حتى لا يحل الدمار

  حسن العديني

هذه المرة جاءت إشارة التنبيه من صحفي قريب من المطبخ الإعلامي الرسمي بحكم الموقع الذي يتبوأه على رأس أكبر صحيفة حكومية، وهو على أية حال رجل قديم ومثابر في المهنة، استطاع مع باقة قيادية مقتدرة -ألمعهم الأستاذ عبدالرحمن بجاش- أن يجعلوا من “الثورة” سلعة مطلوبة.

كتب الصديق الأستاذ علي ناجي الرعوي يحذر من خطورة انزلاق اليمن إلى وضع شبيه بالوضع في الصومال بعد “سياد بري”.

لو أن أحداً غيره استدعى حالة الصومال لانهالت عصا الكلمات تضربه على كتفه، وحجارتها تدق رأسه وتنعته بأشنع الصفات، وتحشره في زمرة المأزومين، عملاء الدوائر الأجنبية.

أما وقد جاء هذا في الصحيفة الحكومية الأكبر، وبقلم رئيس تحريرها، فذاك ينطوي على أمر خطر وآخر مطمئن.
الخطر أن التردي في فوضى قريبة من المستنقع الصومالي احتماله كبير ووقوعه وارد، لأن الكلام لم يصدر عن مراقبين ينظرون من بعيد، رغم أن غيوماً كثيفة تُرى بوضوح، كما أن البوارق لماعة والصواعق مسموعة.
لكن هذا شيءٌ لا يضاهي في إفزاعه المسموع من صوت ينطق باسم الجالسين في أعلى أبراج المراصد، الماسكين بالتلسكوبات الكبيرة، يديرون عدساتها في جميع الجهات، ويتحققون من أدق المعلومات.

والآخر المطمئن أن الجالسين هناك في قمم الأبراج، الرائين عن كثب، والمستوثقين عن دراية، قد استيقنوا، ولعلهم اعترفوا أن الجاري على الجهات كلها أكبر من كيد قلة مغتاظة أو طامعة. الكيد موجود، وكذلك الطمع، لكن ثمة شيئاً أفظع يستحيل إنكاره.

كذلك فهم قد اقتنعوا أن القائم والقادم أضخم من أن ترده سدود ومصدات استعدوا بها، وأن الفيضان أعظم من أن يغيض في التراب أو تعصم منه الجبال والرواسي. وربما أنهم من هنا أخذوا يبحثون عن وسائل وأساليب قد تمنع وتردع، وقد توقي وتنجِّي.

مع هذا يبقى الاطمئنان مشوباً بقلق وخوف لا يبارح النفوس، والاستدراك من كون المقال المعنون “اليمن والمترددون في المواقف”، موجهاً إلى دول من حولنا، عربية وإسلامية، يخيفها مما سيجره عليها انهيار اليمن من مصائب وأهوال، ثم لا يفتأ يحث ذاكرتها وذكاءها على أخذ العبرة مما تحملته اليمن ولا تزال من عبء جاء به اللاجئون الصومال، ومما لحق بالملاحة على أيدي القراصنة منهم.

يأخذ البعض باستخفاف انتقال الخطاب الرسمي من التهوين إلى التهويل والتخويف من شأن الأحداث، ويضعون الأخير في مسعى الحكومة إلى الحصول على دعوم إضافية لجهودها العسكرية والسياسية المبذولة لإخماد الحروب والفتن والاحتجاجات. وفي هذا تبسيط للأمور مخلّ، وتفسير للسياسة بالمكنون والمضمر. ولست أظن إلا أن إدراك السلطة للأخطار حقيقي، وتقديرها لحجمها مروع.

لكن سؤال الساعة هو ما الذي علينا أن نفعله نحن قبل أن ننشد العون من الآخرين؟ وأن نفعله دون أن نطمئن إلى أن دعمهم متاح، وأنه بعد ذلك مؤثر ومفيد.

حقاً إن النار التي تحرقنا ستلسع الذين من حولنا، القريب والبعيد، وهم يشعرون بها ويقدرون خطرها إذا ما زاد الضرام واشتد. لكن ماذا عنَّا وقد كان من “منِّ” حياتنا و”سلواها” الأمن والاستقرار الذي يفيض من وسائل الإعلام، ثم نصحو على إنذار بالخطر يصب من نفس الفيض، بأننا سنقتتل من باب لباب ومن شباك لشباك. كما سنتشرد باحثين عن مأوى، ومنا من قد يشتغل قرصاناً أو خادماً أو متسولاً أو متسكعاً لا يلوي على شيء.

لعلِّي أجد الشفاعة للسلطة وللمشتغلين في العمل العام أنهم لم يعيروا اهتماماً لأحد قوانين الجدل التي ابتدعها الفيلسوف الألماني “هيجل”، ومفاده أن “التراكمات الكمية تؤدي إلى تغيرات كيفية”. بعضنا لم يقرأ ويتعلم، والبعض قرأ ولم يتعلم، والكثير لا يدرك أن الممارسة السياسية بدون فكر أشبه بالألعاب البهلوانية، قليلها مسلٍّ والكثير منها مدمر.

أعود وأقول إنه لا شكوك عندي في ما تقوله السلطة عن أيادٍ خارجية ضالعة في توجيه بعض الأحداث، وإن كنت لا أفهم الأسباب المانعة لها بالكشف عن بصمات أصابع الفاعلين حتى يتبدد الارتباك وتزول البلبلة.

ومهما يكن من شيء، فالواجب أن نتذكر أن العامل الخارجي ليس حاسماً إذا لم تختل توازنات الداخل. ثم إن الخارج لا يجد سبيله إلا في ظروف داخلية تستدعيه، وأذهب من هنا إلى أن هناك مطالب في الداخل بعضها مشروع وبعضها على العكس.

وأكبر اليقين أن المطالب غير المشروعة تستثمر المشروع لرفع الأصوات وإشهار السلاح. ومن ثم فإن إسكات أصوات طلاب الباطل وإكراههم على إلقاء السلاح يكون بالاستجابة لكل ما هو مشروع وكل ما هو حق.
هناك أولاً مطلب العودة عن النظام الجمهوري إلى ملكية وراثية تعتقد فئة من الناس أنها تملكها بالحق الإلهي.
وهذا طريق وقع في غوايته الشعب منذ ألف سنة ويزيد. فيها حصد الأشواك، فقاوم واستبسل حتى انعتق وتحرر في السادس والعشرين من سبتمبر.

وهناك مطلب فك عرى الوحدة. وهو سبيل آخر عانى منه الشعب وتعذب ودفع تكلفة باهظة من العرق والدم حتى استرد وحدته.

هناك أيضاً مطلب بحاكمية إلهية تنادي بها قلة تعتقد احتكارها الدين. والدين عندها اجتهاد أفراد في زمن القحط الفكري والتخلف الاجتماعي والسياسي. ونسي أصحاب هذا المطلب أن علي بن أبي طالب استفدح التعهد بالأخذ بسيرة الشيخين رغم مقامهما عنده. وكان في ذلك يؤكد على أن تغير الزمن يستوجب تغيير السياسة.
وهناك المطالب المشروعة لغالبية الشعب من التكافؤ في الفرص إلى التساوي أمام القانون، مروراً بالكثير من المفقود والمأمول.

تلتقي هذه المطالب -المشروع وغير المشروع- في مفترق طرق صعب مع سيف بطاش، ويكون الصدام وتنشب الحروب.

إنما.. لماذا يعبر أصحاب المطالب عن أنفسهم بالسلاح، وإلى حد الاستقواء بالخارج؟ وكيف ينجحون في حشد الناس من حولهم ومن خلفهم على هذا النحو من الكفاءة؟

يحيل هذا إلى موضوع الشرعية. والأنظمة العربية كلها في ما يعلم الناس تعاني من أزمة شرعية.
يصنِّف الفكر السياسي الشرعيات من التقليدية إلى الشرعية الدستورية.

وقد كان الملوك يستمدون حقهم في السلطة من الإله أو من الانتساب لسلالة نقية أو منهما معاً. ثم تهاوت هذه إلا قليلاً منها مازال يدعي هذا الحق على استحياء.

انتهت أكثر الأنظمة التقليدية تحت ضربات الثورات الفكرية والسياسية، أو ذهبت الملكيات المطلقة إلى صالات المتاحف، وحلّت مكانها الشرعية الدستورية حيث الإرادة الغلابة للشعوب. ذلك على الصعيد النظري، أما عملياً فكثيراً ما تغرى وتغوى.

هناك ما يطلق عليه فقهاء السياسة الشرعية الثورية. هذه تنبثق عن تغيير قهري للسلطة، وتحمل وعوداً بتحولات اجتماعية واقتصادية جذرية تعبئ من ورائها الجماهير وتخلق تطلعات بلا حدود.

هذه الشرعية حقيقية بقدر ما تنجز من الآمال. والفرق بارز بينها وبين انقلابات تكتفي بتغيير شكل السلطة، وكذلك بينها وبين ما يعرف بالثورة المضادة. لكن الشرعية الثورية مداها محدود ومرهون بالانتقال إلى شرعية دستورية.

يضيف عالم الاجتماع السياسي الألماني “ماكس فيبر”، شرعية “الكاريزما” أو “الزعامة الملهمة”، وهي نوع من الشرعية الثورية، بل متصلة بها ومكملة. والأمثلة كثيرة: لينين وستالين في الاتحاد السوفيتي السابق، وماو تسي تونغ في الصين، وجمال عبدالناصر في مصر، وفيدل كاسترو في كوبا، ثم تيتو وغيره.. وغيره، وأحياناً تتآلف الكاريزما مع شرعية دستورية أو ثورية أو معهما معاً: ديجول في فرنسا، نهرو في الهند، وإلى درجة ما نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا.

والأساس في الشرعية هو الرضا العام من قبل الشعب واقتناعه بتوجهات السلطة، إذ قد تأتي الجماعة الحاكمة من حركة تحرر أنهت الاستعمار، أو انقلاب أزاح حكومة فاسدة ومستبدة، ثم يتنكر لوعوده، ويصطدم برغبات الشعب. كذلك قد يسن نظام الحكم أفضل الدساتير والقوانين، وقد يقيم أحدث أشكال المؤسسات التشريعية، إلا أن توجهاته تنطوي على الفساد والاستبداد، فهو يعطي من الديمقراطية اسمها ويسرق مضمونها.
إنه نوع من الأنظمة تتزين بالمظاهر، وهي ما يطلق عليها المفكر عصمت سيف الدولة مصطلح «الاستبداد الديمقراطي». فهنا بالضبط تستأثر القلة بموارد البلاد وخيراتها.

لئن كانت الشرعية مؤسسة على الرضا العام، فذلك لا ينفي أو يلغي وجود معارضة، فهي موجودة في كل نظام سياسي. والفارق مدى اقتناعها بالتوجه العام للحكم.

وربما قلت دون أن أتجنى على التاريخ السياسي الحديث لبلادنا، إن اليمن عرفت الشرعية الثورية منذ 26 سبتمبر في الشمال و30 نوفمبر في الجنوب، رغم أن ما أنجز كان أقل من الموعود، وما صاحب المسيرة من اضطرابات وهزات انقلابات.

كانت الانقلابات والاضطرابات تعبر عن العجز عن الوفاء بالوعود، واعتقاد جماعات في معسكر الثورة أنها أقدر على تحقيق ما فشل فيه غيرها. ولا شك أن بعض الانقلابات كانت انتكاساً للثورة وانحرافاً عن مسارها. ومع ذلك لم تتجرأ على إعلان براءتها منها. وعلى نحو ما فقد بقي باستمرار قدر من الرضا والقبول من زاوية أن أية ممارسة في ظل الأنظمة المتعاقبة بعد الثورة والاستقلال لا تقاس بها بشاعة أوضاع سبقت، وربما إن بعض الرضا قام على وعد لم تتخلَّ عنه الأنظمة المتعاقبة باستعادة وحدة اليمن.

وبإنجازها تولدت شرعية جديدة عززت ما قبلها، وزادت إليها تخليق ملامح شرعية ودستورية ظننا أنها ستكون الأساس في المستقبل.

أزيد وأقول إن الانتقال من الشرعية الثورية إلى الدستورية هو لحظة تطور تاريخي لا ارتداد إلى الماضي، فالفرنسيون يعيشون تحت نظام قائم على الشرعية الدستورية دون أن يتنازعوا في القيمة التاريخية لثورتهم التاريخية والدامية. وليس هناك ما يدل على صوت صارخ يدعو للعودة إلى ملكية “آل بوربون”.

<<< المشكلة في اليمن أن نظام ما بعد 22 مايو تصدع بسرعة، وبدت خيبة الأمل بأزمة سياسية تطورت إلى عاصفة من النار والدم. ثم تخلق عن الحرب إدارة للدولة سحبت الصراعات السياسية القديمة. مثالها البارز التعامل مع الجنوب بواسطة الفريق المنهزم في 1986، الشريك في نصر 1994، وفي ما بعد تراكمت أسباب لأزمة تعقدت واشتدت. أولاً: رأى البعض في الجنوب ساحة مفتوحة، فاستولوا على أراضٍ شاسعة "زراعية وعقارية"، ووضعوا أيديهم على الساحات والمباني العامة والأراضي الفضاء. ثانياً: جرى الاستيلاء على رأس المال العام بخصخصة الشركات والمؤسسات وتحويل ملكيتها إلى أشخاص وعائلات بثمن بخس أو بدون ثمن. ترتب على ذلك تسريح عشرات الآلاف من العمال من وظائفهم. زاد على ذلك أن ضعف الاستثمارات فاقم من حجم البطالة وتأثيرها على الأسرة اليمنية. ثالثاً: وبفعل التعامل مع الجنوب بواسطة فريق يحمل ثأراً، جرى إقصاء آلاف الكوادر من مفاصل الجهاز الإداري والعسكري. رابعاً.. وخامساً.. وسادساً.. وقد أخذ مسلسل النهب أشكالاً عدة، فأنشئت شركات عقارية وزراعية وهمية تملك من خلالها أفراد وعائلات آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية والعقارية، وقام آخرون باستملاك بوضع اليد، حتى إن صحيفة "الثورة" اتهمت في إحدى افتتاحياتها قائداً عسكرياً سابقاً انضم إلى التشاور الوطني، بالاستيلاء على أراضي المعسكرات، وعلى عقارات ومبانٍ أخرى في عدن والجنوب. وهكذا نشأ ما يسمى بالمشكلة الجنوبية. أضيف إلى ذلك أن فصيلاً سياسياً ساهم في انتصار 1994، واعتقد في حقه نصيب من السلطة والثروة. وأغلب الظن أنه لم يشارك في الحرب إلا باتفاق غير مكتوب بأن ينال حصته من الغنائم. فمثلما قامت الوحدة على التقاسم، كذلك قامت الحرب، بل بدأ الاقتسام أثناء الأزمة السابقة عليها، ولا أقصد الأزمة في ذروتها بعد اعتكاف نائب الرئيس علي البيض في عدن، وإنما في مجراها السابق، فكانت تحالفات ما قبل انتخابات 1993 هي التعبير الظاهر عنها. ولعلي أقول إنها تحالفات قامت على مؤامرات الأطراف ضد بعضها، لا على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية، ولذلك تقبل الحزب الاشتراكي الهزيمة عندما قال الأمين العام نائب الرئيس بأن ما يقبل القسمة على اثنين يقبلها على ثلاثة، وقد تجوز على أكثر. ثم إنه لم يتحمل من بعد فرجع ورفض الأغلبية العددية، قاصداً بذاك أنه يمثل الشطر الجنوبي السابق، بينما يمثل المؤتمر والإصلاح ما كان يشار إليه بالشطر الشمالي. كان واضحاً إذن أن الوحدة لم تشكل قاعدة الشرعية للنظام الجديد، ولا المنظومة التشريعية أصبحت كذلك. ولقد سارت الأمور بعد الحرب ثم خروج الإصلاح في اتجاه عدم قبول القسمة على أكثر من واحد. الآن، هناك أزمة عاصفة بعض أطرافها القوى التي تناحرت سياسياً وعسكرياً بعد الوحدة، وبعضها قوى جديدة تخلقت ونمت في وهج هذا الصراع. والمخيف فيها أن أكثرها قوى خفية في كياناتها وفي أهدافها ومطالبها.. ذلك يجعل للصراع مآلات واحتمالات غير منظورة.. ومن الجدية القول بأن الفوضى والصوملة هي احتمال وارد إذا لم نستيقظ الآن وفي اللحظات الأخيرة. أقول قبل أن أستخلص.. لقد كان خطأً كبيراً التعامل مع المحافظات الجنوبية بواسطة طرف واحد يحمل إرث صراع قديم، وكنت كتبت قبل سنوات موضوعاً بعنوان "في ضرورة بقاء الحزب الاشتراكي"، أوضحت فيه أن إضعاف الحزب بوسائل قسرية سوف يخلق فراغاً تملأه قوى أخرى. وكان بقاء الحزب في حياة سياسية طبيعية سيساعده على الاحتفاظ بقيادات وكوادر غادرته إلى مواقع باتت تدعو إلى الانفصال. وكان خطأً اللعب على التناقضات داخل الأحزاب، ورعاية كيانات جديدة تبدأ مستأنسة، ثم تتوحش، مثالها البارز جماعة الحوثي. ومع هذه الجماعة ما يزال السر يكتنف غفلة أجهزة الدولة حتى أمست قوة تنظيمية وعسكرية أرهقت الدولة وجيشها. والخطأ الأكبر الركون على قوة الجيش وإقحامه في حروب كان يمكن تداركها من وقت مبكر. الآن ليس ثمة من سبيل غير المعالجات السياسية لجميع المشاكل. ومن الباعث للسرور أن الرئيس علي عبدالله صالح بات مقتنعاً بالحوار مع كافة القوى المختلفة معه في الداخل والخارج. غير أني أعتقد أن البعض سيتأخر الآن عن الاستجابة للدعوة، وقد يرى أنه غدا في وضع أفضل من زمن سابق كان مستعداً وأغلقت في وجهه الأبواب. لكن لا بأس. إن الحوار بين أكثر الأطراف سيضع المتخلفين في دائرة صغيرة محصورة، بشرط أن يتأكد أنه حوار جدي لا يستهدف فيه الأطراف بعضها لنيل فسحة من الوقت تعيد فيه ترتيب أوراقها وتنظيم قواها استعداداً لجولة قادمة من الصراع. وأظن أن على السلطة أن تبادر إلى توفير أجواء الثقة بمجموعة من التدابير والإجراءات، وأولها وقف الحملات الإعلامية من جانب واحد على القوى السياسية التي لا ترفع السلاح في وجه الدولة، وعدم الانجرار وراء أي استفزاز من أي طرف كان. والشيء الثاني الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين الذين تقول عنهم المعارضة معتقلي النضال السلمي. والثالث إلغاء الإجراءات التي اتخذت ضد البعض كسحب جوازات السفر أو الامتناع عن استبدالها أو تجديدها أو غير ذلك. أما الرابع فهو الإفراج عن الصحف المحجوبة بقرارات إدارية. والخامس -الإعلان عن أن كل المشاريع والأفكار والتصورات التي تبنتها الأحزاب والتكتلات قابلة للحوار بما في ذلك أي أفكار أو تصورات جديدة، والتعهد بالالتزام والتنفيذ لكل ما سيتمخض عنه الحوار. على الأطراف الأخرى بعد ذلك وليس قبله، تأكيد أجواء الثقة بمجموعة من الخطوات، أهمها: - تأكيد التمسك بالوحدة اليمنية مع بقاء حق من يعتقد بضرورة إصلاح مسار الوحدة بما فيه رأي. - التمسك بالنظام الجمهوري دون إسقاط شرعية مناقشة شكل النظام السياسي ومضمونه الاجتماعي والاقتصادي. - ترشيد الخطاب السياسي والإعلامي المعارض وإعطاؤه طابعاً موضوعياً يبتعد عن الإسفاف والاستفزاز والتحريض على أعمال العنف. - التعهد بالالتزام بنتائج الحوار. يلي ذلك التشاور حول الإجراءات والترتيبات اللازمة للبدء في الحوار وتحديد سقفه الزمني. وعلى أن يكون الهدف الثاني التأسيس لشرعية دستورية وقانونية جديدة تضمن الحفاظ على الكيان اليمني الواحد والمستقر والناهض. وعلى أن يكون واضحاً ومحل قناعة لدى السلطة أن بقاء الوحدة والنظام الجمهوري لا يعني بالضرورة استمرار رموز السلطة بأسمائهم وممارساتهم, وبالمقابل أن يقلع أي طرف في المعارضة عن خيار ذهاب السلطة الحالية أو خراب الوطن. وقد أضيف إلى ذلك أن نتائج الحوار لن تكون ذات قيمة دون التزام قوى المعارضة بنبذ العنف، والتزام السلطة بإخراج القوات المسلحة من اللعبة السياسية. وتلك في رأيي تصورات لا تتبنى موقف أحد الأطراف، ولا تنحاز لرؤية أي منها. ويبقى الأمر من قبل ومن بعد في أيدي المشتبكين مع الأحداث والفاعلين فيها. ثم إن على ضمائرهم ورقابهم حبال الوطن معلقة، فإما أن يذهب نضال الشعب الطويل قبض الريح بسببها، وإما أن ينجو ويستقر وينهض من جديد. * كتبت هذا المقال قبل شهور. ثم رأيت أنه قد يستفز ويُغضب، فلم أدفعه إلى النشر. ولما تطاول الخصام بين السلطة والمعارضة، قررت أن أطلقه من قيده، وأنشره دون تعديل أو إضافة رغم ما استجد