النيل… وملحمة سيف بن ذي يزن

لا شك أن الملاحم أو السير الشعبية، هي الضمير التاريخي للشعب الذي يحملها جيلًا بعد جيل، خاصة عندما تعبر السيرة عن مسألة باقية على أرض الواقع مثل الصراع حول مجرى مائي بحيوية نهر النيل.

يرة سيف بن ذي يزن، لا تتردد- منذ صفحاتها الأولى- عن الإشارة إلى أن المهمة الأولى لبطلها هي إحضار “كتاب النيل”، الذي هو في بلاد الأحباش، لأنه باستيلاء هؤلاء على هذا “الكتاب” فقد حجزوا النيل عن مصر!.

ورغم أن الملك “سيف” هو من أواخر ملوك “حمير” التاريخيين في اليمن قبل الإسلام فقد استغل الراوي الشعبي دلالة صراعاته في حروب اليمنيين مع الأحباش، ليجعله رمزاً للقلق المصري في القرن الرابع عشر من رسالة “ملك الأحباش” إلى سلطان مصر المملوكي قائلًا “إن” نيل مصر الذي هو قوام أمرها وصلاح أحوال سكانها، ومجراه من بلادي، وأنا أسدُها…”!

مؤكدا لغة التهديد التي ردت عليها السيرة الشعبية الطويلة بذكر حروب استمرت لبضع عقود بقيادة سيف بن ذي يزن…، ولم يكن سيف نفسه مصرياً بالطبع لكنه عين ابنه “مصر” سلطاناً على بلاد النيل وسماها باسمه على عادة علاقة “الخلافة” بالأقاليم في ذلك العصر المملوكي. أو كما يسميها بعض الباحثين بعولمتنا المبكرة لها.

ها هي المشاعر المصرية تعود إلى حدتها في التوتر حول مياه النيل وكأننا في رحاب سيرة “بن ذي يزن”. لم تكن السيرة عند إنشائها بعيدة عن عصر “التصارع الصليبي” بين الغرب والمنطقة؛ في إطار تلك العولمة المبكرة، وها نحن في شبه حروب ننكر عليها الصليبية بالطبع، لكنها ليست بعيدة عن تلك العولمة المبكرة، مع فارق واضح، أن الحروب تلك انتجت صلاح الدين، وجعلت شخصية “سيف بن ذي يزن” تصول وتجول على شواطئ البحر الأحمر، وتحمل أخبار التوحيد ورؤاه في اليمن وخارجها؛ حيث “مصر” “وادي النيل” “ودامر” أو “تدمر” في الشام ، وهما في السيرة اسمان لولدي ملك واحد هو سيف بن ذي يزن..

والسيرة مليئة بآفاق الإحساس بالحبش الأفارقة، وبأهل مصر المسلمين، ولا أدري كيف نصف ذلك الآن في نزاع ستمتد آثاره إلى مجمل الجماعة “الأفريقية” و”العربية” بالتأكيد، وعلى نحو يختلف أو يتفق مع ما تحفظه الذاكرة الشعبية.

قد لا تكون السير الشعبية ذات خلود، إزاء واقع اجتماعي- وحتى جغرافي- متغير بطبعه، لكن استمرارية أنماط الحكم والتكوينات الاجتماعية في بلادنا لا توحي بأن التغيير كبير عما عرفته السيرة من وقائع. ولابد أن يتذكر القارئ أن السد العالي مثلًا بنى بشق الأنفس ليوفر لمصر حوالي مليوني فدان جديدة للزراعة، وها هي مصر بعد عدة عقود فقط تعيد المساحة الأصلية إلى دبايتها (حوالي 6 ملايين فدان)، لأن المقابل للأرض المستصلحة قد استهلك في المباني السكنية الجديدة!

وها هم “الأفارقة” كما تسميهم الصحافة المصرية وكأن مصر ليست في أفريقيا- يشيرون بمعلومات صحيحة أن مصر تستنزف مياههم فيما يضيع فيها هدرا- مذكرين بما في هذه الصحف المصرية نفسها عن “أحوال الهدر” دون تدقيق في أساليب الزراعة لاختيار المحاصيل المناسبة أو دقة تنظيم عمليات الصرف، والصرف الصحي…الخ.

وها هي مصر- في رأي “الأفارقة”- تعتمد على المماطلة في المفاوضات أو تجاهل عناصر القوة عندهم حين شاركت في إنشاء مبادرة حوض النيل منذ 1997 لتكون ساحة للتفاوض حول ما سمي بقواعد “تقسيم المياه” في نظر المفاوض “الأفريقي” أو خطط تنمية مصادر المياه في نظر المفاوض المصري ولم يشأ أحد أن ينبه للفارق بين المصطلحين والموقفين خلال عملية التفاوض.

وبالمثل لم يلتفت أحد- أو لم يشأ أن يلتفت- إلى مصطلحات “تسويق” و”تسعير” المياه وتحقيق “المصالح المشتركة” والتي وردت في وثائق “دبلن” وروما وجنيف منذ 1992 وحتى توقيع “المبادرة” متضمنة نفس المصطلحات، بتصميم معروف من قبل دوائر البنك الدولي ودعم- معروف أيضاً- من الولايات المتحدة والدول الغربية صاحبة المصالح الواسعة الآن في إثيوبيا والسودان على السواء.

وإذا كان “سلطان المحروسة” المملوكي قديماً قد أقلقته توسعات “سيف رعد” الإثيوبي في بلاد اليمن زمن السيرة الصليبية، أفلا يقلق سلاطين العرب الحاليين جميعا، امتدادات الإثيوبيين مثلًا، ومنذ مدة تجاه جنوب السودان، ثم تدخلهم العسكري المباشر في الصومال “العربية” وحربهم الضروس مع إريتريا وعدم تطبيقهم لقرارات الأمم المتحدة بشأن الحدود معها، وما بدأ مؤخراً من جاذبية المياه الإثيوبية والأراضي السودانية معاً لاستثمارات البنك الدولي، والصين وتركيا وكل من هب ودب في أراضي “كتاب النيل” الذي كلف الضمير الشعبي سلطانه من أول صفحات السيرة الشعبية ليذهب ويستعيده من الأحباش؟ إنني لا أشارك في صيحات الحرب بالتأكيد، ولكني أشير إلى أهمية دراسة منضبطة لعناصر الموقف داخلياً وخارجياً بالنسبة لوضع المياه في استراتيجية التنمية، والتي يصل البعض إلى إمكان تجاوزها بالتصنيع وإعادة التخطيط دون هذا الضجيج! والرواية الشعبية لسيرة سيف بن ذي يزن، تقول إن هذا السلطان حاصر الموقف بوجوده القوي في مصر والشام واليمن، فهل ثمة درس من هذه الرواية؟ إن أثيوبيا الآن مركز الاتحاد الأفريقي مثلما مصر مقر الجامعة العربية، وأثيوبيا عضو تجمع يضم السودان واليمن، وجماعة كوميسا، فكيف تهرب “بكتاب النيل” في ظل عجز سياسي دبلوماسي بهذا الشكل وعلى ساحة عربية وأفريقية واسعة؟ ألا تتأثر مشاعر المسؤولين في هذه المنطقة لقدرة الدبلوماسية الأفريقية على الحركة بمواقف منسقة بهذا الشكل في كنشاسا وعنتيبي وشرم الشيخ دون مقابل عربي.

ألم نسمع أيضاً باجتماعات دول منطقة البحيرات العظمى التي كان مقرراً لها شهر مايو 2010، بما يبدو تنسيقاً مبكراً قبل اجتماعات شرم الشيخ، في دبلوماسية التفاف ذكي ملفت للنظر ودرساً للدبلوماسية العربية التي تتحدث الآن فقط عن “حوار دول الجوار”؟

وأين إمكانية ضغط “المصالح العربية ” على الدول الكبرى الممولة للمشروعات في حوض النيل؟ بل وأين خطط الدول المطلة على البحر الأحمر التي تضم إريتريا وتحكم منافذ هذا البحر الاستراتيجي بساحل ممتد لصالح الصومال وجيبوتي وإريتريا على السواء، ومعظمها بلاد “أكسيوم” القديمة على أية حال تلك البلاد التي كلف الضمير الشعبي “سيف بن ذي يزن” أن يأتي إلينا منها بكتاب “النيل”!

السيرة الشعبية هي ضمير الشعوب، أما إعلامنا الآن فلا تهمه الجذور، وكفاه أن يصرخ في وجهونا كلما جد الجد قائلاً: “فضوها سيرة”!