووكالات الاستخبارات الدولية في مختلف أنحاء العالم، وهو أسلوب استنزاف أكثر منه منازلة قتالية أو معركة محسومة.

منذ أسبوع على إعلان تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” مسؤوليته عن محاولة النيجيري عبدالمطلب تفجير طائرة الركاب الأميركية فوق مطار ديترويت بالولايات المتحدة الأميركية..

وما برحت خطابات الرئيس الأميركي “باراك أوباما” شبه اليومية تستنفر العالم للحرب على ما يعتبره الخطر القادم من اليمن، في وقت تكون خلايا التنظيم، سواء في اليمن أو العالم قد عادت إلى مخابئها للعمل والتخطيط بهدوء شديد ونفس أطول.

خطابات “أوباما” بشأن طائرة ديترويت حالة شبيهة إلى حد كبير بالخطابات التي أطلقها سلفه “بوش” عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأسفرت عن حرب كونية بدأت في أفغانستان مروراً بالعراق وانتهاءً بالصومال وما انفكت تتسع بقعة الزيت يوماً إثر آخر في باكستان وأخيراً في المغرب العربي واليمن ودول أخرى، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً في القضاء على التنظيم العابر للحدود، أو القبض على قياداته التاريخية كأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، برغم فاتورة تلك الحرب باهظة الثمن.

نجح التحالف الدولي بقيادة أميركا في الحرب على تنظيم “القاعدة” دون شك في إضعاف قدرات التنظيم وكبح جماحه، والحد من تحركاته، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوربا، لكنها بالمقابل لم تحُل دون انتشار فكرته عالمياً، وظهور جيل جديد من الشباب يعتنقون الفكر “الجهادي” وغير معروفين لدوائر الاستخبارات، فضلاً عن محاولة فروع التنظيم في أكثر من مكان إعادة ترتيب صفوفها، واستيعاب عناصر جديدة، بالإضافة إلى تحديث وتطوير الأداء الإعلامي لـ”القاعدة” بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة الماضية.

وفي اليمن كان التنظيم قد تلقى ضربة موجعة باغتيال زعيمه السابق “أبي علي الحارثي” بطائرة أميركية بدون طيار في نوفمبر2002، غير أن هذه العملية دشنت مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين الأجهزة الأمنية وعناصر التنظيم، الذين شنّوا سلسلة هجمات وعمليات انتقامية، لم تقتصر على المصالح الأميركية والأجنبية، بل طالت مسؤولين أمنيين ومصالح اقتصادية يمنية صرفة..

فيما تراوحت ردود السلطات الحكومية إزاءها بين الرد الأمني من خلال استخدام القوة والاعتقالات تارة والحوار والمحاكمات تارة أخرى، تخللها فترات هدنة بين الطرفين لم تستمر طويلاً، قبل أن ينتهي المطاف إلى إعلان الحكومة عن عمليات “استباقية” منتصف ديسمبر الماضي، شملت ضربات جوية ومداهمات لمواقع وتجمعات عناصر التنظيم في أبين وشبوة وأرحب وأمانة العاصمة والحديدة، أسفرت عن بعض النجاحات، لكن البعض يخشى أن تكسب التنظيم تعاطفاً شعبياً بسبب دخول الولايات المتحدة الأميركية طرفاً مباشراً في العمليات التي أدت أيضاً إلى سقوط ضحايا مدنيين، كما أنها جاءت في ظروف استثنائية معقدة يشهدها اليمن.

في اليمن كما في باكستان قد تؤدي الضربات العسكرية ضد عناصر “القاعدة” نجاحات معينة، لكن في ظل التداخلات القبلية والدينية والاحتقانات السياسية والاضطرابات الأمنية والأوضاع المعيشية والاقتصادية، فإن المخاوف تتزايد من أن يشهد اليمن حرب المفخخات والأحزمة الناسفة على غرار ما تشهده أسواق وشوارع باكستان بصورة شبه يومية منذ إطلاق الحملة العسكرية ضد الجماعات المتشددة “طالبان والقاعدة” في وزيرستان، وبالتالي السقوط في مربع الفوضى العارمة والعنف الدموي..

وانهيار منظومة الدولة لعجزها عن مواجهة كل هذه التحديات في آنٍ واحد، ومن ثم تتحقق التنبؤات التي تحدثت عن تحول اليمن إلى صومال آخر، خاصة في حال عدم القدرة على إضعاف القاعدة أو القضاء عليه.

ويتوقع بعض المراقبين التحام قيادات الجيل القديم من تنظيم “القاعدة” في اليمن بقيادات الجيل الجديد لمواجهة الضربات التي من المحتمل أن تتواصل ضد عناصره، بالإضافة إلى فتح الباب على مصراعيه أمام عناصر التنظيم في القرن الأفريقي..

وخصوصاً الصومال إلى الالتحاق بالتنظيم في اليمن وتشكيل جبهة إقليمية موحدة تشمل الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، وقد بدأت هذه السيناريوهات بالفعل بإعلان “حركة الشباب المجاهدين” الصومالية نهاية الأسبوع الماضي إرسال مقاتلين إلى اليمن، وهو ما سيعني ازدياد تهديدات “القاعدة” على سلامة وأمن أحد أهم الممرات البحرية الدولية وخطوط إمدادات النفط عبر البحر الأحمر.

وفي الواقع، حتى التيارات الدينية الأصولية التي توصف بالمتشددة أحياناً، سواءً في اليمن أو دول الخليج والقرن الأفريقي، فإنها رغم معارضتها فكر “القاعدة” ورفضها أسلوب العنف، إلا أنها تبدو غير قادرة اليوم على كبح جماح عشرات من أنصارها المتأثرين بخطاب “القاعدة”..

والذين من المحتمل انخراطهم في صفوف التنظيم منذ أول وهلة للظهور الأميركي العسكري في اليمن، وقد يتحين هؤلاء الفرصة المناسبة للالتحاق بمعسكرات التدريب وأداء البيعة لأمير التنظيم، بينما يحتمل أن يلجأ آخرون إلى تشكيل خلايا مبعثرة تنتظر دورها في الانتقام من ما تعتبره من وجهة نظرها “اعتداءات أميركية ضد إخوانها المسلمين”.

_______________
صحفي متخصص بشؤون القاعدة

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية