بين حكامنا والحَجّاج

جاء في صحيح البخاري: حدثنا ‏ ‏محمد بن يوسف ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏الزبير بن عدي ‏ ‏قال: أتينا ‏ ‏أنس بن مالك (رضي الله عنه) ‏‏فشكونا إليه ما نلقى من ‏ ‏الحجاج ‏ ‏فقال:‏ (‏اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ‏ ‏صلى الله عليه وسلم).

المتأمل في قول الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه الذي سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعلم إن ذلك الخبر ما هو إلا دلالة من دلائل نبوته العظيمة عليه الصلاة والسلام والتي منها إخباره بالغيب، فيقع كما أخبر، ولا يحيد عن ذلك الإخبار قيد أنملة، فألائك القوم عندما شكوا من ظلم حاكمهم أوصوا بالصبر، وأخبِروا أن كل ظلم آت هو أشد مما سبقه.

الناظر بعين التأمل في زماننا هذا، وكيفية حال الأمة مع حكامها الظلمة، سيتبين له مفارقة عجيبة أن ظلم الحجاج بل وحتى شخصيته لا يُقارنان مع ظلمهم وشخصياتهم، إذ كانت له مع ظلمه الكبير حسنات، يمكن لنا أن نقارنها مع حسنات حكامنا إن وجدت!

بل وبمعرفتنا لصفات الحجاج الحسنة الكثيرة لنتمنى أن لو كان لحكامنا ولو عُشر معشار منها، ومن تلك الصفات: أنه كان يحكم بكتاب الله، ويخطب الناس ويعظهم، ويسمع منهم في بعض مواقفه ، فهو أحد البلغاء والخطباء المصاقع، وكانت فيه شهامة عظيمة، وكان ذو شجاعة وإقدام، نشأ حافظاً للقرآن الكريم، مكثراً من تلاوته، حيث رُوي أنه كان يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، وكان معظماً للقرآن، معظماً لأهله، يُكرم أهل القرآن ويجزل لهم العطاء، وعندما تولى العراق سنة 78ه فتح فيها فتوحات كثيرة هائلة منتشرة، ووصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها عدد من المدن والأقاليم، ووصلت خيوله أيضاً إلى قرب بلاد الصين، وكان سخياً في بذل المال، وكان يُطعم في كل يوم على ألف مائدة، وعلى المائدة الواحدة عشرة أشخاص أي عشرة آلاف شخص يأكلون من موائده اليومية، وكان لا يشرب الخمر ولا أي مسكر، ولم يُعرف عنه شيء من التلطخ بالزنا، والغريب أنه عندما مات سنة 95ه لم يخلّف ثروة هائلة ولا أموالاً طائلة بل مات ولم يخلّف إلا (300) درهم…. فهل حكام اليوم كذلك؟؟؟

ليس المقصود مما ذكرنا من صفات لتقييم الحجاج، أو انتصاراً له أو دفاعاً عنه، فأمره إلى الله، وإنما كان المقصود ذكر صفاته مع ما كان فيه من ظلم لنقارنها مع صفات حكام اليوم وظلمهم، لنصل في النهاية إلى الدلالة النبوية التي أخبرت أن كل زمن يمضي، فإن الذي سيليه يكون شراً منه؛ فنسأل الله أن يجنبنا شرور حكامنا وأن لا يسلط علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا.