عبدالله جزيلان: اليمن والتغيير وعبدالله القصيمي

عبد الله القفاري

عندما بدأتُ أجرى بعض الحوارات مع أصدقاء عبدالله القصيمي لاكتشاف أبعاد أخرى في هذه الشخصية الجدلية .. كان اللواء عبدالله جزيلان حاضرا في الذاكرة.

الحوار الأخير مع الأستاذ حسن السحولي السفير اليمني الأسبق في القاهرة، والذي نشرته “الرياض” في وقت سابق، حمل إلي استدراكات صديق القصيمي ورفيقه الأستاذ إبراهيم عبدالرحمن، الذي هاتفني مذكراً بأهمية لقاء عبدالله جزيلان لان ثمة حديثا لم يكتمل بعد، أو ربما يحتاج لتصويب من الرجل الأول الذي صنع التغيير في اليمن وقاد انقلاب1962.

أمام بناية قديمة مازالت تحتفظ بطابعها الخاص في شارع شجرة الدر بالزمالك بالقاهرة، توقفت استدعي تاريخ مرحلة. كل مظاهر وهندسة وتفاصيل هذه البناية يعود لزمن يوحي بمرحلة أخرى لها سعة وفضاء وانسياب وأحلام وحكاية مختلفة. لم تنقطع تلك العوالم القديمة التي تصطادني قسرا وتدخلني عالمها البعيد القريب، سوى بظهور ثمانيني يتوكأ على عصاه، يرحب بي، ويدعوني للدخول.

ماذا صنع الزمن باللواء عبدالله جزيلان، سبعة وأربعون عاما مضت منذ قاد آمر الكلية العسكرية بصنعاء حركة التغيير. وإذا كانت الأمراض تكالبت عليه حتى أثقلت حركته، وإن كانت رياح السنين هدت قواه الجسدية، فلم ألحظ أنها نالت من حيوية ذهنه، ولم تقترب من درجة ثقته أو قناعاته بما صنع باليمن. كان وهو يتحدث ينتابني شعور أنني لا استمع لهذا الكائن المتهدم بآثار السنين بل إلى شاب ثوري متوثب، وكأن الأمس البعيد الذي طوته أكثر من أربعة عقود لم يكن في ذاكرته سوى ساعات، وكأن التاريخ توقف عند السادس والعشرين من سبتمبر من عام 1962 ، وكأن الزمن لم يبرح مكانه منذ بدأ يعد لأحداث أول تغيير كبير في اليمن ليشعل المنطقة بأحداث كبرى وملامح صراع دام على أرض اليمن.

جئت ابحث عن تفاصيل علاقة ورؤية وشهادة صديق مقرب من عبدالله القصيمي، ووجدتني غارقا في تفاصيل حكاية ثورة وتاريخ صانع انقلاب، وعلاقات تكشف عن تفاصيل غاية في الأهمية، وباعثة على الرغبة في اكتشاف المزيد.

جئت أبحث عن ملامح علاقة خاصة في زمن مضى، وأبعاد قصة تأثير شخصية فكرية مثل عبدالله القصيمي في قصة اليمن وحكاية شخصياتها… وإذ بي أنسى كل هذا، وأنشغل بتفاصيل عقل ثائر، وأبعاد حركة تغيير دامية ومشاهد ساعة الصفر. ولم يكن صانع الثورة مترددا أو قلقا أو متراجعا أو مراجعا وهو يستل خيوط المشهد، كان مندفعا وكأنه الساعة في الميدان، وكأن تلك الأحداث لم تطوِ سفرها أكثر من أربعة عقود.

تبدأ الحكاية من مدارس المقاصد الإسلامية في صيدا بلبنان. كان قدر عبدالله جزيلان أن يكون من ضمن أول دفعة طلابية أرسلت للبنان للدراسة في عام 1946. ومن مدارس المقاصد بصيدا التي أمضى فيها عامين، نُقلت بعثة الطلاب اليمنيين إلى إحدى مدارس بني سويف بمصر. أما لماذا أقفلت البعثة الدراسية اليمنية في لبنان، فلأن أحداث 1948 في اليمن دفعت الضالعين فيها من آباء حركة التغيير والمؤسسين لها في اليمن كمحمود الزبيري وأحمد محمد النعمان إلى الهرب إلى بيروت مرورا بعدن. وعندما لم تستجب حكومة رياض الصلح في لبنان لرغبة الإمام باستعادتهم، حينها قرر معاقبة لبنان بنقل طلبة اليمن لاستكمال تعليمهم في مصر. وفي عام 1950 انتقل عبدالله جزيلان طالبا في مدرسة حلوان الثانوية، وكانت تلك بداية علاقته الممتدة بعبدالله القصيمي حتى رحيل الأخير.

سألته عن بداية تلك العلاقة، وأنا مدرك أني أستله من حديثه الأثير إلى نفسه عن التغيير في اليمن. قال لي انه كانت تربطه علاقة بشيخ أزهري من اليمن يدعى سيف عقلان، وكان الأخير صديقا للقصيمي. تلك العلاقة كانت هي المدخل للتعرف على عبدالله القصيمي.

كان سيف عقلان صديقا لعبدالله القصيمي منذ أيام الطلبة في الأزهر، وكان يقول لنا في مقر البعثة بحلوان إن بجواركم عالما كبيرا وشخصية تستحق أن تتعرفوا عليها. وكان القصيمي يسكن بجوار الحديقة اليابانية التي صارت في المرحلة الأولى مكان اللقاء المفضل لطلاب البعثة اليمنية بعبدالله القصيمي، وفي مرحلة لاحقة أصبحت تتعدد زياراتنا له في بيته برفقة صديق مشترك وهو إبراهيم صادق وهو ممن يكبرنا عمرا وعلما آنذاك، وكانت علاقته وثيقة بالقصيمي. في تلك المرحلة تأسست تلك العلاقة ولم تنقطع حتى رحيله. لم أكن طالبا مستسلما لأفكار القصيمي،كنت جدليا على قلة بضاعة طالب في مرحلة الثانوية، ولا اشك لحظة أن تأثيره علينا كطلبة بعثة حمل جانبين: قدرته على إثارة الأسئلة الشاقة في عقولنا الطرية، وكنا طلابا يتدرجون في سلم التحصيل. الأمر الآخر روحه الإنسانية وشخصيتة الحانية ورعايته الأبوية. كان يغمرنا بروحه الأبوية، كما كان يشغل عقولنا باستشكالاته العميقة. كان يحمل رؤية عميقة يصعب تجاوزها. وكان يشق عليه أن يتركنا مهما انشغلنا عنه، وكان أحيانا يدعونا للغداء ويجمع له طلاب البعثة ولا يتردد أن يبحث عنا إذا افتقدنا.

سألته: ماذا عن تأثيره تجاه قصة التغيير في اليمن، وهل كان له دور في هذا؟

أجابني: كان القصيمي يحمل تكوينا رافضا لأوضاع التخلف والبؤس الإنساني، إلا أنه لم يكن يدعو لمشروع على طريقتنا التي تصدينا فيها للتغيير. ولا اعرف أن له دورا أو علاقة مباشرة بما حدث باليمن، فهذه قصة أخرى وتفاصيل أخرى ليس بينها وبين القصيمي من علاقة سوى ما كان من تأثيره حول أهمية ومفاهيم التغيير بشكل عام، واكتشاف حجم مأزق التراجع والتخلف وليس في اليمن وحده.

قلت له: إن القصيمي لم يتردد أن يكتب لأحمد محمد النعمان بعد انكشاف العجز في إدارة مشروع التغيير باليمن: ” إلى الذي صنع الحمل ثم فر من المولود لدمامته” . هذا المعنى، ألا يجعلكم ترون أن القصيمي كان ينظر بعين أخرى للتغيير في اليمن، وأين كان هذه المفهوم في عقل صانع التغيير؟

بملامح غير مرتاحة أجابني: إن تجار التغيير باليمن كُثر، نحن من صنع التغيير في اليمن ولم يكن أحمد النعمان. إذا كانت إرهاصات التغيير في اليمن بدأت بالزبيري والنعمان والوزير، فنحن من علق رقبته على مستقبل ثورة وحركة تغيير بدأت منذ وطئت قدماي ارض اليمن عائدا من الكلية الحربية التي تخرجت فيها في القاهرة، ولم أتوقف عند شهادة ضابط بل حصلت على دورات مختلفة في مدرسة المدفعية، وجناح التكتيك، ومدرسة الضباط العظام. كنت أحمل مشروع التغيير منذ اخترت الكلية الحربية. لقد جئنا بعبدالله السلال من قيادة حرس الإمام لنسلمه مقاليد قيادة ثورة، وجئنا بالآخرين ليعلموا بروحية أهداف التغيير في اليمن. لم يكن حَملا صنعه النعمان، وإن كان المولود مشوها فلم نكن نحن من شوهناه. إنها أبعاد حركة تغيير تتجاوز النعمان، وإن أصبح الكثير يدعون وصلاً بها، واستغلها الكثيرون لتحقيق طموحاتهم الشخصية… إلا أنها كانت لحظة حاسمة في تاريخ مرحلة لا يمكن تجاوزها دون الأخذ بالاعتبار حسابات القوى المحيطة بها، والظروف التي ولدت فيها.

حديث اللواء عبدالله جزيلان عن بداية تفكيره بصناعة التغيير في اليمن، لم تكن لتفوت مروره على جملة أحداث تعد مؤشرات مهمة في مرحلة حاسمة من عمر اليمن. ومن تلك التطورات وصول أول دفعة من السلاح السوفياتي لليمن في عهد الإمامية. ومن سخرية الموقف أن يكون هو السلاح الذي مكّن للثورة من الصمود في بداياتها.

سألته: ما هي قصة هذا السلاح الروسي؟

قال لي لقد كان تأثير عبدالناصر قويا على الإمام البدر، وهو من دفعه لزيارة موسكو في نهاية الخمسينيات عندما كان وليا للعهد للحصول على أول دفعة سلاح روسي. لم يكن من الممكن التعامل مع الانجليز لوجودهم في عدن، ولم يكن لليمن بعدُ علاقات يعتد بها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبثماني دبابات روسية وبمشاركة مئتي ضابط وصف ضابط استطعنا أن نعلن الثورة، وجئنا بعبدالله السلال لتسميته رئيسا لمجلس قيادة الثورة مقابل تسليم سلاح الحرس الإمامي للثوار، وعشنا سنوات الحرب الفادحة الكلفة، وكادت اليمن تذهب في حرب أهلية طاحنة.

سألته وأنا ألملم بقايا الوقت بعد مضي أكثر من ثلاث ساعات، ما هي قصة الرسالة التي وصلت للسفارة اليمنية بالقاهرة، وتأمر بمنح القصيمي جواز سفر دبلوماسيا يمنيا، ومعونة شهرية، وتدعو القصيمي لزيارة اليمن؟ وقد اعتذر عن قبول هذا.

أجابني: لا أزعم أني أحب القصيمي أكثر من أصدقائه المخلصين مما عرفوه وقدروا شخصيته الإنسانية وقيمته الفكرية. إلا أنني أنا من أمر بها. وقد كلفت عبدالرحمن جابر رحمه الله بهذا الأمر. وإن تكن الرسالة بخط السحولي أو غيره فلا اذكر الآن.. ما اذكره أنني كنت حينها نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ورأيت أن تقدير شخصية كعبدالله القصيمي يستوجب ونحن ندين له بفضل الرعاية وجميل الصداقة أن نبعث له بدعوة كتلك.

ودّعت عبدالله جزيلان… وأنا أرى ملامح قصة لم تكتب بعد رغم كل ما أثير حولها وما كتب عنها وما صار جزءا من ذاكرة اليمن.

الرياض