إنقاذُ اليمن.. مسئوليةُ من؟

إنقاذُ اليمن.. مسئوليةُ من؟

حتماً علينا أهل اليمن- ونحن نعيش أزمة خانقة في هذه الفترة الحرجة – أن نقف على أخطر الأسباب التي آلت بنا إلى هذه الحالة المفزعة ، وأوصلتنا إلى حافة الهاوية إن لم نتدارك أنفسنا بأسرع وقت سقطنا جميعاً في قعرها.

فليس من الحكمة أن ننظر إلى العرض ونتجاهل أصل المرض ؛ لأن معرفة الداء هو بداية الدواء، وما يدور في اليمن هو حصيلة أسباب متراكمة سأذكر أخطرها-حسب ظني- على سبيل الإجمال مع بيان السبب الذي أدى إلى تفاقم الأزمة، واستحكام حلقاتها، وما هو الواجب على الجميع فعله لإنقاذ اليمن. فأخطر الأسباب هي:
السبب الأول: ترك أو ضعف الالتزام بشرع الله – سبحانه وتعالى- في السياسات العامة والتصرفات الخاصة، وعدم اللجوء والرجوع إلى تحكيم الشرع عند التنازع والاختلاف، وهذا يعتبر السبب الأصل .
السبب الثاني:الإخفاقات السياسية في إدارة الأزمات والصراعات والتي خلّفت احتقانات سياسية في الساحة اليمنية، وكان للنظام دور في إيجاد بعضها، والحرص على عدم خلو الساحة منها- حسب ما يطرحه المختلفون مع السلطة- خاصةً في العقد الأخير.
السبب الثالث:الإخفاقات الاقتصادية التي وقع فيها النظام وعلى وجه الخصوص الفساد المالي والإداري،وسوء التصرف بالمال العام الذي نتج عنه اتساع دائرة البطالة، وارتفاع نسبة الفقر، وظهور طبقة رأسمالية على حساب القوت الضروري لبقيت طبقات المجتمع، وكان لتدهور الاقتصاد العالمي أثر في زيادة الأزمة المالية.
السبب الرابع: قيام الثورات الشبابية السلمية في بعض الدول العربية دوافعها الأولى اقتصادية تليها في الرتبة دوافع سياسية، فكان لنجاحها الكلي بإسقاط النظام في تونس ومصر أثر في تشجيع الشباب في اليمن على السير في نفس الطريق ، ولنفس الدوافع، وحضيت بمساهمة ومساندة من أحزاب المعارضة في الداخل وبدعم إعلامي ولوجستي من الخارج .
السبب الخامس: المكايدات والمزايدات الحزبية لدى السلطة والمعارضة، مما جعل العلاقة بينهما قائمة على سوء الظن ورصد السلبيات وتهويلها أو اختلاقها وافتعالها؛ فالمعارضة توصلت إلى قناعة تامة بأن السلطة لا تريد إعطاء الحقوق التي كفلها الدستور، ولا تستطيع أيّ جهة انتزاع بعض حقوقها من السلطة إلا بتهويل وتصعيد إعلامي قوي، والسلطة لا تستجيب في الغالب إلا لأدنى سقف من المطالب، ولمن له ثقل سياسي أو اجتماعي،وكلما وجدت فرصةً للتخلص من المطالب والحقوق ، وفي ذلك مصلحتها تخلصت ولا تبالي بالآخر وحقوقه مما جعلها مفقودة الثقة.
ولا مبالغة في اعتبار هذا هو أخطر سبب في تفاقم الأزمة وتعقيدها؛ لأنه يعتمد على أقوى سلاح في معركة العصر الحديث وهو الإعلام الذي يصنع الحياة أو يدمرها، وإذا استخدم بطريقة غير صحيحة من السلطة والمعارضة؛ فإنه لا يترك مجالاً للاعتراف بالأخطاء فضلاً عن تصحيحها، ويولد ردود أفعال متشنجة تخلق من الأزمة أزمات ، وتؤجج نار الفتنة، وتقود إلى تفجر الوضع ،و لعله قد أخطأ في التقدير من قال:أن الإعلام السلطة الرابعة، والصحيح أنه السلطة الأولى ؛!!! لأنه هو الذي تعتمد عليه بقية السلطات.
وإذا كان من يرقب الوضع السياسي في اليمن منذ بضع سنوات يصاب بالخوف على مصير اليمن؛ لغياب الإنصاف والموضوعية في معظم ما تطرحه وسائل الإعلام الرسمي والمعارض، فإنه اليوم يصاب بالفزع لما يشاهده، ويسمعه من تصريحات غير موضوعية ، ومجانب للعدل والإنصاف .
ففي الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إلى نزع فتيل الفتنة وتقريب وجهات النظر وإقناع جميع أطراف النزاع بأنه لابد من التنازل من اجل المصلحة العامة للأمة ، وذلك بقول كلمة الحق والإنصاف في الطرح والحكمة في التعامل مع الأزمة، وأن لكل طرف حضه من الحق، وحضه من الصواب، وان كل طرف محتاج إلى الآخر، والوطن بحاجة إلى الجميع.
يفاجأ الغيورون على مصلحة الأمة-الناظرون إلى النتائج في المتوقع من منظور الواقع –بأنه ومع بداية تفاقم الأزمة استمرت السلطة والمعارضة في شن الحرب الإعلامية والاتهامات المتبادلة فكان الغالب في التصريحات هو منطق التهميش والإلغاء والإقصاء، السخرية والتجريح والاستعداء ، وهذا المنطق إن استمر سيقود الجميع إلى هاوية الفتنة والسقوط فيها.
وسيتم الاقتصار على ذكر بعض النماذج الصادرة في الآونة الأخيرة من باب التمثيل لا الحصر مع بيان ما للمبالغة وعدم الإنصاف في الطرح من ضرر، ونتائج عكسية؛ لأنه ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
فماذا يعني أن يصرح مصدر مسئول رفيع المستوى قبل تفاقم الأزمة بأن المتظاهرين المطالبين بالتغيير ليس لهم ثقل، وأنهم يعدون بالمئات فقط ؟
ألا يعني التهميش والاستخفاف بالآخر؟ ألا يفهم منه محاولة الإقصاء والإلغاء للآخر؟
ألا يؤدي إلى تحريض الآخر وحثه على استعراض جميع قواه لإظهار حجمه في الواقع، وإغاظة من ينتقص من شأنه؟
وفعلاً كان الرد سريعاً وخرج المطالبون بالتغيير بالمئات كما صرح المصدر المسئول لكن مئات بحساب الواقع المنظور، لا بحسبان المصدر المسئول نعم إنهم مئات الآلاف في العاصمة وحدها فضلاً عن بقية المحافظات .
وماذا يعني أن يصرح مصدر مسئول أن شباب التغيير قد انفضوا من الساحات، ولم يبق فيها إلا الذين لهم اتجاه تنظيمي ويخص بالذكر شباب الاتجاه الإسلامي بأنهم ليس لهم مشروع واضح، وإن فكرههم مرفوض ، بل قد تقفز بعض التصريحات إلى الاتهام بالإرهاب والتطرف وأسوأ ما تكون عندما يصرح بها الرجل الأول في السلطة ؟
ألا يعني هذا عدم التحري في الطرح وأن فيه تحريض الآخر على الحشد الجماهيري إلى ساحات الاعتصام مما يوسع نطاق المطالبين بالتغيير،وهذا بدوره يغيض النافذين في السلطة، و قد يفقد بعضهم السيطرة على أعصابهم ؟
ألا يفهم من هذا النيل من العاطفة الإسلامية للشعب اليمني -التي كانت ومازالت السبب الرئيس في استتباب الأمن وتهدئة الأوضاع –خاصةً العاطفة الناشئة عن العقيدة الصحيحة والمنهج السليم، ويثير حفيظة الشعب اليمني المتدين على النظام الذي يعتمد على مثل هؤلاء الذين يؤلبون ضده في الظروف الحرجة ؟
ألا يؤدي هذا إلى استعداء القوى الخارجية على البلاد ، والوصول بها إلى ما يسمى بالأرض المحروقة ؟
ألا يدل هذا على اللعب بأوراق محروقة سبق أن لعبت بها أنظمة فكان مصيرها الخسران؟
وبالمقابل ماذا يعني أن يصرح أكثر من مصدر مسئول في المعارضة في اتصال أو حوار بأن فترة الرئيس من أول يوم تولى فيه الرئاسة إلى يومنا هذا كلها فترة ظلم وظلام لم يحصل فيها عدل، ولم توجد فيها جوانب مشرقة ؟
ألا يعني هذا استثارة حفيظة الرئيس ؛لأنه قد يفهم من هذه التصريحات بأنه مجرد تسليمه السلطة سيُسلك في سلسلة من العقوبات والانتقامات، ولا رجعة عن هذا المصير مما يجعله يصر على رأيه في عدم التنحي إلا في نهاية المدة ، ويتمسك بكرسي الرئاسة حتى تحل الكارثة ؟
ألا يٌفهم من هذا بأن بعض رموز المعارضة مشاركين للرئيس في الظلم والظلام؛ لأنهم كانوا في فترة من الفترات جزءا من نظامه، ومنهم من كان معه على حلف مستمر ؟
ألا يؤول إلى وضع بذور عدم الثقة في المعارضة إن تسلمت السلطة في المرحلة القادمة؛ لعدم تحريها العدل والإنصاف في الانتقاد والطرح عن الآخر؟
وكذلك ماذا يعني تصريح مصدر مسئول في المعارضة بأنه أخبره بعض الشباب المعتصمين أن يوم الجمعة القادمة-باعتبار تاريخ التصريح- هو يوم الزحف إلى القصر الرئاسي ، و يقول للرئيس أن يعمل ما بدا له من قتل وسفك للدماء؛ فإن كل ذلك- لو حصل- لن يوقف زحف الشباب حتى يصلوا إلى القصر ويخرجوه من مخبئه؟
ألا يقدم هذا فرصةً للسلطة أن تقول للرأي العام بأن المعارضة تريد تحويل مسار ثورة الشباب من الاتجاه السلمي إلى الاتجاه الدموي؟
وهو ما حصل بالفعل فكان هذا التصريح ورقةً رابحةً للسلطة استعادت بها قوى كثير من الأنصار والأعوان، واستثارت بها العواطف للوقوف معها مما ساهم في تكثير سواد الحشد الجماهيري المؤيد لمبادرة الرئيس، وهو ما قد يغري السلطة فتتراجع عن الإسراع في الاستجابة لمطالب الشباب، فتطول فترة الأزمة. .
ألا يعني هذا-على فرض لو حصل الزحف- عدم اعتبار المآلات ،وفتح الذرائع إلى سفك الدماء إما بإطلاق النار على مسيرة الشباب، أو بحصول اقتتال بين القوات المسلحة المنتشرة على الطرقات في العاصمة خاصةً بعد أن حدث شرخ فيها،وتناوش بينها؟
ألا يدل هذا-على فرض لو حصل الزحف-على عدم اعتبار الواقع فهل الرئيس قد صار إلى حالة من الضعف،وفقدان النصير حتى يستطيع الشباب الوصول إليه وإخراجه بأيديهم الخالية من السلاح؟
أما أن الرئيس بمحل من الزهد والورع بحيث أنه سيمنع كل القوات عن اعتراض الشباب وهم في طريقهم إليه حتى وإن دخلوا القصر الجمهوري يريدون قتله فلن يدافع عن نفسه، وسيمنع الحرس الخاص عن إطلاق النار عليهم؛ لأنه يريد أن يموت مظلوما ؟
هذه نماذج تتعلق بعدم الإنصاف في الأقوال، أما ما يتعلق بعدم الإنصاف في الأفعال يكفي- هنا-ذكر نموذج واحد وهو: أن السلطة احتكرت الإعلام الرسمي وأقصت المعارضة من أي مشاركة مستقلة إلا في حالات استثنائية وبمساحات إعلامية محدودة محصورة فماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة حصول تفجر إعلامي فوهته قناة سهيل الفضائية؛ وهي نتيجة طبيعية للإنحباس الإعلامي المرئي الذي تكون في فكر المعارضة بسبب احتكار السلطة للإعلام الرسمي منذ سنوات، ومن سوء حظ السلطة أن الشباب – خاصة – أعرضوا إعراضاً شبه كلي عن الإعلام الرسمي،و اعتمدوا اعتمادا شبه كلي على المادة الإعلامية التي تقدمها قناتا (سهيل) و(الجزيرة)، و ما تبثه قناة (سهيل) فهي مادة إعلامية محلية منها القديم المؤرشف والجديد المساير للأحداث ولها تأثير ، و لولا احتكار السلطة للإعلام الرسمي لما كان لها ذلك التأثير، و لكانت المادة الإعلامية القديمة قد افتقدت شيئا من تأثيرها بعامل الاستهلاك والزمن.
ومن باب الإنصاف أقول: ليس كل ما ذكرتُ بأنه قد يُفهم من التصريحات مقصوداً للمصرحين بها، أو أن كل من سمعها سيفهم ذلك الفهم، ولكن من واجبي الديني المناط بذمتي أردت لفت الانتباه إلى استشعار مسئولية الكلمة وخطورتها وضرورة تجنب التصريحات التي تأجج الوضع خاصةً وأن سوء الظن بالآخر هو المسيطر على أطراف النزاع في الساحة, وأن رحى الفتنة قد دارت هنا وهناك فأزهقت نفوسٌ،وسفكت دماءٌ، ومع ما قد حدث فالتعقلُ مطلوب خشية وقوع ما هو أعظم، وهو اصطلاء الجميع بنار الفتنة.
ومن أقوى الوسائل لإيقاف الفتنة وإطفاء نارها العدل والإنصاف في القول ، بل العدل يعتبر أعظم المقاصد الشرعية وأهمها، وهو من المقاصد العامة الثابتة بكليات الشريعة وجزئياتها قال الله تعالى: )إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) النحل:90
والعدل في الأقوال من المبادئ الثابتة التي يجب التمسك بها مع المحب والمبغض قال الله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) المائدة:8
, ومع القريب والبعيد قال سبحانه: )وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) الأنعام:152
أما النكران للآخر،وإطلاق القول بأنه ليس له نصيب من الحق والصواب فهو منهج اليهود والنصارى قال الله تعالى: ) : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) البقرة:113
ومن الآيات التي تدل على أن الإنصاف في مخاطبة الآخر هو منهج الإسلام
قوله تعالى: ) قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) سبأ:24 وهو سبحانه وتع إلى يعلم أنهم من الضالين.
ومن الآيات التي تدل على الإنصاف في النقد قوله تعالى: ) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) آل عمران:75
فذكر سبحانه وتع إلى مالهم وما عليهم ، وبدأ بذكر المحاسن قبل المساوئ.
فأقل ما يجب على المسلم عند اختلافه مع أخيه ومخاطبته له أن يكون منصفاً، وأن لا يعين الشيطان على أخيه، بل الأولى أن يحسن له القول كي يتمكن من اقتلاع جذور الكراهة والعداء، ووضع بذور المحبة والإخاء قال الله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) فصلت:34.
فإذا أراد اليمنيون اقتلاع جذور الفتنة، واستتباب الأمن ، وإعطاء فرصة لأصحاب الجهود الطيبة والنيات الصالحة لحل الأزمة وتسوية الوضع فليقفوا صفاً واحد في وجه من يمارسوا الإرهاب السياسي من السلطة والمعارضة، ويقولوا لهم بصوت واحد كفى مكايدات كفى مزايدات كفى تصريحات نارية فقد بلغ السيل الزبى، وقد أطلت الفتنة بقرنيها، والوضع في ضرورة قصوى لا يتحمل أكثر مما قد وصل إليه.
وواجب كل العقلاء والحكماء من أبناء اليمن وخاصةً العلماء أن يكونوا مفاتيح خير مغاليق شر فيطلقوا صيحات التحذير وصرخات الإنذار، ويدعوا جميع مكونات المجتمع المؤثرة من علماء ومشايخ ورجال أمن وقضاة وأكاديميين، وجميع الشرفاء في التنظيمات الحزبية والمنظمات المدنية، وبقية أفراد الشعب الغيورين أن يسارعوا إلى جمع قواهم لانتشال سفينة اليمن من الغرق، وإقناع أطراف النزاع بوجوب تحكيم شرع الله عند التنازع قال سبحانه: ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) النساء:59 وبحتمية الصلح وضرورته ؛ لأن إصرارهم واستصنامهم على آرائهم سيلقي بالبلاد إلى التهلكة،وأن يدعوا الجميع إلى مراقبة الله تع إلى ويواجهوهم بالأمور الواقعية الآتية:
1-أن يعلم الجميع: بأن قضية شباب التغيير قضية موضوعية وعادلة، وقد استمدت قوتها من أحقيتها؛ فإن لصاحب الحق مقالاً، وما خرجت تلك الحشود الهائلة إلا لأنها تجرعت الظلم، وذاقت القهر، وعاشت مع الفقر في حلها وترحالها سنوات عديدة؛ فلابد من تحقيق مطالبهم المشروعة،والنظر إلى قضيتهم بعيداً عن تصفية الحسابات بين السلطة والمعارضة، وإن كانت المعارضة قد ركبت موجة التغيير فقوّت موقف الشباب وساهمت في تصعيد القضية ؛ لأنها رأتها أقوى الوسائل لانتزاع الحقوق من السلطة،أو خافت من افتقاد ثقلها في الشارع، كما أن ركوب الموجات يعد نوعاً من أنواع المكايدات بين السلطة والمعارضة بدليل أن السلطة كادت تخوض انتخابات برلمانية منفردة وتركب موجة الانتخابات التشريعية المصرية لولا المستجدات في الساحة.
2- على الحزب الحاكم: أن يميز بين مرحلتين من تاريخ الأزمة السياسية فمرحلة ما بعد انتفاضة الشباب في بعض الدول العربية غير مرحلة ما قبلها فالمرحلة الأولى كان بالإمكان التعامل معها بمبادرات ومقترحات، بل بمجرد تنظيرات سياسية، وإذا استعصت-أحياناً- تتم تسويتها ببعض التنازلات السياسية لأطراف النزاع، وأما المرحلة الثانية فمختلفة عن الأولى في الشكل والمضمون، ولا يمكن أن تحل إلا بالاستجابة الفعلية لمطالبها.
3- على الأخ رئيس الجمهورية: أن يعلم بأن الأزمة بالدرجة الأولى هي أزمة افتقاد ثقة، وكان الواجب عليه عدم الاقتصار على المبادرات الخطابية؛ لأنها لن تعيد الثقة وحدها ما لم تعزز بخطوات عملية في مسار آمن لتسليم السلطة، ولابد أن تكون الخطوات سريعة؛ لأن التأخر يزيد من تفاقم الأزمة،فما كان مقبولاً بالأمس قد صار مرفوضاً اليوم.
4-على الحزب الحاكم: أن يفرّق بين مرحلتين من تاريخ الأزمة- في الآونة الأخيرة- فمرحلة ما بعد الجمعة الدامية غير مرحلة ما قبلها ؛ لأن المجزرة الدموية قد أدمت القلوب، وأدانت السلطة، بل أفقدتها التماسك؛ فحدثت تصدعات مدوية في بنائها، وشروخ في القوات المسلحة حتى كادت السلطة تصاب بمقتل مما رجّح كفة الاستقالة المبكرة.،وعلي السلطة أن تعلم أن اختلاف الروايات أو اختلاقها لن يبرأ ساحتها من الجريمة البشعة، وإنما قد يكون للاحتمالات تأثير في توصيف موقفها بين سيئ أو أسوأ، وقد تعتبر نوعاً من أنواع الفجور السياسي.
5-على الأخ رئيس الجمهورية: أن يعلم أن هذه المرحلة مرحلة حاسمة في حياته السياسية، وأن القرار الذي سيتخذه فيها هو الذي سيحدد مكانه في سجل التاريخ، ويرسم صورته في ذاكرة الأجيال ؛ فمنطق العقل وداعي الحكمة يقتضيان أن يختم حياته السياسية خاتمة حسنة ،و يجنب الوطن ويلات الفتن، وذلك بتقديم استقالته وهو في عزة ومنعة، وكلما أسرع باتخاذ القرار كان الوضع أفضل ؛ فيكون قد توج منجزاته الوطنية، ورضي بسنة الله في التغيير؛ لأن بقاء الحال من المحال.
6-على الأخ رئيس الجمهورية: أن يفرّق بين أصحاب المبادئ والقيم الذين يصدقونه القول يريدون براءةً للذمم وإنقاذاً لليمن، وبين أصحاب المصالح والأهواء الذين يقلبون له الأمور، يريدون أكلاً للقم وزرعاً للفتن.
7-على قادة المعارضة: أن يستشعروا مسئوليتهم التاريخية أمام الله -سبحانه- ويقدموا المصلحة العامة للوطن،فيسعوا جاهدين إلى نزع فتيل الفتنة بترك الغلو والتعنت في المطالب باعتبارهم الوجه الآخر للسياسة في البلاد، كما يجب عليهم أن يكونوا حلقة وصل بين السلطة وشباب التغيير في الساحات للتوصل إلى انتقال السلطة بحل مرضي للجميع؛ لما لهم من الصفة القانونية في صلب العمل السياسي، ولما لهم-أيضا- من ثقل وأثر في صفوف الشباب في الواقع كل ذلك يؤهلهم أن يكونوا أقدر من غيرهم على التفاهم المشترك مع السلطة ومع الشباب للخروج من الأزمة بأقل الخسائر؛ فيكونوا بهذا الدور الإيجابي قد ساهموا في إنقاذ اليمن، وخففوا على أنفسهم، وعلى الشباب من تبعات ما بعد انتقال السلطة؛ لأنها إذا انتقلت السلطة بتضحيات فادحة فستعقبها انتقامات مؤلمة، وقد تستمر البلاد في سلسلة من الصراعات الدموية تهلك الحرث والنسل، ومن ذا الذي سيفرح بعد ذلك بسلطة أو سيهنأ بعيش، وهو يرى البلاد قد غرقت في نهر من الدماء ؟
8-على الأخوة الشباب في ساحات التغيير: أن يحافظوا على منهجهم السلمي وأن يحذروا كل الحذر من أن يستدرجوا إلى حلبة الصراع الدموي ،أو أن يندس فيهم من يقودُهم إلى فتنة،وإن يجعلوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القائل: « الإيمانُ يمان والحكمةُ يمانيةٌ والفقه يمان» شعارا لهم، وعنه تصدر مشاعرُهم، وأن تلتف حوله قلوبُهم كما التفت على مجسّمه أجسادُ إخوانهم بساحة التغيير في صنعاء، فيجمعوا بين جمالية الشكل والمضمون، وأن يحذروا ممن يشوهون جمال قضيتهم داخل صفوفهم بأقوال،وألفاظ،وشعارات بعيدة عن الدين ، ومنافية للأخلاق والقيم.
وفي حين تمت الاستجابة لتنفيذ مطالبهم المشروعة بخطوات عملية، وتوفُّر الضمانات القوية على مواصلة خطوات التنفيذ ؛ فعليهم القبول والمسارعة إلى إنهاء الأزمة، وتجنب الإصرار والتصلب على الأمور الشكلية،والحرفية إذا تحققت المطالب من الناحية الموضوعية؛ فيكونوا بهذا القبول قد قاموا بواجبهم في إنقاذ اليمن، وسحبوا البساط على أصحاب المواقف الاستفزازية، والتصريحات النارية الذين يريدون جعلهم مع القوات المسلحة وقوداً لنار الفتنة.
9-على القوات المسلحة: أن يستشعروا المسئولية أمام الله سبحانه، وأنهم صٍمام أمان بلد الحكمة والإيمان، وإن يستشعروا عظمة الدماء وحرمتها عند الله، وأنهم بحمايتهم الدماء والأموال والأعراض في جهاد مقدس سينالون أجره من الله.
وأن يحذروا أن يقعوا في سفك الدماء سواء بالاقتتال فيما بينهم وخاصةً بعد حصول الشرخ، أو بالوقوع في الفتنة مع الشباب فيخسروا دينهم ودنياهم من أجل دنيا الساسة والقادة .
نسأل الله أن يحفظ اليمن من كل مكروه،ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويهدينا جميعاً إلى صراطه المستقيم .والحمد لله رب العالمين.