ما نحن وما ليس نحن

أبصرت النور سنة زلزال ذمار. هكذا يحلو لأبي أن يؤرخ لميلادي. أو بالأصح، هذه هي الطريقة الوحيدة التي يظن أنه يمتلكها لتذكر اللحظة التي استقبل فيها ابنه البكر. يبدو وكأنني ولدت خارج التاريخ، أليس كذلك؟ بلى، بالنسبة إلى سكان قريتي، بني علاء.

أبصرت النور سنة زلزال ذمار. هكذا يحلو لأبي أن يؤرخ لميلادي. أو بالأصح، هذه هي الطريقة الوحيدة التي يظن أنه يمتلكها لتذكر اللحظة التي استقبل فيها ابنه البكر. يبدو وكأنني ولدت خارج التاريخ، أليس كذلك؟ بلى، بالنسبة إلى سكان قريتي، بني علاء.

رغم أنني سأعرف فيما بعد أن زلزال ذمار حدث في نهاية 1982، تلك الحقبة التي شهدت ولادة عناوين لما سيعرف بفكر “ما بعد الحداثة”، على نحو “ما بعد البنيوية”، “ما بعد الكولونيالية”، “وما بعد العقلانية”، “ونهاية التاريخ”.

لنتوقف عند هذه النقطة. فهذا الإبهام في تاريخ ميلادي البيولوجي، سيكون بمثابة الأيقونة المضغوطة لذلك الإبهام البغيض الذي سيلقي بظلاله على هويتي الشخصية، أناي الحقيقية، أو بكلمات ميلان كونديرا: “جوهري الصرف”. ولسوف أمضي طيلة السنوات المنصرمة من فتوتي مترقباً، بين سطور الكتب، وفي نظرات الآخرين، محاولاً إدراك ما يفترض أنه أنا.

لفترة من الزمن تصورت بأنني أقرب إلى خطيب الجامع مني إلى أي شيء آخر. ولقد وجدتني أتمثل هذا الدور منذ كنت في المرحلة الإعدادية. لم يكن الأمر لأنني كنت الأكثر مهارة والأجمل صوتا، ولكن لأن جدي مؤذن المسجد، ولأنني كنت أحسن من يقرأ خطبة عائض القرني، والبيحاني. ليس علي أن أندم بالطبع، رغم أني دفعت الثمن من طفولتي، عندما وضعت نفسي كل الوقت في اختبار أخلاقي لا نهاية له، وكان علي أن أسبغ على نفسي الوقار والتقوى والنضج.

كان علي الانتظار زمناً يمتد لعقدين كي أفهم كم أنني كنت متماهيا، دون أن أدري، مع ما يرغب الآخرون أن أكونه، مستندين إلى نظام ثقافي كامن وراسخ، يعطي الأفضلية والتمجيد لكل ما هو ديني. وفوق ذلك، كان علي أن أفهم ماهية العلاقة بين انهيار جدار برلين مثلا، وبين إعادة افتتاح مسجد القرية الذي لطالما شرح لي جدي كيف أن العنكبوت كانت تنسج على الحواف العتيقة لبوابة مبنى نسي أسلافي أنه مسجد.

لا نكف عن كتابة المقالات، لكن لا أحد وضع ما يجري في الجنوب وصعدة ضمن السياق العالمي المتبدل باستمرار. تتلخص الفكرة في كيف أن التحولات الكونية العظمى تعلن عن نفسها في اليمن بطريقة تدعو للرثاء. ينشغل المفكرون والفلاسفة في العالم برصد التطورات الإنسانية، ويحتدم الجدل منذ عقود بشأن مقاربات تدرس الآثار الناجمة عن “فقدان الحداثة لأهليتها”، وظهور موجة على أنقاضها تدعى “ما بعد الحداثة”.

تفكير حثيث يعيد النظر في كل شيء. ينسحب النقاش ليشمل مفاهيم الوطن، والدولة، والسيادة، والهويات، العمارة السينما الموسيقى، الرواية والرسم والشعر. على سبيل المثال، يستطيع من يتبنى مقولات ما بعد الحداثة، اعتبار حرب صعدة انعكاساً آخر لإخفاقات الحداثة (حداثة لم يتذوق اليمنيون لها طعما)، حتى إنه بات بإمكان ماري كالدور، الصحفية البريطانية، تضمين حرب صعدة في الطبعة الجديدة لكتابها “الحروب الجديدة والحروب القديمة”، أو حروب ما بعد الحداثة، تلك التي، بحسب كالدور، تتمحور حول الهوية قياساً إلى الغايات الجيوسياسية أو الإيديولوجية للحروب الكلاسيكية، وتعج بفتيان يرتدون بزات عسكرية محلية الصنع ولاجئين يائسين وسياسيين متنمرين، وحيث تنطوي على حشد من الروابط العابرة للأمم لدرجة “يصعب التمييز بين ما هو داخلي وما هو خارجي”.

من منا تنبه يوما إلى حقيقة أن حزب الإصلاح راح ينعطف يساراً. وإلى أي درجة أمسى يتبنى أساليب وشعارات علمانية. وكيف أن الحزب الاشتراكي ينحرف إلى اليمين بلا توقف. ألا يمكن النظر إلى تقلص الهوة بين محمد قحطان وجملة “مالله لله، وما لقيصر لقيصر”، وعلي الصراري وجملة “الإسلام دين ودولة”، باعتبارها إحدى سمات ما بعد الحداثة الأكثر بروزا، حيث أخذت الإيديولوجيات مكانها في ذيل القائمة، في حين تصدرت التضامنات “الهووية” -الدينية، والعرقية، والعشائرية- كمعايير للفرز والتصنيف.

لماذا استغرقت الحداثة قرابة القرن في طريقها إلى اليمن، بينما “تشظيات” وعلل حقبة ما يسمى “ما بعد الحداثة” تعصف به قبل أي شيء آخر. بعبارة أخرى: الوتيرة المتكاسلة والشحيحة التي راحت تنتقل بها مظاهر من الحداثة لم تكن متوازية قط مع وتيرة ضمورها وتلاشيها. بالمقابل فإن إخفاقات ونكسات وأهوال موجة ما بعد الحداثة أخذت تتجلى أكثر ما يكون في اليمن، وبمعدل يفوق بعشرات الأضعاف السرعة التي تتجلى بها محاسن وأنوار وإنجازات هذا الشيء الذي يسمونه ما بعد الحداثة.

إن عدم حداثتنا، أو لنقل تفاهة نصيبنا منها، هو الذي يجعلنا ما نحن عليه. أين الصفحات الفنية المدهشة، ونقاد الطعام والموسيقى. فمن بمقدوره، على سبيل المثال، أن يجادل بأن عزف عبدالقادر بامخرمة أو قاسم الأخفش وفضل اللحجي هو المعادل اليمني لموسيقى شوينبرج، أو “الروك آند رول”، أو يعثر في تاريخ الأدب على ما يشير إلى أن محمد علي لقمان تأثر في رواية “سعيد” بنزعة جيمس جويس وموزيل ومارسيل بروست، أو أن الشيخ عبدالله وسنان أبو لحوم كانا يدركان، على وجه اليقين، فكرة أن الجمهورية تعني الانسلاخ الذهني والسلوكي عن مقولات مثل “جاه القبيلة”، و”اصحابنا”، و”لكل واحد حد وبلاد”.

ثم من بوسعه أن يعرف إلى أي مدى ألهمت قصيدة “الأرض الخراب” لإليوت، شعراء مثل المقالح والمساح، أو كيف أثرت لوحات من مثل “فتيات افينيون” لبيكاسو، أو “العارية المستلقية” لماتيس، ولوحات براك، على هاشم علي وآمنة النصيري ومظهر نزار وطلال النجار. وهل يمكن الجزم بأن “قوارب جبلية” لوجدي الأهدل كانت صدى ما بعد حداثي لـ”آيات شيطانية”، رواية البريطاني من أصول هندية سليمان رشدي.

غير أنه من العبث أن نريد معرفة ما إذا لم نكن مشمولين باتجاهات ما بعد الحداثة. فكم مرة أخضعنا للنقاش الثقافي، وليس السياسي المبتذل، مسائل مثل “التذرر” و”البناء المنساب”، ومناهضة الإعدام، بصرف النظر عمن هو أكثر صوابا من الآخر. ناهيك عن المساواة بين الرجل والمرأة، أو ممارسة الجنس قبل سن الثامنة عشرة، أو وجبة إفطار الغرانغولا بدلا من اللحم، وأضرار التعرض للشمس، والطريقة المثلى للتعامل مع الأولاد، والموقف من الاتحادات والنقابات، أو وجهات النظر الطائشة من الدين، أو حقوق الحيوان وتحرير الدجاج من مزارعها، وهل البيرة أفضل أم اللبن للجسم في معرض تحديد الموقف من حلب الأبقار.

ألا يصح إدراج غضب كتلة الحديدة في مجلس النواب، على خلفية اعتداء النائب شردة على النائب اهيف، ضمن أجواء ما بعد الحداثة حيث تضمحل قيم التضامنات الوطنية، وتحضر بدلا عنها التضامنات الضيقة أكانت جغرافية أم إثنية. وبكلمة، نحن ما بعد حدثيين فقط بعدم اليقين، بالحنين إلى الماضي، بالسماح للتاريخ لـ”إدارة حياتنا”، بـ”هويات ما بعد الحداثة”، الانتماءات الوراثية، العرقيات والعنصريات، الارتياب من الآخر.. “الفاشية”، والأخيرة ربما هي السيرورة الحتمية لفكر ما بعد الحداثة. لقد كنا ما بعد حداثيين قبل الحداثة إياها.

ذات مرة كتبت مقالا بعنوان “أعترف أنني شمالي”. وقلت أن كوني “شماليا” هو انتماء ثانوي جدا، وطارئ جدا، وليس له وزن في هويتي المؤلفة لشخصيتي، الهوية التي تجعل من أحدنا نفسه، فريد ولا يستبدل، أو بتعبير أمين معلوف “غير متماثل مع أي شخص آخر”. لكنه، وياللمفارقة، أحد الانتماءات التي لم أشارك في اختيارها عندما وجدت يوما على هذا الكوكب، مثل أشياء كثيرة تلتصق بالمرء لحظة ولادته دون استئذان، أشياء من قبيل النوع، اللون، العائلة، مكان الولادة. (وبوسعي أن أضيف العشيرة والطائفة الدينية أحيانا).

لذا يبدو لي، على الدوام، أن التباهي بمثل هذه الهويات، غير المكتسبة، سخيفا، بقدر سخافة التنصل عنها. بكلمات أخرى: إذا كان يتعين على المرء عدم الانسلاخ عن الانتماءات التي تشكل هويته، فعليه كذلك تجنب اعتبارها مصدر فخر وتعالٍ أو مصدر خزي وعار. مثلا أستطيع الافتخار بكوني صحفي من طبقة اجتماعية فقيرة، أكثر.

العالم ينكمش. وما زلنا نستحضر مقاربات على شاكلة “الغزو الفكري”، و”الامبريالية”، لتفسير مفاهيم ونزعات ما بعد الحداثة. نتعشى بيتزا مارجريتا في الدايري، لكن لم نفلح في التوصل إلى ماهية العولمة وما ليس هي. ولم نتقبل بعد الإشارة إليها بمايكروسوفت وآي أم بي وبرنامج أوبره وينفري. وكيف أن العالم توقف عن أن يكون كرويا، تلك الفكرة الفذة التي خطرت لتوماس فريدمان بينما كان يقف في نادي غولف كي جي آي، بمدينة بنغلور جنوبي الهند، حينما أدرك فجأة بأن شريكه كان يضع قبعة من ثري أم الأمريكية، وكانت تقوم على مرأى منهما بنايات من الزجاج والفولاذ لشركتي تكساس انستومنتس وإتش بي، ولوحة إعلانات للبيتزا. “رباه، هل أنا في تكساس؟”، حدث توم نفسه. و”مثلما عاد كولومبس لإبلاغ ملكه ومليكته بأن العالم كروي”، فقد عاد فريدمان إلى زوجته هامسا: “عزيزتي العالم مستو”.

وربما لو تأملنا لوهلة، على طريقة غابرييل ماركيز، سنكتشف بروح الدعابة كم إن مذاق الكوكاكولا “يشبه غسيل الأحذية”.

في عصر التدفق الحر والغزير للمعلومات، لم أجد نفسي مضطرا أن شرح لأمي في بني علاء، مثلا، كيف أن الوضع بالغ الخطورة وأن كل شيء يبعث على القلق. حتى شوعي علائي يجد نفسه كل يوم وهو عائد من حراج العمال مثقلا بعدد لانهائي من الأخبار والشائعات. وهكذا يسترسل متباهيا في اختبار مهارته في ربط وتحليل الأحداث وتفسيرها. ففي عصر الصورة، يقول عبدالله الغذامي، تم كسر الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات، فتوسعت دوائر الاستقبال حتى شملت كل البشر. ولسوف تعمل الصورة أيضا، طبقا للغذامي، على زعزعة مفهوم النخبة، حتى يغدو الجميع سواسية في التعرف على العالم.

كم عدد المرات التي طرحنا فيها هذا السؤال: إلى إي حد يبدو إحساسنا بالواقع، واقعنا، حقيقياً؟ وما هي الطريقة التي تساهم بها تكنولوجيا المعلومات في جعل الفجوة لا حدود لها، بين إحساسنا بالواقع والواقع نفسه؟ بكلمات أخرى؛ هل اليمن بالفعل يمر بأسوأ لحظة في تاريخه، أم إن كثافة الأخبار وازدهار الشائعات والأوهام يولدان هذا الانطباع السوداوي والحزين؟

يناقش هذه النقطة الصحفي الأمريكي فريد زكريا باقتضاب في سياق تفسير التناقض “بين الهبوط الحلزوني للسياسة العالمية والارتفاع الثابت للإقتصاد”، بمعنى كيف أن حدة تأثير الأزمات السياسية والحروب على الأسواق تنحسر من يوم لآخر منذ الحرب الباردة.

يقول زكريا في كتابه “عالم ما بعد أمريكا”، الذي صدر منتصف 2009: “أولا من المفيد أن ننظر بتأن أكبر إلى تدفق الأخبار السيئة. إذ يبدو لنا وكأننا نعيش في حقبة عنيفة إلى حد الجنون؛ ولكن، لا تصدق كل ما تراه على شاشة التلفزيون، فالانطباع الذي يتكون لدينا مما نراه ونسمعه غير صحيح تماما”. ويستعين زكريا بالاستنتاج الذي توصل إليه فريق من الباحثين في مركز التنمية الدولية وإدارة الصراعات في جامعة ميريلاند، والذي مؤداه بأن الحجم العام للصراعات في العالم تناقص بنسبة 60 بالمئة منذ منتصف الثمانينات. وينقل عن البروفيسور ستيفن بينكر قوله إننا “ربما نعيش اليوم في أكثر الحقب هدوءا في تاريخ بني البشر”.

لكن هذه المقاربة ربما تفقد وجاهتها عندما يتعلق الأمر باليمن. أليس كذلك؟ كلا. فلا أحد ينكر أن انسياب المعلومات والأخبار من كل بقعة في اليمن وبشكل آني وحي ومتواصل، يخلق تناقضا واضحا بين الواقع وإحساسنا به. فـ”آنية الصور وكثافة دورة الأخبار التي لا تتوقف على مدار الساعة تساعدان على إحداث انطباع مبالغ فيه ومتواصل في نفوسنا. إذ إن كل اضطراب في الطقس هو عاصفة القرن. وكل قنبلة تنفجر هي خبر عاجل”، يقول زكريا.

ما هو الشعور الذي سيغمرك وأنت تقرأ خلال ساعة واحدة أخبار مثل: إطلاق نار في الضالع، وشخص ينتحر في الحديدة، وانفجار في أبين، وقصف في صعدة، والبيض والعطاس يلتقيان في بيروت، واللقاء المشترك يقرر مقاطعة الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس… وهكذا دواليك. كتب فريد زكريا بأنه من الصعب أن نستوعب كل هذا، لأن ثورة المعلومات لا تزال جديدة علينا، “فنحن لم نحصل على صورة يومية لقرابة المليوني شخص الذين ماتوا في حقول القتل في كمبوديا في السبعينات، أو المليون شخص الذين قضوا نحبهم في رمال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات”.

من جهتنا، لم نشهد الحرب الأهلية بين المعسكر الجمهوري والملكي في الستينات ومجازر المصريين. ثم ماذا لو كانت خدمات إخبارية فورية مثل “ناس موبايل” و”سبتمبر موبايل” أو حتى مكتب الجزيرة واليوتيوب، حاضرة لتغطية العنف الذي حسم الصراع لصالح الجبهة القومية على حساب جبهة التحرير، بل ماذا لو شاهدنا صور حية لمذبحة 13 يناير، أو مجاعات الحديدة إبان حكم آل حميد الدين.

في حياتنا يكمن تشوش عظيم وإبهام وحالة من اللافهم لا علاج لها. وفي مساءات التعب والحرمان يخلص معظم اليمنيين إلى أن الحياة لم تعد ممكنة في بلادهم. بيد أن عدداً ضئيلاً منهم نجحوا في التوصل إلى تفسيرات وجدوها ملائمة وأكثر دقة لعذاباتهم، فيما لا يزال جيش من المتعبين في متناول نموذجين مهيمنين وقاسيين من المقولات الجاهزة والكليشيات المتسمة بالتهافت والخفة. الأول مصدره السلطة، أو الموالاة، والثاني مصدره المعارضة، مع تفاوت بسيط في درجة الابتذال والنزاهة والعمق.

على أن ثمة نموذجا ثالثا يصدر عن الوعي الباطن وقلة الحيلة، ذلك النموذج الذي يعزو التعب والآلام والخوف إلى القدر، إلى قوى ماورائية كلية القوة. ويجد هذا النموذج تجسيده المثالي في الرواية الشهيرة “جاك المؤمن بالقدر” للفرنسي ديدرو.

لكن هذا التباين الظاهر بين النماذج الثلاثة ليس إلا قناعاً رقيقاً لصفة مشتركة: إنها هذا القدر الهائل من الابتذال والميل المفرط للتبسيط. المحللون الذين يظنون أنفسهم يقظون وثاقبو البصيرة يروق لهم التنبؤ بمستقبل سوداوي لليمن لا مفر منه، وينغمسون في تحليل وسرد التحديات والمخاطر التي تؤكد الانعدام التام لفرص نجاة هذا البلد المحاصر بتعاسة الحظ وغزارة النسل.

غير أن أياً من المحللين هؤلاء لم يدرك بعد حقيقة أننا نسدد فاتورة الطريقة الشغوفة التي نمارس بها التفاهة والابتذال منذ عقود.

والحال أنه لم يكن المتوخى، هنا، تدوين تاريخ تفصيلي للحداثة في اليمن، أو حتى مقتضب. ولم أكن أنوي استكشاف اللحظات الفاصلة التي تغيرت فيها توجهاتنا الاجتماعية والثقافية، وعادات العيش والتفكير، على غرار ما فعل فوكنر في انجلترا، أو آرنولد توينبي، أو حتى عبدالله الغذامي في السعودية، ومحاولته البرهنة على أن نزعة المفارقة والتحديث الواعيين بدءا عندما عمد الملك عبدالعزيز إلى شطب كلمة من شطر بيت شعري كان نُقش لتوه على صالة الاستقبال، فبدلا من “نبني ونفعل مثلما فعلوا”، نقش “نبني ونفعل (فوق) ما فعلوا”.

ذلك ألا شيء، حسب ظني، أكثر بؤسا وحماقة من أن يقرر أحدنا بأن الحداثة قد أخذت مداها كفاية في حياة اليمنيين، وأنه آن الأوان للتظاهر بالانهماك في التنقيب، عن خيارات بديلة، بروح ثورية تائهة لا تستطيع الكف عن التذمر، والإحباط، وتقليب الشفتين علامة الحيرة والقرف.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية